Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"زقاق المدق" تملأه الشخصيات المحفوظية تمثيلا ورقصا

الإخراج المسرحي حرص على إرضاء الجمهور وحافظ على جوهر الرواية

رواية "زقاق المدق" عرض مسرحي مصري (الخدمة الإعلامية للفرقة)

حظيت رواية "زقاق المدق" للروائي المصري العالمي نجيب محفوظ بشهرة واسعة، سواء على مستوى الدراسات الأكاديمية التي تناولتها، أو على المستوي الشعبي، بخاصة بعد أن تحولت إلى فيلم سينمائي عام 1963 قامت ببطولته الفنانة شادية مع صلاح قابيل ويوسف شعبان وتوفيق الدقن ومحمد رضا وسواهم، وأخرجه حسن الإمام.

وعلى المستوى العالمي ترجمت الرواية إلى الإنجليزية عام 1966، وبعد نوبل ترجمت إلى لغات عدة، ثم تحولت إلى فيلم مكسيكي عام 1995 بعنوان "حارة العجائب"، قامت ببطولته الفنانة العالمية من أصل لبناني سلمى حايك وإرنستو غوميث كروز وماريا روغو، وأخرجه غورغى فونس. وتحولت الرواية إلى عرض مسرحي عام 1985 قامت ببطولته معالي زايد وصلاح السعدني وعبدالمنعم مدبولي وسيد زيان، كتب نصه بهجت قمر، وأخرجه حسن عبد السلام.

هذه المرة تقدم "زقاق المدق" في صيغة استعراضية غنائية، من إنتاج "البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية" (مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الثقافة المصرية)، الرؤية الدرامية والأشعار لمحمد الصواف، إخراج عادل عبده، بطولة دنيا عبد العزيز وبهاء ثروت ومجدي فكري وبثينة رشوان وشمس ومجموعة كبيرة من الممثلين والفنانين.

عصب أساسي

العرض الذي يستغرق حوالى ثلاث ساعات، لم يكن ثقيلاً على الجمهور، كعادة العروض الطويلة التي يغفل صنّاعها عن الرفق بالجمهور وإحداث حالة من الانتعاش بين وقت وآخر حتى لا ينصرف عنهم. فقد احتشد بالاستعراضات والأغاني التي مثلت العصب الأساسي له، مع الحفاظ بالطبع على الحوار، ودفع كل من الاستعراضات والأغاني من ناحية، والحوار من ناحية أخرى، دراما العرض إلى الأمام، بحيث شكل كل عنصر لبنة من اللبنات التي لا يكتمل من دونها.

استغل عادل عبده، مخرج العرض، إمكانات "مسرح البالون" الضخمة من حيث اتساع خشبة المسرح وعمقها والتقنيات الحديثة التي تتوافر فيها على مستوى الإضاءة والصوت وميكانيزم الخشبة نفسه، واستعان بعدد كبير من الراقصين ولاعبي السيرك لإضفاء الطابع الشعبي على العمل. فالأحداث يدور أغلبها في حارة شعبية، وهذا ما يناسبها، وقد وضع شاشة عملاقة في العمق لعرض بعض اللقطات للقاهرة القديمة، من خلال مادة فيلمية أعدها ضياء داود، ووظفها كجزء مساهم في بناء الديكور. واستخدم مصمم الديكور محمد الغرباوي "الفيديو مابينغ"، أعده رضا صلاح، في إضفاء طابع شبه سينمائي على العرض، وتجسيد الحارة الشعبية والشوارع المحيطة بها، وكذلك الكازينو الذي عملت فيه بطلة الرواية حميدة، من دون الحاجة إلى كتل ضخمة. فالديكور عبارة عن ثلاثة بانوهات يمين المسرح، وثلاثة أخرى يساره، وتم استخدامها في أكثر من تشكيل ببساطة، للانتقال من منظر إلى آخر، وأسهم الديكور في بناء صورة العرض، وأضفى عليها قدراً من الجمال.

ولعبت أزياء مروة عودة هي الأخرى دوراً مهما، سواء في التشكيل الجمالي  للصورة الكلية من حيث الألوان والقصات، أو من حيث تجسيد طبيعة أزياء في فترة الأربعينيات من القرن الماضي، التي تدور أحداث الرواية خلالها.

