Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مقطع عرضي في رأس عراقي

كيف يتشكل مزاج العراقيين في المحن وانعكاسات الأزمات على سلوكيات الشعب؟

للعراقيين تاريخ طويل مع المعاناة عبر الأزمنة  (أ ف ب)

لكل شعب خصوصية، وله سمات لن تتكرر لدى آخر، بحكم تاريخه، وتجاربه التي مر بها، وشكلت ذاكرته، ونسجت تلافيف مخه الجمعي الذي يشترك أفراده غالباً بمثيرات قد تصل حد التوافق، نتيجة الطرق المستمر على صفائح تلك المخيلة أو الذاكرة الجمعية. احتشاد الأفكار في مخيلة شعب معنى مجازي، لكنه دال في محصلاته وسماته ومشتركاته، استذكاراً وخبرة وسلوكاً.

شعب الحروب الماراثونية

الشعب العراقي، الذي أنا منه، وعشت كل محنه وحروبه الماراثونية، شاهداً ومشاركاً في تجرع حجم ونوع الألم الذي اختزله المخ العراقي وهو يسجل صورة فريدة في التاريخ، لعله يوصف بـ"ضغطٍ عالٍ" جراء الأحداث المتلاحقة في حياة أفراد هذا الشعب الذي يجمع تاريخاً قد يكون سر التناقضات، وحكايات وجوده.

ولعل عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، الذي كتب أدق التصورات عن المجتمع العراقي، قد يحل الكثير من الألغاز في حياة هذا الشعب، الذي يرجح قوة طبعه على تطبعه، فالناس هنا يعيشون أزمة وجود حضاري جراء حجم التجربة التي خاضوها، لكنّ تاريخاً طويلاً في ذاكرة العراقيين المعاصرين يشير إلى البعد النوعي لذاكرة الألم والأسى واللوعة التي مروا بها مُكرَهين، منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، التي عجزت ان تلقى حاكماً عراقياً واحداً تتفق عليه ليحكمها، مع وجود تفسيرات كثيرة لهذه الظاهرة أهمها التركة التي خلفها الغزو المغولي لبغداد 1258، وسقوطها المدوي، كحضارة عباسية انتهكت من غزاة قساة نالوا منها ومن إرثها الطويل.

الغزو المتكرر أسس لتاريخ المحن العراقية

بدأ تاريخ الدولة المعاصرة، بالغزو المتكرر الذي افتتحه الغزو الإنجليزي عام 1920، الذي أشعل ثورة الجنوب العراقي، لثلاث سنوات متواصلة لتعوق تقدم الجيش الغازي الذي قال لهم، "محررين لا فاتحين"، ولم يصدقوه، وأعلنوا العصيان المدني والحرب في ثورة العشرين، حتى استقلت الدولة، ولم تستقر.

ظل الشعب أغلبية مسحوقة تتمثل في فلاحين يقاومون الإقطاع وينشدون حريتهم، أمام أرستقراطية "عثملّية" من أبناء الثقافة العثمانية، الذين تعلموا في الأستانة فنون الحياة الحديثة ودعتها، وسط جموع الفقراء والمعدمين الذين يسكنون بيوت الطين، دون معرفتهم أنهم وريثو حضارات عظيمة، بل أول الحضارات الإنسانية في بلاد سومر، يعيشون على الصيد والزراعة البدائية ليسدوا رمقهم ويؤمنون قوتهم اليومي، لم تتمكن حضارة دولتهم الجديدة أن تحولهم إلى عصر الصناعة، التي دخلها العالم من قرون ليغير وجهة الحياة ويطور وسائل الإنتاج بالميكنة الحديثة.

يقول العالم الاقتصادي العراقي عبد الوهاب الداهري، "كان النظام الملكي غير مستوعب هذا التحول الذي يحدث خارج وعي السلطة بأن الناس ملّت العلاقات الإنتاجية المتخلفة التي يفرضها الإقطاع والهرب المستمر من الأرياف نحو المدن الكبرى، لتواجه تلك المدن حالة تريُّف قسري، حتى امتلأت العاصمة بالصرائف، التي تغرقها مواسم الفيضان المتكررة".

