المجلس العسكري السوداني: ميدان الاعتصام أصبح خطرا على البلد والثوار

الانتقالي يدرس تسمية رئيس وزراء وتكليفه تشكيل حكومة من "التكنوقراط" والشخصيات المستقلة

وقفة احتجاجية أمام البنك المركزي السوداني في 29 مايو 2019 (رويترز)

تتجه العلاقة بين المجلس العسكري الانتقالي في السودان و"قوى الحرية والتغيير" إلى القطيعة، بعد تنفيذ المعارضة إضراباً وتلويحها بالعصيان المدني.

وفي موقف يعكس حال التأزم بين الطرفين أعلن المجلس العسكري الانتقالي في مؤتمر صحافي بعد منتصف ليل الخميس أن "ميدان الاعتصام أصبح خطرا على البلد والثوار".

وباتت عودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات صعبة، على الرغم من تدخل وسطاء لتبديد الأزمة بينهما ووقف التصعيد الإعلامي والسياسي.

وعلمت "اندبندنت عربية" أن المجلس العسكري حسم أمره، وهو يعتزم تجاوز المعارضة التي تتمسك برئاسة وغالبية مدنية في المجلس السيادي، على الرغم من حصولها على مجلس الوزراء وثلثي مقاعد البرلمان.

حكومة تتجاوز المعارضة

وقالت دوائر قريبة من المجلس العسكري لـ "اندبندنت عربية" إن المجلس يدرس تسمية رئيس وزراء وتكليفه تشكيل حكومة من "التكنوقراط" والشخصيات المستقلة، بعد إجراء مشاورات واسعة مع القوى السياسية والمكونات الاجتماعية، ولم يستبعد أن يشارك في المشاورات قوى ضمن تحالف "قوى الحرية والتغيير"، ترغب في التفاهم مع مجلس الوزراء لتجنيب البلاد مواجهة المجهول.

وقررت قوى سياسية وطنية وإسلامية الخروج في مواكب الجمعة 31 مايو (أيار) 2019، تحت شعار "جمعة التفويض"، لتفويض المجلس العسكري تشكيل حكومة وعدم انتظار المعارضة.

وكانت تيارات إسلامية تظاهرت في الفترة الأخيرة، احتجاجاً على اتفاق المجلس العسكري مع "قوى الحرية والتغيير"، واعتبرته اتفاقاً ثنائياً ظالماً ومهمشاً للقوى الأخرى.

وكشفت الدوائر ذاتها أن المجلس العسكري بات غير متحمس لاستكمال الاتفاق مع المعارضة، بعدما حصل على معلومات استخباراتية عن مخطط لتيارات مؤثرة في "قوى الحرية والتغيير"، تهدف إلى تغييرات راديكالية في القوات الأمنية والعسكرية وتفكيكها واستبدال قياداتها، وإحلال عناصر جديدة في الجيش والأمن والشرطة وقوات الدعم السريع، التي يقودها نائب رئيس المجلس العسكري الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي".

وأضافت أن قيادات المجلس وصلت إلى قناعة بأن الحزب الشيوعي وقوى اليسار المتحالفة معه هي التي تخطط وتمرر أجندتها عبر "قوى الحرية والتغيير". وترفض هذه القوى تشكيل مجلس قيادي للمعارضة، وتتمسك بمجلس تنسيقي على مستوى أفقي وليس هرم رأسي.

العسكر يتمسكون بالانتخابات

قال مسؤول في المجلس العسكري إنهم "لن يسلموا السلطة إلا لمن يحوز على غالبية في صناديق الاقتراع، كما قطع باستحالة التجاوب مع مطلب قوى المعارضة بأن يكون مجلس السيادة مدنياً بالكامل.

واتهم الفريق صلاح عبد الخالق، عضو المجلس العسكري الذي كان يخاطب حشداً للقيادات القبلية والقوى المدنية، بالتشبث بالسلطة من واقع إصرارها على فترة انتقالية مدتها أربع سنوات، بينما أظهر العسكريون زهدهم بطرح المدة عامين فقط.

وتابع "الأمر العجيب الآخر أن العسكريين يمارسون السياسة، بينما يمارس المدنيون التهور، نحن نمارس السياسة أفضل منهم بشهادة الآخرين".

وحذر عبد الخالق من وجود ثمانية جيوش في السودان، ما يجعل الوضع قابلاً للانفجار في أية لحظة، وقال إن "هذا الوضع يحتم على المجلس العسكري الوجود في السلطة لحين تسليمها إلى حكومة منتخبة"، وتابع "تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة هو الضامن من اندلاع حرب أهلية".

وأضاف عبد الخالق "البلد قابل للانفجار في أية لحظة، إذا تعامل القائمون على الأمر بصبيانية ومراهقة، كما يتعامل الآن من يدعي أنه الممثل الوحيد للشعب السوداني"، ورأى أن المطالبة بالدولة المدنية "دعوة حق لكن أريد بها باطل".

ومضى يقول "هؤلاء مهما علا صوتهم، لا يمثلون الشعب السوداني كله، التمثيل يكون عن طريق الصندوق، ومن يحصل على الغالبية نسلمه السلطة كاملة". ولفت إلى خيارات ممكنة في حال وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، من بينها الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة.

