ملخص
يُرجَّح أن يُبقي "الاحتياط الفيدرالي" الأميركي أسعار الفائدة من من دون تغيير خلال اجتماعه هذا الأسبوع، على رغم بيانات التضخم التي عززت المبررات الاقتصادية لرفعها مجدداً.
من المتوقع أن يُبقي "الاحتياط الفيدرالي" الأميركي أسعار الفائدة من دون تغيير هذا الأسبوع، لأسباب ترتبط بتصريحات مسؤولي البنك المركزي بقدر ارتباطها بأداء الاقتصاد.
ويضع ذلك صناع السياسة النقدية في موقف صعب، فبعد زيادة أسعار الفائدة الشهر الماضي، أشار مسؤولون كبار إلى عدم وجود ضرورة للتسرع في اتخاذ خطوة جديدة، وهو ما دفع المستثمرين إلى خفض توقعاتهم في شأن رفع الفائدة خلال الشهر الجاري، لكن بيانات التضخم التي صدرت هذا الشهر عززت المبررات الاقتصادية لزيادة أخرى.
وجاءت قراءات أسعار المستهلكين وأسعار الجملة في سبتمبر (أيلول) الماضي أعلى من المتوقع، مما يشير إلى أن مقياس التضخم المفضل لدى "الاحتياط الفيدرالي" لن يُظهر تقدماً إضافياً نحو مستهدفه البالغ اثنين في المئة، ويأتي هذا التوقف في مسار تراجع التضخم المستمر منذ أوائل عام 2025.
وفي الوقت نفسه، أسهمت الطفرة في بناء مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الحفاظ على متانة الاقتصاد، على رغم ارتفاع كلفة المدخلات التي تواجهها الشركات نتيجة الرسوم الجمركية وأسعار الطاقة.
لكن رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي كيفن وارش لم يقدم، في تصريحاته التي أعقبت صدور بيانات التضخم بوقت قصير، مما يدفع المستثمرين إلى تغيير توقعاتهم في شأن تثبيت أسعار الفائدة.
وفي تصريحات علنية في الـ16 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، عشية بدء فترة الصمت التي يلتزم بها مسؤولو البنك المركزي قبل اجتماعات السياسة النقدية، لم يشر وارش إلى تقارير التضخم، وقال إن الاقتصاد جاء "متوافقاً إلى حد كبير" مع توقعات المسؤولين خلال اجتماع سبتمبر من العام.
وإثر ذلك، تراجعت احتمالات رفع أسعار الفائدة إلى نحو 15 في المئة، ومن شأن تنفيذ زيادة الآن أن يشكل مفاجأة للأسواق، قبل أقل من أسبوع على انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل
وقال الرئيس السابق لبنك الاحتياط الفيدرالي في دالاس روبرت كابلان، الذي يشغل حالياً منصب نائب رئيس مجلس الإدارة في مجموعة "غولدمان ساكس"، إنه لو كان المسؤولون يريدون رفع الفائدة هذا الشهر، لكان عليهم تهيئة الأسواق لهذه الخطوة بصورة أوضح.
وأضاف لصحيفة "وول ستريت جورنال"، "بالطريقة التي جرى بها ترتيب الأمور حالياً، فإن المسار الأقل مقاومة هو عدم القيام بأي شيء".
الانتخابات تزيد صعوبة اتخاذ قرار مفاجئ
ويؤكد مسؤولو "الاحتياط الفيدرالي" أن السياسة لا تؤثر في قراراتهم، وهو موقف يتفق معه كبير الاقتصاديين الأميركيين في "باركليز" مارك جيانوني، الذي أمضى أكثر من عقد في منظومة "الاحتياط الفيدرالي"،
لكنه أشار إلى أن الهدف قبل أيام من الانتخابات يتمثل في "البقاء خارج دائرة الأخبار".
وفي ضوء الطريقة التي شكل بها المسؤولون توقعات الأسواق، فإن ذلك يرجح الإبقاء على أسعار الفائدة من دون تغيير.
ويرى بعض الاقتصاديين أن المسؤولين ينبغي أن يتحركوا على رغم هذه الاعتبارات. فمع توقع رفع الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بعد التثبيت المرجح هذا الأسبوع، لا يجد هؤلاء فائدة كبيرة في الانتظار ستة أسابيع، ويحذرون من أن يتأخر "الاحتياط الفيدرالي" عن احتواء التضخم، فيضطر إلى التحرك بوتيرة أسرع لاحقاً.
وقالت الاقتصادية السابقة في الاحتياط الفيدرالي كلوديا سام، إن البيانات الحالية، إذا جرى تقييمها من منظور إدارة الأخطار، تشير إلى أن البنك المركزي ينبغي أن يرفع الفائدة هذا الأسبوع.
وأضافت "إذا استخدمتم ببساطة نهج إدارة الأخطار ونظرتم إلى البيانات، فستجدون أنهم يريدون رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع".
لكن هناك أيضاً مبررات اقتصادية تدعم الانتظار، فقد أشار معظم مسؤولي "الاحتياط الفيدرالي"، في توقعاتهم المقدمة الشهر الماضي، إلى زيادة واحدة إضافية فحسب خلال العام الحالي.
وإذا كانوا لا يعتقدون أن البنك المركزي يحتاج إلى رفع الفائدة كثيراً، فإن الفصل بين الزيادات لا يترتب عليه ضرر كبير، ويمنحهم وقتاً إضافياً لمراقبة اتجاهات الاقتصاد والتضخم.
وقال كابلان إن هناك فرقاً بين الخطأ الإستراتيجي والخطأ التكتيكي، مضيفاً أن التأخر ستة أسابيع يمثل مخاطرة يمكن التعامل معها.