انتفاضة الخمسينيات وعسكرة المجتمع

كانت الخمسينيات بداية إرهاصات الثورة الشعبية والقسوة على النظام الاجتماعي السائد وبوابة التحولات الكبرى في الذاكرة العراقية الغاضبة على تحمل نصف قرن من الأسى بين العثمانيين والإنجليز، وحكم لم يتمكن من استيعاب المعضلة المعيشية للشعب، الذي اكتشف أن العسكر هم من يتصدرون مشهد التغيير بانقلاب على الرغم من دمويته، الذي أطاح النظام الملكي وأعلن الجمهورية الأولى بتخطيط حركة الضباط الأحرار، التي انقلبت على النظام الذي كانت تواليه، فسجلت ذاكرة العراقيين أول صورة لمشهد المأساة بمقتل العائلة المالكة وتعليق جثثهم على الطرقات بقسوة مفرطة وبلا ذنب لذلك العقاب، نتيجة أحلام ضابط متهور برتبة عقيد أصدر قراراً فردياً بقتلهم، حينها افتتح مواليد خمسينيات القرن الماضي ذاكرته ومستهل حياتهم بهذه الصور المفزعة، ومرأى جثث أعوان النظام الملكي تسحل في الشوارع، يمزقها الأسفلت، وتجر بحبال اليساريين الفوضويين، ليجد الناس بعدها أنفسهم يركضون في شوارع العاصمة خلف سيارة الزعيم الجديد الأوحد عبد الكريم قاسم، يعلنون محبتهم وولاءهم، يرفعون سيارته عن الأرض، بعد أن أصدر قرار حرق الصرائف غرب بغداد جهة الكرخ وتحويلها إلى بيوت شرق العاصمة، ليبني مدينة الثورة، التي صارت فيما بعد مدينة صدام، في الثمانينيات، ثم مدينة الصدر الحالية، ويعلن حلمه بوضع سقوف فوق رؤوس الفقراء.

تستبدل الصورة بمقتله بمقر الإذاعة والتلفزيون في بغداد من قبل الضباط البعثيين عام 1963 دون محاكمة بانقلاب عسكري، فرأى جيل الستينيات زعيمهم يُعدم على كرسي كئيب من ثلة من الانقلابيين، ويصفون زعيم البلاد بالديكتاتور بعد أن وصفوه قبل سنوات بالزعيم الأوحد، ليبرز مشهد جديد لما يسمى "الحرس القومي" في شوارع بغداد والمحافظات يصفون خصومهم الشيوعيين، وهم يجوبون الشوارع بالرشاشات الخفيقة رمزاً لسلاح قومي، وما إن مرت ستة أشهر انقلب عليهم الضابط الذي نصبوه رئيساً، عبد السلام عارف ليسحق انقلابي مارس (آذار) بصولة نوفمبر (تشرين الثاني) التي قام بها جيشه، ويعلن القضاء على الحرس اللاقومي.

بعد عامين من هذا، يرى جيل الستينيات صورة طائرة الرئيس عارف المحطمة وهو عائد من زيارة للبصرة، تحت سيل من الإشاعات ترجح مؤامرة مقتله المدبر، ليستخلفه شقيقه عبد الرحمن عارف وهو يلف مضمار ملعب جديد في بغداد معلناً افتتاحه بزهو، وهو الأول والأخير الذي افتتح في منتصف الستينيات بسيارته المكشوفة، ليوحي بأن البلاد تعيش أجواء الأمن والأمان، دون أن يدرك أن رفاق دربه العسكر يحضرون لانقلاب يوليو (تموز) البعثي عام 1968، الذي جاء بالنظام الثوري البعثي مرة ثانية ليعلن أنها ثورة بيضاء، حين وضعوا الرئيس في طائرة عسكرية منفياً لتركيا، من دون قتله، وهو الرئيس الوحيد في العهد الجمهوري الذي لم يقتل ويموت في منفاه الاختياري عام 2007 بالأردن ويدفن في مقبرة الغرباء.