المعارضة تلوح بالعصيان

أكدت قوى "إعلان الحرية والتغيير"، التي تقود الاحتجاجات في السودان، تمسكها بمطلبها بتشكيل حكومة مدنية، لافتة إلى أنها منفتحة على تصعيد الخطوات الاحتجاجية، ومن ضمنها العصيان المدني، من أجل انتقال السلطة إلى مدنيين.

وأكد بابكر فيصل، القيادي في "قوى الحرية والتغيير" في مؤتمر صحافي، "عدم وجود أي تواصل حالياً مع المجلس العسكري، منذ توقف المفاوضات بين الجانبين الأسبوع قبل الماضي"، مشيراً إلى "أن جداول التصعيد الثوري ستتواصل"، ومؤكداً أن "قوى الحرية ستدعو لمليونية جديدة في القريب العاجل، وستنظم صلاة عيد الفطر المبارك داخل ساحة الاعتصام، وستكون أكبر صلاة في تاريخ السودان".

ورفض بابكر فيصل تلويح المجلس العسكري بالدعوة لانتخابات مبكرة، واعتبر أن "ذلك إن حدث إجهاض للثورة"، مبيناً أنه "لا يمكن قيام انتخابات في ظل عدم علاج موضوعات النزوح واللجوء مع سيطرة الدولة العميقة على أجهزة الحكم"، وأضاف أن "أي دعوة للانتخابات في الوقت الحالي تعني إعادة إنتاج النظام القديم".

وأوضح أن قوى الحرية والتغيير لم تحدد موعداً لإعلان عصيان مدني شامل، معرباً عن أمله ألا تضطر لذلك، مؤكداً كذلك "عدم الانقياد وراء أي شكل من أشكال العنف، والرغبة في التوصل لتفاهمات مع المجلس العسكري في أقرب وقت".

عرمان يرفض المغادرة

رفض ياسر سعيد عرمان، نائب رئيس "الحركة الشعبية– الشمال"، مغادرة البلاد، بعد أن طلبت منه ذلك قيادات في المجلس العسكري. 

وكان عرمان قد عاد بصورة مفاجئة إلى الخرطوم الأسبوع الماضي، على الرغم من أن حركته، التي تقاتل في جنوب كردفان والنيل الأزرق، لم توقع على اتفاق سلام مع الحكومة. كما تحدى عرمان بعودته تلك حكماً بالإعدام أصدرته غيابياً محكمة سودانية ضده عام 2012، على خلفية تمرده عام 2011.

وذكر عرمان، أنه تلقى ست رسائل، منها خمس رسائل من نائب رئيس المجلس العسكري، محمد حمدان دقلو، وواحدة من رئيس المجلس العسكري، عبد الفتاح البرهان، جاء في كل هذه الرسائل مطالبات للخروج من السودان، مبيناً أنه رفض تلك الأوامر، وأن "غرضه الرئيس في البقاء في وطنه، هو دمج قضايا السلام والمواطنة من دون تمييز في حزمة الانتقال، حتى تأخذ الديمقراطية بيدها السلام العادل والعدالة الاجتماعية والمواطنة من دون تمييز".

وأضاف "نحن جزء لا يتجزأ من قوى الحرية والتغيير، وأتينا للعمل مع السودانيين كافة، من أجل السلام والطعام والديمقراطية والمواطنة ومن دون تمييز".

وأثارت العودة المفاجئة لعرمان الكثير من التساؤلات، لم تجب عنها تصريحات صحافية أدلى بها بعد عودته، والتي أكد خلالها أنه حضر للخرطوم لـ "الانضمام إلى خندق الشعب السوداني، وبحثاً عن السلام العادل والشامل، ولبناء نظام جديد ودولة ديمقراطية قائمة على المواطنة، بلا تمييز".

 التحقيق مع البشير

بدأت نيابة الخرطوم الخميس 30 مايو (أيار) 2019، الاستماع إلى شهادة رموز سياسية سودانية مرموقة، في القضية المرفوعة ضد الرئيس المعزول عمر البشير، تحت اتهامات تتصل بتقويض النظام الدستوري لقيادته انقلاباً عسكرياً على نظام ديمقراطي في عام 1989.

وقال ممثل هيئة الدفاع معز حضرة إن "النيابة أصدرت إعلانات بالحضور، تشمل كلاً من زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، وهو آخر رئيس وزراء شرعي، جرى الانقلاب عليه بواسطة البشير، ونائبه في الحزب فضل الله برمة ناصر والطيب زين العابدين، من القيادات الإسلامية المعروفة، وكان رئيس مجلس شورى الحركة الإسلامية، التي وقفت وراء الانقلاب".

وأوضح معز في تصريح أن "الموافقة على سماع شهود الاتهام جاءت بعد تحرير النيابة البلاغ المفتوح ضد قيادات الجبهة الإسلامية القومية، بتهمة تدبير انقلاب عسكري على النظام الديموقراطي".

 

     

المزيد من العالم العربي