Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر تخصص 750 مليون دولار لمواجهة البطالة

"التوجه الحقيقي يجب أن يكون أساسه خلق اقتصاد الثروة الذي يعتمد على الصناعة"

وقفات احتجاجية من أجل التوظيف في الجزائر (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - مواقع التواصل الاجتماعي)

قررت الجزائر تخصيص نحو 750 مليون دولار، كمنحة سنوية توزع على كل الأشخاص الذين يعانون شبح البطالة، وبقدر ما أفرح الإجراء فئات واسعة، أثار تساؤلات حول قدرة السلطات على تحقيق وصول هذه المبالغ المالية إلى أصحابها في ظل فوضى تعريف العاطلين عن العمل، وصعوبة إحصائهم.

خطوة ومخاوف

وفي حين احتوى قانون المالية للعام الحالي على مادة تخص المنحة، في انتظار إعلان المرسوم الرئاسي لتحديد تفاصيل تقسيم المبلغ، تعكف لجنة وزارية مشتركة على دراسة مرسوم تنظيمي لتطبيق المنحة، وقال المدير العام للميزانية بوزارة المالية الجزائرية، عبد العزيز فايد، إن منحة البطالة تم تقسيمها على ثلاث مناطق، وهي الجنوب، والهضاب، والشمال، حيث الجزء الأكبر يستفيد منه سكان الجنوب.

وأُدرجت منحة البطالة رسمياً في قانون المالية 2022، حيث تنص المادة 190 على تأسيس "منحة للبطالة تمنح للعاطلين طالبي الشغل لأول مرة المسجلين لدى مصالح الوكالة الوطنية للتشغيل". وتضيف أنه "ستُحدّد شروط وكيفيات الاستفادة من هذه المنحة ومبلغها، وكذلك التزامات المستفيدين منها، عن طريق التنظيم".

وفي سياق تسريع العملية وضمان وصول المنحة إلى مستحقيها، وجّه وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، يوسف شرفة، بتعليمات بالسهر على "مرافقة طالبي منحة البطالة، والمعالجة السريعة لطلباتهم بعيداً عن الإجراءات البيروقراطية".

التكفل بمشكلة البطالة بجدية

وتعليقاً على هذه الخطوة ومدى قدرة الحكومة على التحكم في المشكلة، يقول المحلل السياسي عبد الرحمن بوثلجة في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، إن "تخصيص هذا المبلغ الضخم يدل على رغبة السلطات العليا في البلاد  في التكفل بمشكلة البطالة بجدية، وهو ما من شأنه المساهمة في التقليل من نسبة البطالة إذا ما تم استغلال هذه المخصصات بشكل جيد في الواقع"، موضحاً أن المبلغ المذكور جاء للتكفل بالجانب الاجتماعي، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية، بالنظر إلى بطء وتيرة الاستثمارات الخلاقة لمناصب العمل والركود الاقتصادي الناجم عن جائحة كورونا.

ويتابع بوثلجة، أن المنحة تقارب الأجر الوطني الأدنى المضمون، وتتراوح بين 70 دولاراً و100 دولار، ويستفيد منها العاطل عن العمل حتى حصوله على عمل، بشرط أن يكون مسجلاً لدى الوكالة الحكومية للتشغيل، والتي تتولى إحصاء طلبات العمل، وعرض الوظائف المتاحة على العاطلين، مبرزاً تفاقم نسبة البطالة لدى الجامعيين في السنوات الأخيرة، وحتى أصحاب الشهادات العليا، ما دفع الحكومة إلى إصدار تعليمات وزارية مشتركة تسمح بتوظيف حاملي شهادة الدكتوراه في المناصب الإدارية والمؤسسات الاقتصادية.

إيقاف نزيف الكفاءات

وكشف تقرير سابق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي الحكومي، عن أن أكثر من 12 ألف طبيب غادروا الجزائر خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أغلبهم إلى فرنسا وبلجيكا وسويسرا. كما أقرت الجمعية الجزائرية لطب الأمراض العقلية، أن 10 من أعضائها يغادرون البلاد سنوياً من مجموع 100 طبيب يتخرجون كل عام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق آخر إحصائيات رسمية، فإن نسبة البطالة في الجزائر تبلغ 11.5 في المئة، وقد مسّت مختلف المستويات العمرية والعلمية، الأمر الذي خلق نقاشاً كبيراً حول من يستفيد من المنحة المخصصة، فبينما يقترح البعض تحديد السن بين 25 و45 سنة، يرى آخرون أن يكون بـ19 عاماً فما فوق.