حكم "البعث" وتصفية الخصوم

تلا ذلك صورة إعلان ما وصفوه بـ"الثورة البيضاء" عام 1968 وهي تدشن سلسلة إعدامات لمن وصفوهم بالجواسيس، وسط مظاهر حشد غير مسبوقة، حتى تصطبغ صورة تلك الثورة البيضاء بحرب ضروس مع إيران استمرت ثماني سنوات، لتسجل أطول حرب في التاريخ المعاصر، لم تبق أو تذر على جبهة طولها 1300 كيلومتر.

نزفت أجيال عراقية فيها دماً وامتلأت المدن باللافتات السود، تعلن شهداء تلك الحرب، التي أكلت مقدرات البلاد والعباد، مع خسائر بشرية ومادية لا تعد أو تحصى، كانت سبباً لحرب تلد أخرى، كما يصفها أحد الكتاب العراقيين، كانت صور الحرب مفزعة في تشكيل ذاكرة الموت لم تشهدها البلاد من قبل، بل لم تشهدها أمة في العالم ضحاياها ملايين الشباب، ومشاهد تدمير المدن، لا سيما الجنوبية، وتدمير البيئة وتجفيف الأهوار، الرئات الطبيعية للبترول، وآخر ما تبقى من حضارة الماء السومرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تسببت الحرب في هجرة مئات الآلاف من السكان للحفاظ على ما تبقى من حياتهم، وشحنت ذاكرة الناس بصور الصواريخ الباليستية في "حرب المدن" التي تتساقط على مدنهم التي ما عادت محمية، بل تحولت البلاد كلها لساحة حرب، كان الناس تنام خائفة وتصحو مذعورة من دوي صواريخ أرض - أرض، الباليستية، حتى وقفت الحرب بتدخل دولي، وتجرع كأس السم، الذي شربه الجميع، وليس الإيرانيون وحدهم من تجرعوه، بل العراقيون، الذين يقفون على ثلث مساحة إيران الشاسعة، وقفت الحرب ليحصي الناس خلال سنتين خسائرهم ويضمدوا جراحهم ويدفنوا قتلاهم ويعدوا قوائم أسراهم، وقفت الحرب بعد ثماني سنوات من العثرة ليحتفلوا في ساحة الاحتفالات الكبرى، وقلنا وداعاً للسلاح نعم للسلام.

غزو الكويت القرار والمقرر

لكن ذاكرة العراقيين على ما يبدو أمهلت سنتين حتى جلسوا صباحاً في الثاني من أغسطس (آب) عام 1990 ليكتشفوا توغل فرق من الحرس الجمهوري احتلت الكويت دون سابق إنذار، إعلان ضمها "محافظة عراقية 19"، دون أن يعرف الشعب كيف ولماذا، لكنه خلال الأشهر الستة هاجر وفر آلاف العراقيين خارج البلاد، يحملون صور المعركة التي كانت تعرض لهم عن الحرب مع إيران، وشهدت البلاد حقبة من الوفود الدولية تأتي، وأخرى تذهب، وحشود جيوش العالم كله حول حدود العراق، تطالب بالانسحاب دون جدوى، حتى اندلعت حرب من طراز آخر عام 1991 أبادت الجيش وآلياته بالقصف الأميركي الغربي، وأعادت البلاد للقرون الوسطى، لا ماء، ولا كهرباء، ودمر الجيش العراقي، رابع جيش في العالم، بحسب توصيفات سابقة، بين المطلاع والبصرة، ولنرى صورة الجنرال الأميركي شوارزكوف يتفاوض في خيمة صفوان، ويفرض شروط المنتصر، بعد أن توغلت قواته في البلاد، ووصلت إلى محطة السماوة للسكك الحديد جنوب البلاد.

انسحبت بقايا الجيش نحو المدن ليدخل جندي عراقي منسحب غاضب بجدارية الزعيم في ساحة أم البروم في قلب البصرة المدينة النفطية الأولى بالبلاد، وإذ ذاك ثار الشعب في انتفاضة عارمة سميت "الانتفاضة الشعبانية" التي سماها النظام "صفحة الغدر والخيانة" ليهرب على أثرها مئات الآلاف من سكان الجنوب نحو السعودية، باتجاه رفحاء، وباتجاه الشمال، ويقسم العراق للمرة الأولى دولياً من الجو على خطي عرض 32 و36 كمناطق آمنة من الطيران الحكومي لحماية السكان.

