Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيلم رسوم متحركة عن كتاب جبران خليل جبران "النبي"

هدية من النجمة سلمى حايك إلى جدها ووطنه الأم

سلمى حايك أمام بوستر الفيلم في كان (غيتي)

قبل نحو عقدين من السنين وفي وقت كان عدد كبير من السينمائيات في مناطق عدة من العالم "يكتشفن" الفنانة الرسامة والمناضلة المكسيكية فريدا كاهلو ويكتشفن في طريقهنّ إمكان أن يحقق فيلم سينمائي كبير عنها انطلاقاً من امتلاء حياتها بالظروف والأحداث والعلاقات الاستثنائية ناهيك عن كون تلك الحياة تتسم بقدر كبير من البعد البصري، عرفت الممثلة المكسيكية من أصول لبنانية تعود إلى جدّ لها هاجر من لبنان أوائل القرن العشرين فكوّن فيها أسرة وحياة بكاملهما، سلمى حايك، كيف تسبق الجميع وتتولى إنتاج وتمثيل ذلك الفيلم البديع والغني عن حياة امرأة دييغو ريفيرا وعشيقة تروتسكي. ونعرف أن الفيلم الذي حمل عنوانه اسم البطلة "فريدا" حقق نجاحات كبيرة في كل مكان عرض فيه ما شكّل حاجزاً منع الأخريات من تحقيق فيلم مماثل كان بعضهنّ يعتبرنه حلم حياتهنّ. أما بالنسبة إلى سلمى حايك فإن الفيلم أضفى على مسارها مسحة ثقافية لا يمكن إنكارها، حتى وإن كانت نجاحاتها السابقة في عالم النجومية الشعبية مربحة أكثر لها.

رغبات النجوم الثقافية

على أية حال، ما إن مضت عشر سنوات على تحقيقها ذلك المشروع الكبير حتى استعادت حايك من جديد تلك الرغبة التي تحرك عادة أذكياء الفنانين وتجعلهم لا يكتفون بالنجاحات الشعبية الجماهيرية فيتطلعون إلى تحقيق، أو المساهمة في تحقيق، ذلك النمط من المشاريع المميزة فنياً. ولئن كانت سلمى قد توجهت في المرة السابقة نحو مواطنة لها في البلد الذي تبناها، ونعرف أن فريدا كاهلو كانت مكسيكية كحال سلمى حايك، ها هي في المرة الثانية تتطلع صوب البلد الذي حكى لها جدها دائماً منذ طفولتها أنه بلدها الأصلي: لبنان. وكان الجد، كما تروي سلمى لاحقاً، يقرأ لها صفحات من كتاب يحتفظ به ولا يتوقف عن قراءة صفحات منه يومياً. واكتشفت سلمى باكراً أنه كتاب "النبي" للكاتب جبران خليل جبران. ومن هنا، ستقول، كان طبيعياً عندما فكرت في أن تعمل على تحقيق فيلم ثان من اختيارها واتخذت قرارها بأن يكون كتاباً على علاقة بلبنان، أن تختار أفلمة "النبي" بشكل أو آخر "وعلى الأقل إكراماً لجدي ولما كان قد تبقى لديه من علاقة روحية بوطنه الأصلي".

تعويض عن الغياب العربي

من هنا، إذا كانت دورة العام 1914 من مهرجان "كان" السينمائي الذي يقام في الجنوب الفرنسي ويعتبر عادة أكبر مهرجان للسينما في العالم، قد حادت عن عادتها في أن يكون فيها للسينمات العربية حصة لا بأس بها، فأتى الحضور العربي في عروض المهرجان أقل مما كان عليه الأمر خلال العقود الأخيرة، تمكنت سلمى حايك من أن تعوض عن الغياب العربي النسبي بعرض العديد من المشاهد المنجزة من ذلك الفيلم الذي أشرفت على إنتاجه في مشروع اعتبرته مشروعها الخاص، وحملته على كتفيها سنين طويلة جامعة للتمكن من تحقيقه، نحو تسعة من المخرجين وأكثر منهم من منتجين كلفت كل واحد منهم بإنجاز جزء من الفيلم. والفيلم أتى طبعاً مقتبساً من كتاب جبران خليل جبران الشهير الذي تعرفت عليه سلمى عبر جدها. لكننا لا نعرف ما الذي كان سيقوله الجد عن الفيلم لو شاهده. فهو أتى فيلم رسوم متحركة، تماماً كما كان الأمر في أحلام سلمى التي لم يفتها أن تركز على أن "المشروع عربي" على الأقل حين حملت الفيلم لاحقاً لتقدمه في عرضه الأول مكتملاً في لبنان بعد حين من تقديم أجزاء منه في "كان". لقد صفق لها اللبنانيون في لبنان طويلاً تماماً كما صفق لها كثر في "كان" ولكن، ولحد علمنا، لم يسألها أحد في الحالتين عما هو "عربيّ" في الأمر. ففي النهاية قدم الفيلم في بلدان عديدة بحوارات إنجليزية أصلاً ويمكننا أن نقول إنه أمر طبيعي طالما أن جبران وضع كتابه – أو وضعته له ماري هاسكل كما يزعم البعض – بالإنجليزية. والكتاب يعتمد كثيراً على نصوص الإنجليزي ويليام بليك ناهيك عن اقتباساته المباشرة عن الألماني نيتشه. ثم لم يلاحظ أحد حينها أن ما من تقني أو فنيّ من العاملين في الفيلم كان لبنانياً، باستثناء الموسيقي غابريال يارد الذي شارك في كتابة موسيقى الفيلم، والمغني ميشكا الذي له جذور لبنانية وتولى دور الراوي في النسخة الفرنسية من الفيلم. ويعرف الجميع أن علاقات كل من هذين بلبنان تكاد تكون "فولكلورية" و"ظرفية" لا أكثر!

