Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عتبات" الروائي محمد حسن علوان في قراءة نقدية

الناقدة السعودية منى خلف العنزي تعتمد المنهج السيميائي لدخول عالم الروايات

الروائي السعودي محمد حسن علوان (موقع بوكر)

تشكل العتبات النصية حقلاً معرفياً قائماً بذاته يطرح نفسه على النقد الأدبي المعاصر ويخوض فيه، وبعد أن كان النقد يدور على النص ويتخذ منه مجالاً حيوياً للدراسة معرضاً عما عداه، وبعد أن كانت العتبات النصية مجرد شذرات عابرة تتم الإشارة إليها في كتابات بعض النقاد، تأتي دراسة الناقد الفرنسي جيرار جينيت لها في كتابه "العتبات" (1989) لتضع لها القواعد والضوابط، وتحولها إلى حقل معرفي مستقل، تسهم دراسته في إضاءة النص وسبر أغواره، فالعتبات جزء مكمل للبناء النصي يفضي إليه وليس مكوناً خارجياً منفصلاً عنه.

من هنا كان الاهتمام الذي أخذت تحظى به في الآونة الأخيرة، سواء في العالم العربي أو الغرب. ولعل دراسة "العتبات النصية في روايات محمد حسن علوان" للناقدة السعودية منى خلف العنزي، الصادرة حديثاً عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت والنادي الأدبي الثقافي في الحدود الشمالية في عرعر، هي أحد التمظهرات الأخيرة لهذا الاهتمام.

رؤية جديدة

تقع الدراسة في تقديم ومقدمة وثلاثة فصول وخاتمة. أما التقديم فيشير كاتبه الدكتور محمد الشهري إلى أهمية الدراسة السيميائية للعتبات النصية وجدارة الروائي المدروس بالدرس، وامتلاك الكاتبة الدارسة أدوات الكتابة النقدية ومنهجية البحث المناسبة. وأما المقدمة فتعزو الكاتبة اهتمامها بالعتبات "لكونها مداخل إلى أعماق النصوص ومخارج منها" (ص20)، و"لدورها المهم من قبل المؤلف في تشكيل النص ودلالته" (ص21)، ولارتباطها بعملية القراءة والتلقي، وبذلك يشمل اهتمامها مثلث المرسل، المرسلة، والمرسل إليه، في الوقت نفسه، ويشكل "محاولة لتقديم رؤية جديدة لخطاب العتبات في النقد الأدبي السعودي" (ص23) الذي صرف جل اهتمامه إلى النصوص الروائية ولم يول عتباتها ما تستحقه من اهتمام، الأمر الذي تحاول العنزي تداركه جزئياً في دراستها، ولذلك تتخذ من روايات "سقف الكفاية"، "صوفيا"، "طوق الطهارة"، "القندس"، و"موت صغير" للروائي السعودي محمد حسن علوان مجالاً لدراستها، وتميط اللثام عن دور العتبات النصية الخارجية والداخلية في إضاءة الروايات المدروسة.

تتجاور في "العتبات النصية" النظرية والتطبيق، وتتوزعان الفصول الثلاثة بمقادير معينة، ففي حين تشغل النظرية الفصل الأول الذي يمثل حوالى ثلث الدراسة، يطغى التطبيق على الفصلين الثاني والثالث، وينشأ عن هذا التجاور علاقة جدلية بين النظري والتطبيقي، سواء بين الفصول أو داخل الفصل الواحد.

في النظرية تفرد العنزي الفصل الأول من الدراسة للتعريف بالجهاز المفهومي / الاصطلاحي الذي تستخدمه، سواء أتعلق بمناهج النقد أو بالعتبات النصية، فتقدم معرفة نظرية بالمنهج السيميائي الذي تعتمده في قراءة العتبات، بما هو "علم يدرس العلامات والإشارات ذات الدلالات"، وفي صلبها العتبات بما هي "علامات وإشارات لغوية وغير لغوية تكشف لنا عن العلاقات النصية بين كل من النص الروائي السردي وبعض متعالياته، لاعتبارها علامات تمثل عملاً أدبياً وتحمل دلالات مختلفة" (ص 42)، وهي معرفة يتجاور فيها الاصطلاحي والتاريخي والعلمي، وتتناول التعريف بالمفهوم وتأسيسه واتجاهاته وعلاقته بالعتبات، وتقدم معرفة مماثلة بالعتبات النصية تتناول المصطلح والنشأة والتأسيس والتاريخ والأنواع والوظائف. وتختم الفصل بالتعريف بنظرية التلقي وعلاقتها بالنص والعتبات ومحورية المتلقي في هذه النظرية في بناء المعنى وإنتاج الدلالة، على أن هذا الفصل الأول يشكل مهاداً نظرياً للدراسة الإجرائية في الفصلين الثاني والثالث، ويشتمل على تعريفات لكثير من مفاهيم ومصطلحات العدة النقدية التي تستخدمها الدارسة، مما يضفي عليه بعداً معجمياً، وهي تفعل ذلك بالاستناد إلى المعاجم على المستوى اللغوي، والاتكاء على الرسائل العلمية على المستوى الاصطلاحي.