أثر عكسي وسلبي

إلى ذلك، يرى أستاذ علم الاجتماع، مصطفى راجعي، أن "تخصيص مبلغ للعاطلين عن العمل مبدئياً أمر جيد إذا كان ذلك سيساعدهم على العودة أو الدخول لسوق العمل من خلال تحفيزهم على التدريب المهني أو تحفيز المؤسسات لتوظيفهم، أما إذا أعطي للعاطل التعويض من دون أن نطلب منه البحث عن عمل أو التدريب على مهارات جديدة تطلبها المؤسسات، فإن هذا الدعم المالي والتعويض سيكون له أثر عكسي وسلبي، حيث سيشجع الشباب على عدم البحث عن عمل، وقد تطول مدة بطالتهم بحكم دوامة التعويض التي قد لا يخرجون منها، من خلال التعوّد على منحة شهرية تلبي حاجاتهم، بخاصة أن الشباب العاطل عن العمل يعتمد على الأسرة في السكن". وقال: "قد تسهم التعويضات في إدامة الوضع وتوسيع دائرة العاطلين عن العمل وخلق حالة الإدمان على البطالة".

ويواصل راجعي في شأن طريقة وصول هذه الحقوق إلى أصحابها، "من الأكيد سيتم المرور عبر التسجيل في قوائم وكالة التشغيل، وقوائم الإدماج التي ينتظر فيها شباب كانت لهم عقود عمل وهم لا يعملون، بحسب التعريف الرسمي للعاطلين عن العمل، أما من لم يسجل نفسه، وهو من دون عمل، فلا يعتبر عاطلاً عن العمل"، مبرزاً أن المنحة ستشمل خريجي المعاهد والجامعات، متسائلاً: هل الميزانية ستكفي لتعويض الجميع؟

تحذيرات

وما يدعو للتخوف من حدوث تجاوزات ومن مواجهة صعوبات، تحذير الوكالة الوطنية للتشغيل، الشباب من حسابات مزيفة تدعوهم للتسجيل في منحة البطالة وتضع روابط مجهولة تضليلية، إذ أوضحت في منشور لها على صفحتها الرسمية عبر "فيسبوك"، أنها تملك حساباً واحداً فقط على الموقع، داعية المواطنين إلى عدم الضغط على الروابط المجهولة التي تشكل خطراً على معلوماتهم الشخصية. وأشارت إلى أنه سيتم نشر أي مستجدات حول القطاع في حينها على صفحتها الرسمية.

وأعلن الرئيس عبد المجيد تبون، في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أن القيمة المالية لمنحة البطالة التي تم استحداثها بموجب قانون المالية 2022 "تقارب الأجر الوطني الأدنى المضمون، ويستفيد منها العاطل عن العمل إلى غاية حصوله على عمل"، موضحاً أن "صرف هذه المنحة يتطلب آليات ورقابة حتى يستفيد منها البطالون الحقيقيون". 

كما أكد الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمن، في 8 نوفمبر، أن المنحة الجديدة ستكون موجهة حصرياً لطالبي العمل الذين لا تتجاوز سنهم 40 عاماً. وأوضح خلال عرض مشروع قانون المالية لعام 2022 أمام البرلمان، أن هذه المنحة جاءت بتوجيه من رئيس الجمهورية بسبب الوضعية الهشة لبعض الشباب الذين يبحثون عن العمل، وقال إن الدولة وجب عليها أن توفر لهم أساسيات الحياة الكريمة حتى يجدوا عملاً.

تقليص البطالة لا القضاء عليها

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، عثمان منادي، شدد على أن "الميزانية محترمة جداً لعلاج مؤقت للبطالة في الجزائر، مقارنة بالعدد الكبير للشباب العاطل عن العمل، وفي ظل إحصاء غير شفاف حول نسبتها"، مضيفاً أن نسبة القوى المنتجة كلما زادت في المجتمعات المتقدمة، زاد النمو الاقتصادي، لكن في المجتمعات النامية تؤدي إلى عدم توازن بين الإنتاج والاستهلاك، فنسبة 75 في المئة من الشباب في المجتمع الجزائري أصبحت عالةً بمنظور الحوكمة، إن لم يكن هناك توظيف للطاقات، وهو الحاصل على أرض الواقع.

ويتابع منادي، رداً على سؤال حول إمكانية قضاء الجزائر على البطالة بهذه الميزانية، أنه من خلال التجارب السابقة ومند التحول الاقتصادي عام 1989، لم تنجح كل الخطط في تقليص نسبتها، وظلت العقلية الاشتراكية هي المسيطرة على خطط الحكومات المتعاقبة، موضحاً أن "التوجه الحقيقي نحو تقليص البطالة، لأنه من الصعب القضاء عليها، يجب أن يكون أساسه خلق اقتصاد الثروة الذي يعتمد على الصناعة، وبخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأكاد أجزم بأن كل الاقتصاديات الناشئة بُنيت على هذا الاختيار". وقال: "إذا بقيت سياسة الجزائر في دعم التوظيف العمومي من دون التوجه إلى خلق مؤسسات الثروة سوف تقلص الضغط على الشباب مرحلياً فقط، ولكن بعد سنوات سترتفع من جديد".