Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراقي محمد خضير يروي حكايات الأحياء الشعبية

"العشار" مجموعة قصصية تنطلق من المعطى الشفهي والبعد اليومي

القاص العراقي محمد خضير (صفحة الكاتب على فيسبوك)

تنقسم الفنون؛ طبقاً للتصنيفات النقدية الحديثة، إلى فنون مكانية يقع على رأسها الفن التشكيلي، وفنون زمنية تقع الموسيقى في قمتها. بينما تجمع الأجناس الأدبية بين البعدين؛ المكاني والزماني. وداخل الأجناس الأدبية ذاتها يمكن ملاحظة طغيان الصفة المكانية على السرد، بينما يجنح الشعر إلى البعد الزمني حتى على مستوى إيقاعاته. غير أن العراقي محمد خضير يكسر هذا التوقع ويجعل المكان بناسه وحكاياته وأساطيره هو مدار كتابته في مجموعته القصصية "العشار... أساطير الميل الواحد" (دار الرافدين). والعشار هو أحد الأحياء الشعبية العراقية وهو مرتبط -شأن الأحياء الكبيرة- بعشرات القصص حيث إن الدوران حوله كما يرى الكاتب "مقرون بعدد القصص المروية عن حياة ساكنيه وعامليه المحسوبة بحوادث غير مسجّلة في ديوان ولا تنتسب حكايتها لراوٍ بعينه".

ومن خلال تأمل هذه السطور نجد خضير يخلع على هذه القصص بعض الصفات وهي أنها تدور حول ساكني هذا الحي وأنها غير مسجَّلة، ما يعني أنها شفاهية، وأنها لا تنتسب لراوٍ بعينه، أي إنها شعبية لا تعرف المؤلف الواحد. إنها حكي جماعي خاص بالمكان، غير أن الكاتب يحاول أن يقوم بدور هذا المؤلف من خلال حكاياته الحديثة التي تتواصل مع القديمة حول هذا المكان العريق حين يقول "سأروي تباعاً عن عربة بائع الشاي وخيمة الإسكافي وزاوية بائع الخواتم ودكان العطار وبائع التمور".

أساطير لا تنفد

إنها شخصيات المكان المهمَّشة أو التي تعيش على حافة الحياة. ويؤكد خضير خصوصية حكيه وتمايزه عما سبق قائلاً: "ولي في كل قصة مذهب ورفقة ومغزى". وهو يعلم أن صانع الأسطورة إلى زوال حين يشيخ ويموت حتماً لكن أساطيره هي التي تبقى، كما يبدو من قوله "يشيخ المؤسطر المسحور بينما أساطيره تتناسل بلا عمر محسوب". وهي أساطير لا تنفد حيث يتماهى بعضها مع بعض وتزداد أبعاداً جديدة مع مرور الزمن. وهذا ما يريده الكاتب تحديداً في قوله "تشاكلات وتماهيات متناسلة في مساحة ميل مربع واحد لكن حصيلتي منها لا تنفد". إن الحرية المتاحة فقط هي حرية الخيال الذي يؤسطر الحكايات بينما يظل الفرد مقيداً بسلطة الجمع لا يستطيع خرق قوانين هذا المربع.

يقول السارد "إذا خرق المربع فردٌ ضال عن هذا الميزان ردّته إلى صوابه سلطةُ السوق الضاربة في القدم وطبيعة التدافع من أجل العيش. فالواحد مجرور بسلطة الجمع". هذه السلطة بمستوييها: سلطة السوق وسلطة الجمع تستدعي ما يمكن أن نسميه ذهنية التحريم الديني. ويدلل خضير على ذلك من خلال إحدى التيمات الدالة، حين يقول إن "كتم العنوان تحت غلاف سميك هو الآخر أسلوب موروث من عهود الرق والتحريم الديني".

السردي والشعري

ويعد تداخل السردي والشعري سمة بارزة في هذه المجموعة، ويظهر هذا في نص "حارة السكاكيني"، على سبيل المثال، إذ يبدأ بالمكان أيضاً منذ عنوانه وسوف نرى على مدار النص تحديدات زمنية ومكانية بالإضافة إلى الشاعر وبائع الأحجار وذلك حين نقرأ "في جانب من سوق الأحجار الثمينة كان سميي البائع ينتظر موعدي الأسبوعي به، فلدينا ما نتبادله ونتهاداه ونخبئه، هو في صفحة نحاسية وأنا في بطانة سترتي وجيوبها الداخلية". حيث نجد في هذه السطور تحديداً للمكان -جانب من سوق الأحجار الثمينة- والزمان -الموعد الأسبوعي بين السارد والبائع- وحركة الشخصيات ثم تأتي "الثغرة الزمنية" حين يقوم الكاتب بتسريع حركة الزمن متجاوزاً بعض الأحداث... "في نهاية النهار رافقتُ بائع الأحجار إلى داره خلف ضريح الولي عز الدين الرفاعي الواقع في حارة السكاكيني، ولا تسل عن سر تسميتها بهذا الاسم قبل هذا الوقت". وسوف نلاحظ تغير المكان وتحوله من السوق إلى دار بائع الأحجار الثمينة، أي من العام إلى الخاص. لكن السارد يظل حريصاً على تحديد موقع هذه الدار ليربطها بما هو عمومي: ضريح الولي عز الدين الرفاعي الواقع في حارة السكاكيني. ولأنه راوٍ تقريبي فإنه يتوجه بالخطاب إلى المتلقي الذي يستهدفه ويطلب منه ألا يسأل عن سر تسمية "حارة السكاكيني" بهذا الاسم.

