Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يعول السودانيون على واشنطن في إنهاء أزمتهم السياسية؟

ترى الولايات المتحدة أن الحل في عودة الشراكة بين المكونين المدني والعسكري بصيغتها السابقة لكن الشارع يرفض

الشارع السوداني غير راضٍ عن تدخلات واشنطن في الأزمة نظراً إلى ميلها للمكون العسكري (أ ف ب)

لعبت واشنطن، عقب إعلان قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) حالة الطوارئ في البلاد وتعطيل العمل بالوثيقة الدستورية، دوراً مهماً في عودة رئيس الوزراء المستقيل عبدالله حمدوك إلى منصبه بموجب اتفاق ثنائي وقّعه الأخير مع البرهان في 21 نوفمبر (تشرين الثاني)، الذي لم يدُم طويلاً، حيث قدّم حمدوك في الثاني من يناير (كانون الثاني) استقالته التي برّرها بفشله في إيجاد حل وسط بين المكون العسكري والحركات المدنية التي تقود التظاهرات المستمرة في الشارع السوداني.

هذه الاستقالة، أصابت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بخيبة أمل وتخوف من انزلاق الأوضاع في السودان إلى الفوضى، فأجرت مساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية، مولي فيي، خلال اليومين الماضيين اتصالات هاتفية مع المكون العسكري السوداني، طرحت خلالها استعداد بلادها دعم حوار يقوده السودانيون بتسهيل أممي للتوصل إلى توافق وطني شامل لا يقصي أحداً، في وقت أشارت فيه وسائل إعلام سودانية إلى نية واشنطن ابتعاث وفد دبلوماسي وأمني هذه الأيام، لبحث الأزمة وتداعياتها وإمكانية إيجاد حلول تتوافق عليها أطراف الصراع كافة.

لكن، كيف ينظر المراقبون إلى تحرك واشنطن في حل أزمة السودان، وهل يعول السودانيون على الجهود الأميركية لإنهاء أزمتهم؟

مستنقع المجهول

يقول أستاذ الاقتصاد السياسي الحاج حمد، "من الواضح جداً أن صوت أميركا عالٍ في تأييدها التحول الديمقراطي في السودان، لكن من دون فاعلية، وهذه إشكالية كبيرة، إذ تجدها تلوح فقط بالعقوبات كما فعلت بعد إعلان قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان قراراته الأخيرة، فواشنطن لا تملك حلولاً منطقية للأزمة السودانية، التي تكمن في تراجع المكون العسكري عن قراراته الأخيرة التي أدت إلى فض الشراكة مع (قوى الحرية والتغيير)، وهذا أمر لا يقبله العسكريون، الذين يمسكون بزمام السلطة، لأن لديهم مصالح ذاتية، لن يفرطوا فيها، منها مناجم الذهب التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في منطقة جبل مون، وغيرها، فضلاً عن سيطرة الجيش على الشركات الأمنية التي تمثل 80 في المئة من اقتصاد السودان".

وأضاف حمد، "الأميركيون يفكرون في صندوق قديم، وحل وافد من الماضي لا أساس له من المنطق. ما زالوا يرون أن الحل في عودة الشراكة بين المكونين المدني والعسكري بصيغتها السابقة وفق الوثيقة الدستورية الموقعة بين المكونين في 17 أغسطس (آب) 2019، وهذا أمر أصبح مستحيلاً بعد انقلاب البرهان. القوى المدنية التي كانت تمثل (قوى الحرية والتغيير) انقسمت على نفسها، وأصبح اللاعب الأساسي والرئيس لهذه القوى هو لجان المقاومة التي تقود الحراك الثوري في الشارع الآن، بالتالي لا بد أن تكون هذه اللجان جزءاً من الحل، بل هي الأساس في تشكيل الحكومة والبرلمان، على أن تنحصر مهمة المكون العسكري في إصلاح الأجهزة الأمنية والقيام بالترتيبات الأمنية للوصول إلى جيش قومي واحد، أي بمعنى أن يبعد العسكريون عن النظام المدني. أما غير ذلك فإن الأزمة ستستمر، ما يعني تفكك البلاد واتجاهها نحو مستنقع المجهول".