في التطبيق تستخدم العنزي الجهاز المفاهيمي الاصطلاحي الآنف ذكره، وتقوم بتطبيقه على العتبات الخارجية في الفصل الثاني، وعلى العتبات الداخلية في الفصل الثالث، وهي تعرف بالعتبة نظرياً ثم ترصد تمظهراتها في الروايات المشمولة بالدراسة، وبذلك يجمع الفصلان بين المعرفة النظرية والدراسة التطبيقية، مما يضفي عليهما بعداً تعليمياً، ويجعل الاطلاع عليهما محفوفاً بفائدة مضاعفة.

عتبات خارجية وداخلية

 تضم العتبات المشمولة بالدراسة التطبيقية في الفصل الثاني 12 عتبة خارجية، هي الغلاف الأمامي، تضاريسه، الصورة، العنوان، الوحدات الغرافيكية، الناشر، رقم الطبعة وتاريخها، اسم الكاتب، التجنيس، الغلاف الخلفي، الخطوط، والألوان.

وغني عن التعبير أن هذه العتبات تتراوح بين اللغوية والبصرية والتشكيلية والتوثيقية ولكل منها موقعها ووظيفتها، على أن بعضها تتفرع منه عتبات أخرى تنتمي إليه، فالتشكيل الغرافيكي للنص الروائي، على سبيل المثال، يتعلق به البياض وتوزيع الأسطر، والفضاء الصوري، وعلامات الترقيم والنبر البصري.

والمفارق في هذا السياق أن الدارسة تدرج هذه العتبة ومتعلقاتها في خانة العتبات الخارجية بينما هي أقرب إلى الداخل منها إلى الخارج، وبمعزل عن التصنيف، تقوم العنزي بعد التعريف بالعتبة بتقصي تمظهراتها، وتستقرئ دورها ووظيفتها ودلالاتها في هذه الرواية أو تلك.

  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما العتبات المشمولة بالدراسة في الفصل الثالث فتشمل ست عتبات داخلية، وهي الإهداء، الاستهلال، العناوين الداخلية، التصديرات، الهوامش، والنهايات. والكاتبة تعرف بكل منها ومتعلقاتها، فللإهداء صيغه وللاستهلال دلالاته وللعناوين الداخلية وظائفها وللتصديرات أشكالها وللهوامش وظائفها وللنهايات أنواعها. وترصد تمظهراتها في الروايات المدروسة وتخلص إلى نتائج معينة خاصة بكل عتبة، وعامة تتعلق بالمدونة الروائية.

وإذا كان المقام لا يتسع لمقالة النتائج الخاصة، فإنه لن يضيق بالإشارة إلى تلك العامة مما تخلص إليه الدارسة بنتيجة الدراسة.

في الخاتمة، تخلص الدارسة، على مستوى العتبات الخارجية، إلى تعبير الأغلفة الأمامية عن إرادة الروائي وعكسها النصوص الروائية، وتعبير الأغلفة الخلفية عن إنهاء العمل وتكثيف العناوين المتون الروائية وتعبير التشكيل الغرافيكي عن حالات الروائي النفسية المختلفة، وتخلص على مستوى العتبات الداخلية إلى غياب الإهداء والهوامش والعناوين الداخلية عن روايات علوان، وغنى استهلالاته وجاذبية تصديراته، لتخلص إلى وعي الروائي اختيار عتباته وحسن الربط بينها وبين النصوص الروائية.

المزيد من ثقافة