الحصار حقبة تأكل الدولة

وتدخل البلاد في حصار اقتصادي لمدة 13 عاماً، حتى صارت أجواء الحصار، مجتمعاً جديداً، بذرت خلاله شتلات الفساد، وقنّنت حياة الناس على البطاقة التموينية في مجتمع يلفه العوز والحرمان، وسلطة تبني القصور بدعوى أنها للشعب، ثم يدخل المجتمع في سنوات أثار الحصار الوئيدة، ثم تعيش البلاد فصل فرق التفتيش التي تجوب العاصمة والمحافظات بدعوى أنها تبحث عن أسلحة الدمار الشامل، دون جدوى، ونرى انهمار الصواريخ على بغداد عام 1988 إثر منع الفرق، ثم عودتها الإجبارية مع سلسلة من القرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن الدولي ضد النظام يدفع الشعب فاتورتها، ووضعت موارد البلاد ومنشآته تحت التدمير بدعوى الاستخدام المزدوج لتخسر البلاد مليارات الدولارات من صناعتها وميكنتها ويعود بلداً محطماً، جراء سلطة مكرهة على التنفيذ لتبقى، لكنها أمهلت قسراً أياماً لتغادر، أو تشن عليها الحرب من جديد، فشنت لتحشد ذاكرة الأطفال والشيوخ والنساء بالجيوش الغازية التي تريد إسقاط الرئيس واعتقاله، بعد أن وضعت صور الزعامات العراقية على ورق اللعب لمجموعة الـ55 مسؤولاً عراقياً يمثلون النظام، حتى احتشدت بقايا الذاكرة باجتياح البلاد ونوع جديد من ماكنة الحرب التي لم يروها من قبل، سوى أنها تطلق بكثافة، وهي تقتل المدنيين في ساحة النسور ببغداد.

بدء عملية سياسية جديدة

عاش الشعب مسرح عبث أثناء تشكيل الحكومات ما بعد 2003، التي استقدمت من الخارج لمعارضين يتنافسون بين دول اللجوء التي قدموا منها، بعد حل المؤسسة العراقية التي عملت منذ الحرب العالمية الثانية وأنشأت جيشاً نظامياً ونظاماً على الطريقة الإنجليزية، حلت ورحلت لدوافع تعويم النظام الجديد بعقيدته التي لم يألفها العراقيون.

انسحبت دولة الاحتلال نهاية عام 2011، وتخيّل الشعب أنه أصبح حراً، وإذا بقوات "داعش" تحتل المدن وتسقط المحافظات وتعيث في الأرض فساداً، فتدمى الذاكرة العراقية من جديد، وتدخل البلاد في حروب "داعش"، التي انتهكت كرامة الشعب، وسبت النساء، وحطمت الموروث الحضاري، وتنادى مئات الآلاف من العراقيين لطردهم.

ثم ندخل انتفاضة شعبية ضد السلطة التي لم تحترم دماء من حرروا البلاد، ويقتل المئات ويجرح الآلاف، ثم يدخل الشعب بانتخابات زورها مقاولو السياسة وأصحاب الميليشيات الذين حرقوا الصناديق، وحرقوا قلوب الشعب بقتل متظاهري أكتوبر (تشرين الأول)، وحرق صناديق الاقتراع وإخفاء وثائق الدولة ومزارعها وتهريب النفط ومظاهر الثراء الفاحش لأعوان السلطة قبالة فقر العامة وعوزهم المدقع.

فأي ذاكرة يختزلها ذلك الرأس العراقي الذي رأى وسمع وعاش وطاش في قصص لا تصدق حتى في أحلام ألف ليلة وليلة، ليسجل خيبات لن تمر على شعب، ليأتيك أحدهم يطلب من عراقي يهم بالهجرة أن يبتسم للصورة التي توثق كونه يهم بها.

المزيد من تحلیل