Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ستتطور المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي في 2022؟

الدفع بأجندات سياسية وأيديولوجية واستمرار نظريات المؤامرة حول اللقاحات والمناخ 

المعلومات المضللة كانت موجودة منذ بدء ظهور الصحافة الحديثة (أ ف ب)

في نهاية عام 2020، بدا من الصعب تخيل عام آخر أسوأ من ذلك العام من حيث التضليل على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب جائحة كورونا وحدة الانتخابات الرئاسية الأميركية، لكن عام 2021 أثبت أنه على نفس المستوى من انتشار المعلومات المضللة والأكاذيب، فما هي توقعات خبراء الإعلام والمعلومات والتواصل الاجتماعي عن كيفية تطور التضليل المعلوماتي خلال عام 2022 على هذه المنصات العامة التي تتحكم في كيفية رؤية معظم الناس للعالم، وبخاصة مع غياب الآليات التي تنظم عمل هذه المنصات.

تاريخ من التضليل

لم تكن المعلومات المضللة والمواد الإخبارية الكاذبة والمشوهة، اختراعاً نشأ مع وسائل التواصل الاجتماعي، بل كانت موجودة منذ بدء ظهور الصحافة الحديثة قبل نحو قرنين من الزمان، إذ قدمت صحيفة "نيويورك صن" نموذجاً أولياً للقصص المزيفة، حينما ادعت عام 1835 اكتشاف حياة على سطح القمر ووجود حضارة غريبة هناك، لتحقق مبيعات واسعة وأرباحاً طائلة.

وفي تسعينيات القرن التاسع عشر، تنافس ناشرا الصحف جوزيف بوليتزر وويليام هيرست، في جذب انتباه القراء من خلال الإثارة ونقل الإشاعات كما لو كانت حقائق، وهي ممارسة أصبحت تُعرف في ذلك الوقت باسم "الصحافة الصفراء" أو "الصحافة الشعبية"، ولعبت أخبارهم المشكوك فيها دوراً في دفع الولايات المتحدة لخوض الحرب الأميركية الإسبانية عام 1898، كما أدت المشاعر العنصرية إلى نشر قصص كاذبة في الصحف عن جرائم للأميركيين من أصل أفريقي، ولكن في النهاية، تصاعدت ردود الفعل ضد الافتقار إلى النزاهة الصحافية بعدما طالب الجمهور بمصادر إخبارية أكثر موضوعية، ما أفسح المجال لانتشار الصحف الأكثر موثوقية مع مطلع القرن العشرين، وهكذا أصبحت الصحافة الصفراء أقل شيوعاً.

غير أن ظهور الأخبار على شبكة الإنترنت خلال السنوات الأخيرة، أعاد الأخبار الكاذبة بكامل قوتها، حيث بدأت تجذب بعناوينها الصادمة المزيفة، المستخدمين للنقر عليها بهدف قراءة المزيد من خلال محاولة إحداث الصدمة والإبهار، بصرف النظر عما يسببه ذلك من غضب للقراء عندما يكتشفون زيف هذه المعلومات التي لم تحدث بالفعل، وبغض النظر عمن بدأ الأخبار الكاذبة، فإن الأخبار المزيفة بشكلها الحديث عبر الإنترنت، تختلف عن الأشكال التاريخية في وسائل الإعلام التقليدية من حيث السرعة التي تنتشر بها وحجم تأثيرها، ومن يقف وراءها من أصحاب الدوافع الأيديولوجية، أو ممن يتطلعون إلى كسب المال، فضلاً عن سرعة القابلية للتصديق، لأن عديداً من القصص، تنتقل إلى الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي من أصدقائهم أو من يتابعونهم، والذين يعربون عن تأييدهم الضمني أو الصريح للقصة من مشاركة أو إعجاب أو إعادة تغريد.

ترقب وشكوك 

وفي حين بدأ عام 2021 بقصة مفجعة تمثلت في اقتحام مبنى الكابيتول الأميركي، التي نبعت من أنباء مضللة بأن الانتخابات الرئاسية الأميركية قد سُرقت، كما استمرت نظريات المؤامرة حول لقاحات فيروس كورونا في الانتشار داخل وخارج الولايات المتحدة، ينتظر كثيرون بشغف ما الذي يمكن أن تحدثه المعلومات المضللة من تأثير على حياتهم وحالتهم النفسية خلال عام 2022، بخاصة على كيفية انتشار وباء كورونا وأزمة المناخ وكيفية تعاطي الأميركيين مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نهاية العام الجاري. 