ولفت أستاذ الاقتصاد السياسي إلى أن واشنطن تريد من خلال تحركها لحل الأزمة السودانية "المحافظة على مصالحها في السودان، بخاصة قاعدتها في البحر الأحمر، فهو تحرك مظهري أكثر من كونه جوهرياً، إذا عندها جهود مخلصة عليها أن تعملها مع تل أبيب التي تتقارب مصالحها مع المكون العسكري السوداني، وهو سبب تحجيم دور أميركا في السودان، فالأميركان ما زال تفكيرهم داخل الشراكة المدنية العسكرية، ولم يتحركوا في أي اتجاه غيرها، بيد أن أدوات السلطة المدنية في البلاد يمثلها فرد ديكتاتور هو عبدالفتاح البرهان الذي أصبح بحكم منصبه السياسي كرئيس لمجلس السيادة، لا يمثل الجيش السوداني"، مؤكداً أن الحل لهذه الأزمة "لا بد أن يكون عبر صيغة تراض بعيداً من الشراكة القديمة".

انتهاك واضح

في السياق، قال الباحث في العلاقات الدولية أحمد حسين، "التواصل الأميركي مع الجانب السوداني في بداية الثورة السودانية التي أطاحت نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019 لم يكن بالحماس المطلوب، بخاصة في حكومة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك الأولى، لكن بعد اختطاف المكون العسكري ملف العلاقات الخارجية وبدأ في إقامة علاقات مع روسيا ذات مصالح ذاتية تنحصر في مجال التنقيب عن المعادن، انتبهت واشنطن لذلك، فسعت لتوطيد علاقاتها مع الخرطوم من باب التنافس".

وتابع حسين، "الشاهد بعد حدوث انقلاب البرهان قامت واشنطن بوساطة لحل الأزمة السياسية عبر مبعوثها للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان ومساعدة وزير الخارجية للشؤون الأفريقية مولي فيي، لكن الملاحظ أن أميركا كانت تركز في تناولها لهذه الأزمة مع الجانب العسكري من دون أن تعطي المكون المدني حقه الكامل، وهذا وضع مفهوم من ناحية أن واشنطن تنطلق من باب رعاية مصالحها في منطقة القرن الأفريقي، إذ تريد قطع الطريق أمام روسيا والصين اللتين أعينهما على منطقة البحر الأحمر، بالتالي أن المسألة بالنسبة لأميركا لا علاقة لها بقلقها على الشأن الداخلي للسودان، ومع ذلك لا نخفي دورها في إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية الإرهاب، وإعفاء ديونه الخارجية، لكن كانت فاتورتهما عالية".

وأشار إلى أن الشارع السوداني "غير راضٍ عن تدخلات واشنطن في هذه الأزمة، نظراً إلى ميلها للمكون العسكري الذي يمارس القتل وكل صور العنف الممنهج ضد المتظاهرين في شوارع الخرطوم، ما يعني انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان، وللأسف تمارس هذه الأفعال على مرأى ومسمع العالم من دون تدخل لحماية المدنيين العزل"، مؤكداً أن الثورة السودانية عندما اندلعت "لم تكن تعول على طرف دولي، وقد سارت في طريقها السلمي على الرغم من ضعف الإمكانات وتشظي القوى السياسية وضعفها، وهي الآن في أوج عنفوانها للوصول إلى نهايتها بتحقيق مدنية السلطة وعودة العسكر لثكناتهم، بينما الطرف الثاني (العسكر) في أضعف حلقاته، حيث اتجه إلى ممارسة العنف المفرط لإخماد الثورة، فضلاً عن إغلاق الجسور الواصلة بين مدن العاصمة المثلثة، وقطع خدمة الإنترنت وشبكة الاتصالات".