حين أطربت سلمى الجميع

غير أن هذا لم يمنع الجميع من أن يطربوا في "كان" لهذا الظهور لسلمى حايك التي وضعت الثقافة "العربية" في قلب المهرجان في يومه الرابع ومن الباب العريض. صحيح إن ظهور حايك، التي تذكر الجميع حينها أنها نجمة مكسيكية من أصل لبناني ومرشحة مرتين لجوائز الأوسكار، غير أن حضورها "الكانيّ" على السجادة الحمراء ثم في مؤتمر صحافي، دار بالنسبة إلى الصحافة العالمية المرئية والمصورة، من حول صراخها الاحتجاجي ضد عصابات بوكو حرام المتطرفة النيجيرية وإقدام هذه على اختطاف طالبات الثانوية، حيث أثارت حايك العالم كله باليافطة التي رفعتها عالياً مطالبة بتحرير المراهقات من أسر معتقلينهنّ، ومع هذا فإن الحدث الحقيقي، الحدث السينمائي الذي وضعته سلمى حايك يومها في قلب "كان" كان شيئاً آخر تماماً. كان كتاب "النبي"، حيث عرضت الفاتنة المكسيكو/ هوليوودية أجزاء عدة من الشريط الجديد قيد الإنجاز معلنة بفخر أنه مقتبس من الكتاب الجبراني الشهير، والذي يعتبر واحداً من أكثر الكتب مبيعاً وقراءة في العالم في أصله الإنجليزي وفي ترجماته الكثيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"حفظت الكتاب غيباً"

"لقد قرأت "النبي" منذ طفولتي في منزلنا العائلي، حين اكتشفت أن جدي يحتفظ بنسخة منه إلى جانب سريره يقرأه ويعيد قراءته مرات ومرات". ومنذ ذلك الحين وسلمى كما أخبرتنا بنفسها تفعل فعل جدها إلى درجة أنها حفظت أجزاء من الكتاب غيباً وصار كتابها "الفلسفي" المفضل. أما السينما فقد جاءت بعد ذلك بزمن طويل. إذ حين ركزت سلمى وجودها كنجمة ثم كمنتجة وصارت لها تلك المكانة العالمية التي نعرف، "كان كتاب "النبي" واحداً من الأعمال التي فكرت فيها، تقول حايك، متسائلة عما قد يحول دون استفادة السينما منه" وهكذا ولد المشروع منذ سنوات ليتخذ أشكالاً متنوعة حتى استقر أخيراً على الشكل الذي صار الآن: فيلم روائي طويل بالرسوم المتحركة. وتقول سلمى حايك التي تتولى إنتاج الفيلم وأداء الصوت للدور الأنثوي الرئيس فيه، دور حبيبة الشاعر، إن التحضير للعمل الفعلي استغرق السنوات الماضية كلها "فالعمل ليس سهلاً". أما النتيجة الكاملة "فسوف تكتمل بعد شهور" كما أكدت حينها، علماً أن تسعة مخرجين من كبار العاملين في هذا الحقل الفني نفذوا العمل حيث تولى كل واحد منهم إخراج جزء من الفيلم، وكلهم تحت إشراف روجر آلرز مخرج فيلم "كنغ ليون" الشهير. ومن بين المخرجين الكبار الذين اشتغلوا على المشروع بيل بلمبتون وجوان سفار... بقي أن نذكر إن الفيلم كان جاهزاً للعرض بالفعل قبل نهاية ذلك العام. وفي انتظار ذلك ستكون سلمى حايك قد صنعت الحدث "العربي" في "كان"... حتى ولو كان ذلك من طريق الاحتجاج على بوكو حرام ووحشيتها، وبالتالي الردّ عليها بالطريقة التي يتقنها الفنان: الإبداع نفسه بوصفه فعل مقاومة ضد كل أنواع التطرف والوحشية والإنحلال.. ويقيناً إن اختيار "النبي" أتى في ذلك الوقت، وبالشكل الذي تصورته سلمى حايك نفسها اختياراً مدهشاً على الرغم من كل الملاحظات التي قد ترد حوله. فبعد كل شيء، لا شك في أن كتاب "النبي" كتاب أيقوني لا يتوقف في كل صفحة منه عن رفع راية المحبة والسلام والحرية... وهي الشعارات التي لا تتوقف السينمائية الشابة عن رفعها عالياً.

المزيد من ثقافة