انهيار القيم

أراد نجيب محفوظ تصوير انهيار المجتمع المصري وقيمه، بخاصة بعد تداعي ثورة 1919 وقيام الحرب العالمية الثانية، معتبراً هذا الزقاق، الذي يقع في منطقة الجمالية في القاهرة الفاطمية، وكأنه صورة مصغرة لمصر في تلك الفترة، فما يحدث داخله من انهيار وتداع للقيم، هو نفسه ما يحدث خارجه ويمس المجتمع كله.

أهل الزقاق ليسوا جميعاً أسوياء، كل منهم أصابه شيء من الانهيار القيمي: حميدة المتمردة على أوضاعها والساعية إلى الخروج من الحارة أو الخروج عن طبيعتها السوية، المعلم كرشة صاحب المقهى الذي كان واحداً من رجالات ثورة 19 تحول إلى مدمن مخدرات وسمسار انتخابات، عباس الحلو، الذي كان راضياً بوضعه داخل الحارة ولديه محل حلاقة يجلب له رزقاً معقولاً، اضطر إلى الخروج من الحارة هو الآخر عاملاً في معسكرات الإنجليز المحتلين ليرضي تطلعات حميدة، زيطة الذي يحدث العاهات براغبي العمل في التسول... مجتمع بائس، مشوه، لا قيم ولا عادات حسنة حافظ عليها، وذلك بسبب الحالة العامة المزرية التي أصابت البلد كله جراء الاحتلال وفشل الثورة، وضياع أحلام التحرر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حافظ صاحب الرؤية الدرامية على الخيوط الأساسية في الرواية، وإن لم يلتزم الدقة في نهايتها. وهذا ما فعله الفيلم أيضاً، وأسهمت الأغاني، التي لحنها أحمد محيي، في تحريك الحدث ودفعه إلى الأمام. وهي كانت جزءاً مهماً في البناء الدرامي للعرض، فضلاً عن أنها خففت كثيراً من وطأة الوقت الطويل، بخاصة أنها جاءت مصحوبة باستعراضات، ما جعلها وسيلة إنعاش للمشاهدين، إلى جانب مهمتها الأساسية بالتأكيد.

تمثيل متقن

لعبت دنيا عبد العزيز دور حميدة، الفتاة الشعبية المتطلعة، بفهم ووعي بطبيعة هذه الشخصية المتمردة، التي أدى طموحها المادي إلى انحرافها وضياع آمالها كلها. كانت دنيا مناسبة تماماً لهذا الدور لكونها ممثلة استعراضية تمتلك مواصفات جيدة، وكانت واعية كذلك بالطبيعة الشعبية للشخصية حركة وكلاماً. وفي دور الأم كانت بثينة رشوان هي الأخرى حريصة على عدم استعارة طريقة أداء الممثلة الكبيرة عقيلة راتب في الفيلم، وسعت إلى العثور على طريقتها الخاصة. ولعب بهاء ثروت دور عباس الحلو العاشق لحميدة، بهدوء ورصانة وخصوصية. وكذلك مجدي فكري في دورالقواد صاحب الكازينو، وسيد جبر في دور المعلم كرشة صاحب المقهى... كان طاقم التمثيل عموماً مدركاً أن الفيلم السينمائي المأخوذ عن الرواية، توافر له ممثلون من العيار الثقيل، كما أن الفيلم يحظى بشهرة واسعة في الأوساط المصرية، لذا كان على كل منهم أن يشق لنفسه طريقة أداء مختلفة، تبعده عن فكرة المقارنة التي لن تكون في صالحه، وهو أمر صعب، إلا أن أغلبهم نجح وقدم ما يخصه.

العرض موجه إلى جمهور عام، وهو ما انعكس على الرؤية الإخراجية التي جاءت حريصة على إرضاء هذا الجمهور من خلال الصورة المسرحية المبهجة، والاستعراضات والألعاب الشعبية المتنوعة، ما مثل عنصر تسلية مهماً. وفي الوقت نفسه حافظت هذه الرؤية على جوهر الرواية وما يحمله من دلالات وتأويلات متعددة، جامعة بين فكرة البهجة والتسلية، وبين فكرة التأمل في مصائر شخصيات العمل، ومحاولة التماس الأسباب التي أوصلتها إلى ما وصلت إليه.

المزيد من مسرح