المكان والإنسان

والحقيقة أننا أمام توحد بين المكان والإنسان، فحين يتحدث السارد عن الشحاذات في قصة "الجسر"، يقول إنهن "جزء من الجسر الخشب وعمرهن من عمر إنشائه على نهر العشار في العهد الملكي". ومن الواضح أنه يقوم بأسطرة هؤلاء الشحاذات فلا أحد يمتلك كل هذا العمر الممتد منذ العهد الملكي، لكنه الخيال الأسطوري الذي يوظفه منذ البداية. ومن علامات هذا التوحد أن السارد يقيس مسافة الجسر بعدد هؤلاء الشحاذات حين يقول "أقيس مسافة جسر" المقام "بعدد النسوة الشحاذات وكمية الخردة المعبّأة في جيب بنطالي، أربع شحاذات وثماني قطع نقدية تسقط اثنتان منها في كل كف من الأكف الأربعة المبسوطة". وفي قصة "صانع المفاتيح" يبدأ خضير بما يشبه الحكمة حين يقول "لا قيمة لشيء مستنسخ مفتاحاً كان أم صورة من ماضٍ غارب". وهي مقولة أقرب إلى أن تكون تمثيلاً لعقيدة الكاتب الفنية فهو ضد الاستنساخ الذي يقوم على التقليد واجترار الماضي من دون تأويل جديد. وفي أحد مواضع القصة يتخيل الحوار التالي "- أنا المفتاح الأكبر أقول هذا لأني أؤمن بالسر الأعظم / - أليس هذا سراً مشاعاً؟ /- نعم هو كذلك لكن لا أحد يعتقد بذلك، صناع المفاتيح لا يعترفون بوجود مفتاح واحد لكل الأقفال لا يمكن استنساخه".

وهنا نكون إزاء ترميز لهذا المفتاح الواحد الصالح لكل الأقفال الذي يستحيل استنساخه، فهل هو الإبداع نفسه؟ هل هو قوة اليقين؟ وهكذا تنفتح التأويلات التي بدأها الكاتب من تفصيلة صغيرة داخلاً إلى آفاقها الدلالية المتعددة.

تقنية الحوار

ومن الواضح أن الكاتب يوظف تقنية الحوار الذي سوف يستمر معه في قصة "ديك البجاري" وفيها يترك خياله حراً ليرتجل حواراً طريفاً بين "ديك ضابط إنجليزي" وفد مع طلائع الجيش الغازي عام 2003، و"ديك البجاري". ويصنع خضير هنا ما يشبه التعويض النفسي حين يجعل ديك البجاري ينتصر على ديك الضابط الإنجليزي... "ارتفع ضجيج الكورس المتراهن على رأس الديكين حين صرع ديك العشار ديك الإنجليزي وانتصب على جثته".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي قصة "راقصة الملهى القديم"، يعود الكاتب إلى توظيف السرد حين يحكي عن الراقصة الفقيرة "أم هديل" وزوجها "إسكندر"، إذ انتهى بها الأمر إلى الطرد من مسكنها المؤجر وتم إلقاء عفشها القليل على الرصيف على مرأى من الهوام البشرية السائرة دونما اتجاه.

وفي قصة "زهرة" تحضر المدينة بصمتها الذي يعقب العنف النهاري وكما قام الكاتب بترميز المفتاح الأكبر يقوم -هنا- بترميز "الأيقونات" التي تطوف المدينة في غفلة من الدرك لكي تجدد شبابها... "حينما تصمت المدينة بعد يوم عنيف، تنهض الأيقونات المرسلة من الجانب الآخر لتطوف الشوارع المقفرة وتنفذ في غفلة من الدرك إلى مخادع الناس المتعبين. لا أحد في المدينة يعرف موقع هذا الجانب مهما اشتد حدسه، مع هذه الأيقونات تتجدد روح المدينة العتيقة وتسهر على مصير أطفالها". فنحن إزاء مدينة عتيقة صامتة يسير الدرك في شوارعها المقفرة، وناسها متعبون، لكن هناك وجهاً آخر أو جانباً آخر لا أحد يعرف موقعه تأتي منه هذه الأيقونات لتعيد الروح إلى المدينة. فما هذه الأيقونات؟ وإلى أي شيء ترمز؟ هل هي الطاقة المستنيرة في موضع ما من المدينة؟ ربما. وإيغالاً في الترميز يقول السارد "أيقونتي واحدة لا تتغير وأنا أسميها زهرة الجماجم". وفي قصة "الحائط الوردي" يحضر وجه المدينة الغاضب والرافض واقعها المأزوم والساعي إلى تجاوزه... "بمحاذاة شارع المركبات العام الواصل بين جنوب المدينة وشمالها يمتد جدار طويل ملطخ بالتجريبات الجرافيتية المضطربة، الضمير المكبوت يلطخ الأبصار بملاحظات شتى عن هياجها السياسي الراهن". وهكذا يتحول الحائط الوردي إلى مرآة تعكس علامات الغضب والرفض لواقع المدينة، وذلك حين يتكلم هذا الحائط لغة أخرى و"يحمي ظهور أولاده الأشقياء بلغة كوكتو أو محمود درويش".

وأخيراً يمكن أن نسمي شعرية محمد خضير المتجلية في تلك النصوص السردية بشعرية "الأشياء"، وذلك لأنه يتوقف أمام الشيء سواء أكان صغيراً -المفتاح أو الأيقونة- أم كبيراً بحجم حائط ويقوم بتشعيره ووضعه في سياقات منفتحة على أفق واسع من الدلالات.

المزيد من ثقافة