وما يقلق البعض أنه لا يزال هناك قدر واسع من التحفيز لأنواع معينة من المعلومات الخاطئة والمضللة والضارة على المنصات الاجتماعية في قضايا صحية ومناخية وسياسية، بينما لا تزال غالبية الحكومات حول العالم عاجزة عن اتخاذ إجراءات صارمة للحد من المعلومات الخاطئة والمضللة بما فيها حكومة الولايات المتحدة التي توجد فيها أشهر وأقوى منصات التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"إنستغرام" وغيرها.

وعلى الرغم من استدعاء إدارة الرئيس جو بايدن مسؤولي "فيسبوك" في يوليو (تموز) الماضي لسماع شهادتهم حول السماح بانتشار معلومات خاطئة حول اللقاحات عبر الإنترنت، فضلاً عن جلسات الاستماع التي عقدها الكونغرس حول قضايا مختلفة تنشرها وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه في نهاية المطاف، لم يمرر الكونغرس خلال العام الماضي أي قانون ذا مغزى لتنظيم عمل وسائل التواصل الاجتماعي.

مؤامرات الوباء والمناخ

وفي ظل استمرار مئات الملايين حول العالم الذين يصدقون كثيراً من المعلومات المضللة حول اللقاحات المضادة لوباء "كوفيد-19" بمن فيهم 40 مليون أميركي لم يتم تطعيمهم حتى الآن، يتوقع الخبراء استمرار المعلومات الخاطئة في تشكيل مسار الوباء، على الأقل لفترة من الوقت، مع انتشار موجة "أوميكرون" وتوقع مرض كثير منهم.

لكن الأمر لن يقتصر على ذلك، بل سيمتد إلى دمج عوالم كورونا مع عوالم التضليل المناخي، إذ يحذر كيران أوكونور، المحلل في معهد الحوار الاستراتيجي، من أن أولئك الذين ينشرون نظريات مؤامرة لا أساس لها حول اللقاحات وعمليات الإغلاق، يمكن أن يحولوا اتجاههم إلى نشر معلومات خاطئة حول سياسة المناخ، حيث يتوقع أن يؤطروا سياسة المناخ على أنها فقدان للحريات المدنية، بعد أن استخدموا بالفعل عبارات مثل "الإغلاق الأخضر" و "تأمين المناخ"، التي تشير إلى نظريات المؤامرة التي تقول، بلا أساس، إن دعاة حماية البيئة سوف يصدرون قرارات بإغلاق عالمي للمساعدة في تقليل انبعاثات الكربون. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتفق متخصص آخر في أن نظريات مؤامرة أزمة المناخ سيكون لها نشاط أكثر خلال عام 2020، فبحسب جوناثان برايت، الأستاذ في معهد أكسفورد للإنترنت، فإن بعض الناشطين على الشبكة، سوف يفكرون في نشر معلومات خاطئة حول تغير المناخ بشكل مكثف، وإن الأفكار التي تنظمها مجموعات المؤامرة سيكون لها عواقب في العالم الحقيقي.

ويقول أوكونور، إن تداعيات هذه المؤامرات التي كانت تنتشر بسرعة على الإنترنت قبل قمة غلاسكو حسبما ذكرت شبكة "سي بي أس" الأميركية، يمكن أن تشكل تهديداً متزايداً تجاه مسؤولي الصحة العامة والسياسيين وحتى تجاه العاملين في الخطوط الأمامية الذين يعملون لحماية الناس.

تشاؤم سياسي

وعلى الرغم من عدم وجود تأثير للرئيس السابق دونالد ترمب بسبب غيابه عن منصات التواصل الاجتماعي حتى الآن على الأقل، إلا أن ذلك لا يعني أن المعلومات الخاطئة والمضللة لن يكون لها وجود قبل وخلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي المقررة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، حيث يشير كل من مايلز باركس وجيف برومفيل من شبكة الإذاعة الوطنية العامة في الولايات المتحدة، إلى أن هناك عدداً من الجمهوريين في الولايات المتأرجحة الذين دفعوا بمجموعة من الأكاذيب حول نتائج انتخابات 2020، يترشحون الآن للفوز بمنصب سكرتير عام الولاية التي ينتمون إليها، والتي سيكون لها دور مباشر في كيفية إدارة عملية التصويت في تلك الأماكن.

وتحذر دام كيم، أستاذ مساعد الإعلام والاتصال في جامعة أريزونا من الخطر الذي تشكله المعلومات الكاذبة والمضللة عن الانتخابات، كونها تهز أسس الديمقراطية، من خلال جعل المواطنين يفقدون الثقة في النظام السياسي، بل وتشير إلى ثلاث نتائج رئيسة كشفت عنها دراسات وأبحاث جامعية شاركت فيها، الأول هو أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، المصممة في الأصل لتعزيز الروابط بين الناس، يمكن أن يسهل الانفصال الاجتماعي بسبب المعلومات الخاطئة التي تقود المواطنين الذين يستهلكون الأخبار، إلى أن يصبحوا متشائمين تجاه المؤسسات السياسية والإعلامية القائمة والعملية الانتخابية برمتها. 