ورأى الباحث في العلاقات الدولية، أن "الحوار في ظل حالة الانسداد في المشهد السياسي مطلوب مع المؤسسة العسكرية في البلاد، وليس مع قادتها الحاليين الذين هم ممثلون في مجلس السيادة، لأنهم مرفوضون من قبل الشارع وقواه السياسية، وذلك باعتبار أن المؤسسة العسكرية شريك أصيل حتى نهاية الانتقال".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضغوط دولية

وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والنرويج، قد حضت الجيش السوداني، الثلاثاء 4 يناير، على عدم تعيين رئيس جديد للحكومة من دون مشاركة مجموعة واسعة من أصحاب الشأن المدنيين، كما جاء في بيان مشترك.

وتابع البيان أن أي "تحرك أحادي الجانب لتعيين رئيس وزراء جديد وحكومة من شأنه أن يقوض صدقية تلك المؤسسات ويهدد بإغراق البلاد في نزاع".

كما دعا وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الأربعاء، عبر "تويتر"، الشرطة السودانية إلى "وقف استخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين". وأضاف أنه يأمل في تنظيم "حوار يقوده السودانيون ويدعمه المجتمع الدولي".

وتأتي التطورات الأخيرة في حين عينت الولايات المتحدة، الخميس، الدبلوماسي المخضرم ديفيد ساترفيلد مبعوثها الجديد إلى القرن الأفريقي، إذ سيتعين عليه التعامل على وجه الخصوص مع أزمتي السودان وإثيوبيا، بعد استقالة جيفري فيلتمان.

برنامج تصعيدي

ويعيش السودان منذ 25 أكتوبر حالة من التوتر في الشارع، حيث نظم تجمع المهنيين السودانيين وتنسيقيات لجان المقاومة اللذين يقودان الحراك الثوري حتى الآن 15 مسيرة (مليونية)، والثانية بعد تقديم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك استقالته رسمياً احتجاجاً على ما وصفه بحالة التشرذم بين القوى السياسية السودانية، وعجزه عن إنجاز التوافق السياسي الوطني الذي ظل ينادي به من خلال مبادرات عدة طرحها خلال توليه رئاسة الوزراء، لكنها لم تجد آذاناً مصغية، فضلاً عن الوتيرة المتسارعة للانقسام بين الشريكين، ما أثر في فاعلية وأداء الدولة، لتدخل الأزمة السودانية منعطفاً جديداً ربما أكثر حدة لم يشهده السودان منذ استقلاله في 1956.

وقوبلت هذه التظاهرات بعنف مفرط من قبل الأجهزة الأمنية، راح ضحيتها 60 قتيلاً منذ 25 أكتوبر باستخدام الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع، وذلك بحسب لجنة أطباء السودان المركزية.

وتسبب التواصل المستمر للتظاهرات التي تندلع هذه الأيام في مدن العاصمة المثلثة في إحداث حالة من الاختناق المروري والأمني والسياسي في شوارع الخرطوم، وسط جداول معلنة من لجان المقاومة لمليونيات في الشارع طوال يناير الحالي، تحت شعار "لا شراكة، لا تفاوض، لا مساومة"، حيث أعلن المكتب الميداني لتنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم الجمعة 31 ديسمبر الماضي الجدول التصعيدي لمليونيات (مسيرات) يناير التي تشمل أيام 6، و12، و17، و24، و30 من هذا الشهر، مؤكداً في بيان أن التصعيد سيتواصل، ولن يتوقف إلا برحيل المكون العسكري من المشهد السياسي وتسليم السلطة للمدنيين، وأن يناير لن يكون سدرة منتهى، إذ يتخلله أيضاً مسيرات مفاجئة غير معلنة في الجدول التصعيدي لهذا الشهر.

المزيد من متابعات