مخاوف من تقلبات الأسواق المالية
في حين قد يؤدي رفع أسعار الفائدة في اجتماعين متتاليين إلى استنتاج المستثمرين أن الاحتياط الفيدرالي بدأ دورة زيادات أسرع مما يتوقعه المسؤولون أنفسهم،
وفقاً لكبير الاقتصاديين الأميركيين في "يو بي إس" جوناثان بينغل.
وقال بينغل إن التضخم، على خلاف ما حدث في عام 2022 عندما رفع "الاحتياط الفيدرالي" أسعار الفائدة بقوة، "لا يخرج فعلياً عن السيطرة، بل استقر عند مستوى يقارب 3 في المئة".
وشهدت أسواق السندات تقلبات ملحوظة أيضاً، مع تغير توقعات المستثمرين في شأن السياسة النقدية، وتأثرها في الآونة الأخيرة بأداء أسهم شركات التكنولوجيا.
وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى أكثر من 5 في المئة عقب زيادة أسعار الفائدة الشهر الماضي، ثم تجاوز 5.3 في المئة خلال الأسابيع الثلاثة التالية، مسجلاً أعلى مستوى له في 24 عاماً.
لكن موجة بيع أسهم التكنولوجيا الخميس الماضي دفعت المستثمرين إلى اللجوء إلى السندات باعتبارها ملاذاً آمناً، فانخفض عائد السندات لأجل عشر سنوات بمقدار 0.19 نقطة مئوية إلى 4.95 في المئة، وكان ذلك أكبر تراجع يومي منذ انهيار بنك "سيليكون فالي" في مارس (آذار) عام 2023، وقال كابلان إن هذه التقلبات تعزز مبررات الحذر، لأن "هناك كلفة لخلق تقلبات غير ضرورية".
انقسام بين مسؤولي "الاحتياط الفيدرالي"
وتعتمد جدوى الانتظار على مقدار الزيادة الإضافية التي يعتقد مسؤولو "الاحتياط الفيدرالي" أن أسعار الفائدة تحتاج إليها، وهو ما يكشف عن انقسام في وجهات النظر داخل البنك المركزي.
وكانت رئيسة بنك الاحتياط الفيدرالي في سان فرانسيسكو ماري دالي، ورئيس بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز، من بين المسؤولين الذين قدموا زيادة الشهر الماضي باعتبارها إجراءً لإدارة الأخطار، يهدف إلى منع ترسخ التضخم، وليس دليلاً على أن أسعار الفائدة كانت بعيدة كثيراً عن المستوى المناسب.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، قالت دالي إنها لا تزال ترى احتمالاً بألا يحتاج "الاحتياط الفيدرالي" إلى رفع الفائدة مجدداً.
لكن بعد صدور تقرير أسعار المستهلكين، أوضحت أن الزيادات الإضافية أصبحت أكثر ترجيحاً من عدم حدوثها.
في المقابل، يرى مسؤولون آخرون أن أسعار الفائدة ينبغي أن تصل إلى مستوى مرتفع بما يكفي للحد من النشاط الاقتصادي بصورة مباشرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقالت رئيسة بنك الاحتياط الفيدرالي في دالاس لوري لوغان إن البنك المركزي يحتاج إلى رفع أسعار الفائدة بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية إضافية.
دعت رئيسة بنك الاحتياط الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك إلى إجراء "تعديلات أصغر"، لكن "في وقت قريب نسبياً بدلاً من الانتظار والمخاطرة بالحاجة إلى تصحيح أكبر للمسار".
وعندما أبقى "الاحتياط الفيدرالي" أسعار الفائدة من من دون تغيير في يوليو (تموز) الماضي، عارضت لوغان وهاماك القرار، إلى جانب رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري، مطالبين بزيادة الفائدة. ومن الممكن أن يعارض هؤلاء المسؤولون قرار التثبيت مجدداً خلال اجتماع غداً الأربعاء.
أما عضو مجلس محافظي "الاحتياط الفيدرالي" كريستوفر والر، فقد تبنى موقفاً وسطاً في وقت سابق من هذا الشهر.
وقال إن الزيادات "لا تحتاج إلى أن تأتي في اجتماعات متتالية، لكن ينبغي تنفيذها خلال فترة زمنية مقبولة".
ديسمبر موعد مرجح للزيادة المقبلة
في حال قرر مسؤولو "الاحتياط الفيدرالي" تثبيت أسعار الفائدة غداً الأربعاء، فسيتحول جزء كبير من اهتمام المستثمرين إلى كيفية تفسير وارش للقرار خلال المؤتمر الصحافي الذي يعقب الاجتماع.
ويتوقع المستثمرون أن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة مجدداً في ديسمبر المقبل، وبعد صدور بيانات التضخم لشهر سبتمبر الماضي، أضاف عدد من المحللين، من بينهم جيانوني، زيادة أخرى في أوائل العام المقبل إلى توقعاتهم، ويتراوح سعر الفائدة الأساس لـ"الاحتياطي الفيدرالي" حالياً بين 3.75 و4 في المئة.
ويتمثل التحدي الأساس أمام البنك المركزي في تزامن طفرة استثمارية تاريخية مع قيود على جانب العرض، تفاقمت أخيراً بسبب الحرب مع إيران، وهي عوامل لا تستطيع أسعار الفائدة معالجتها بصورة مباشرة.
إن القوى التي تدفع الأسعار إلى الارتفاع لا تشبه تماماً حالات فرط النشاط الاقتصادي الشامل التي اعتادت نماذج البنك المركزي رصدها، والتي تتسم عادة بسوق عمل شديدة الضيق وارتفاع الأجور.
ويرى جيانوني أن الأخطار تميل إلى احتمال تنفيذ زيادات إضافية في أسعار الفائدة، وليس الاكتفاء بالزيادات المتوقعة حالياً".