وتتمثل النتيجة الثانية في أن السياسيين ووسائل الإعلام والناخبين، أصبحوا كبش فداء للأضرار الناتجة عن الأخبار الكاذبة، ذلك أن معظم المعلومات المضللة تنتجها كيانات أجنبية وجماعات سياسية هامشية لأغراض مالية أو أيديولوجية، ومع ذلك، فإن المواطنين الذين يستهلكون المعلومات الخاطئة على وسائل التواصل الاجتماعي يميلون إلى إلقاء اللوم على السياسيين ووسائل الإعلام والناخبين الآخرين.

أما النتيجة الثالثة فهي أن الأشخاص المهتمين بالحصول على معلومات صحيحة، ليسوا محصنين ضد المعلومات المضللة، فهؤلاء الأشخاص الذين يفضلون معالجة المعلومات وفهمها بطريقة متماسكة وذات مغزى، يصبحون أكثر تشاؤماً من الناحية السياسية بعد تعرضهم للأخبار المزيفة من الأشخاص الأقل تطوراً وفهماً للسياسة، ما يترتب عليه إصابة هؤلاء المفكرين والناقدين بالإحباط بسبب الاضطرار إلى معالجة كثير من المعلومات الخاطئة والمضللة، وهو أمر مقلق للغاية، لأن الديمقراطية تعتمد على مشاركة مواطنين ملتزمين وواعين.

دعاية بعد التضليل

ويتوقع إيثان زوكرمان، أستاذ السياسة العامة والاتصال والمعلومات في جامعة أمهيرست أن تتحول فكرة التضليل إلى دعاية خلال عام 2022، وهو ما اقترحته عالمة الاجتماع الباحثة الإعلامية فرانشيسكا تريبودي في كتابها القادم "أسلوب عمل منتجي الدعاية" الذي تشير فيه إلى أن معظم المعلومات الخاطئة ليست نتيجة لسوء فهم بريء، وإنما نتاج حملات محددة تدفع بها أجندات سياسية أو أيديولوجية.

ويقول زوكرمان إنه بمجرد إدراك أن "فيسبوك" و"تويتر" ومنصات التواصل الاجتماعي الأخرى هي ساحات للقتال تدور فيها الحملات السياسية المعاصرة، يمكن التخلي عن فكرة الاحتياج إلى حقائق لتصحيح سوء فهم الناس، لأن ما يحدث هو مزيج أكثر تعقيداً من الإقناع والانتماء للقبيلة أو الحزب على وسائل التواصل الاجتماعي، ولهذا يتوقع زوكرمان مع احتدام انتخابات 2022 أن تصل منصات التواصل الاجتماعي إلى نقطة الانهيار بعدما تتحول بعض الأكاذيب إلى خطابات سياسية تعكس الانتماء الحزبي. 

حلول مقترحة

وفي ظل غياب الآليات التنظيمية لمعالجة قضية المعلومات المضللة تقترح أنغانا سوسارلا، أستاذة نظم المعلومات في جامعة ولاية ميتشيغان، فرض الشفافية ومنح المستخدمين وصولاً أكبر إلى بياناتهم والتحكم فيها، ما يقطع شوطاً طويلاً في مواجهة تحديات المعلومات المضللة، إضافة إلى الحاجة لعمليات تدقيق مستقلة، بما في ذلك الأدوات التي تقيم خوارزميات (لوغاريتمات) شبكات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يمكن أن يحدد كيف تؤثر اختيارات منصات الوسائط الاجتماعية في تنسيق الأخبار وتقديم المحتوى وكيفية اطلاع الأشخاص على المعلومات.

في المقابل، ترى دام كيم، ضرورة إيجاد طرق لشرح حالة الأخبار الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي، والجهة التي تنتج الأخبار المزيفة، وسبب قيام بعض الكيانات والمجموعات بإنتاجها، ومعرفة من هم المواطنون الذين يقعون في غرامها، ما قد يساعد في منع الناس من أن يصبحوا أكثر تشاؤماً من الناحية السياسية، كما يحتاج الناس إلى إيجاد طريقة لاستعادة الثقة في بعضهم البعض، الأمر الذي سوف يساعد في التغلب على الانقسامات المجتمعية بدلاً من إلقاء اللوم على الطرف الآخر.

المزيد من تقارير