Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السينمائية التي وقفت وراء غريم ترمب في انتخابات نيويورك

المخرجة الهندية ميرا نائير التي لم تحلم وهي تصنع أفلامها أن تكون أماً لعمدة مدينة العالم

ميرا نائير: سينما قضايا العصر (وسائل التواصل)

ملخص

لم يكن "كاما سوترا" أهم أفلام المخرجة الهندية والدة عمدة نيويورك الجديد زهران ممداني ميرا نائير، حتى وإن كانت إباحيته قد أتاحت له أن يحقق نجاحاً كبيراً وأن يصور الهند بأسلوب حاذق بهي الألوان والمشاهد

تعتبر السينمائية الأميركية من أصل هندي ميرا نائير، واحدة من مخرجين هنديين مهاجرين سجلا خلال العقود الأخيرة حضوراً كبيراً في السينما العالمية الأميركية المعاصرة، مع فارق أساس بينها وبين ثاني المخرجين، نايت شيامالان، يكمن في أن هذا الأخير كان أكثر اندماجاً بكثير في المجتمع الأميركي الذي يعيش ويعمل فيه وارتبط به بأفلامه، حتى وإن اتسمت في بعض الأحيان بفلسفة هندية ما.

أما ميرا نايير فبدت أفلامها دائماً أقرب إلى الهند ليس فقط في الروح والعمق، بل حتى في المواضيع والأشكال الفنية، إلى درجة أنها، حتى وإن كانت تعيش ومنذ سنوات طويلة في الولايات المتحدة فإنها صورت في وطنها الأصلي الهند، عدداً من أبرز أفلامها بما في ذلك، نسخة سينمائية من الكتاب الإباحي الأشهر في تاريخ الثقافة الهندية، "كاما سوترا".

وهذا الأخير يغيب على أية حال عن قائمة أفلامها التي نشرت أخيراً لمناسبة لا علاقة لها بالسينما، تحديداً مناسبة انتخاب ابنها زهران ممداني عمدة لمدينة نيويورك في انتخابات خاضها ضد الرئيس ترمب تحت شعارات حار الناس في أمرها، فهي حيناً ديمقراطية وأحياناً إسلامية أو يسارية أو ليبرالية بالمعنى الأميركي للكلمة.

والحقيقة أن ميرا نائير التي لم تحلم يوماً بأن يصل ابن لها إلى هذا المنصب، بل حتى أن يعتبر ابنها أكثر شهرة وأهمية منها ولو في مجال ليس مجالها، سكتت عن خلو الحديث عنها من اسم "كاما سوترا"، ربما كي لا تضر بحملة ابنها الانتخابية. ولكن ما إن انتهت الانتخابات واعترف ترمب بهزيمته، حتى عاد اسم الفيلم للظهور إنما من دون أن يثير فضول أحد.

ففي الواقع لم يلتفت كثر إلى مكانة ميرا نائير وموقعها السينمائي في زحام الحديث عن ابنها، الذي كان من حسن تصرفه أنه ركز في حديثه على زوجته السورية الأصل بأكثر مما على أمه الهندية الأصل، خصوصاً أن الأم آثرت للمناسبة ألا تكثر من الظهور، غير أن الإنصاف يقتضي اليوم العودة للحديث عنها وعن مكانتها السينمائية بالتأكيد.

بين بومباي وعرس الموسم

ومهما يكن من أمر هنا، لا بد من التأكيد على أن "كاما سوترا" لم يكن أهم أفلام ميرا نائير، حتى وإن كانت إباحيته قد أتاحت له أن يحقق نجاحاً كبيراً وأن يصور الهند بأسلوب حاذق بهي الألوان والمشاهد. وبالتالي، يبقى من بين نصف الدزينة من الأفلام الرائعة التي حققتها نائير فيلمان يتوقف المؤرخون والنقاد عندهما طويلاً، أولهما بالطبع فيلمها الأول الذي عرف على نطاق عالمي، وهو "سلام بومباي"، وواحد من أفلام بداية القرن الجديد، وهو "موسم العرس" أو "عرس الموسم"، الذي يبقى حتى اليوم أجمل أفلامها وأكثرها ارتباطاً حقيقياً بالروح الهندية.

ومهما يكن من أمر، تعتبر نائير اليوم، واحدة من أهم الأصوات النسائية في السينما العالمية، وتحديداً منذ ثمانينيات القرن الماضي لما قدمته من أعمال تزاوج بين الحس الاجتماعي والعمق الإنساني، وتمنح الجمهور نافذة يطل منها على حياة الهنود داخل الهند وخارجها، في لحظات الامتزاج الثقافي والقلق والهجرة.

وينظر كثيرون اليوم إلى نائير باعتبارها، بحسب النقاد، سينمائية العبور، والعبور بين الوثائقي والروائي، بين الشرق والغرب، بين الخاص والعام، وبين الهوية الجاهزة والهويات المتغيرة.

أثر الدراسة في هارفارد

من المعروف أن نائير قد بدأت مسيرتها في عالم الأفلام الوثائقية خلال دراستها في جامعة هارفارد، وكان لذلك أثر بالغ في أسلوبها السينمائي.  فهي "تتعامل مع الكاميرا كعين تبحث عن الحقيقة ولا تكتفي بالتمثيل، وتمنح شخوصها مساحة للتنفس والتعبير، كما لو أنها تصور من دون تدخل منها"، بحسب تحليل نقدي حاذق لعملها. وهذا الأسلوب يبدو واضحاً لديها منذ أول أعمالها في مجال السينما الروائية الطويلة، "سلام بومباي" (1988) الذي كشف عن حياة الأطفال المتروكين في شوارع المدينة الهندية الكبرى، ولقد حصل الفيلم منذ عرضه في مهرجان كان على إشادة عالمية واكبتها جائزة الكاميرا الذهبية. وتركز الحديث عن الفيلم على كون نائير أظهرت فيه قدرة على الجمع بين القسوة والحنان، بين البؤس والسحر الإنساني في "مزيج يصعب تكراره".

غير أن نائير سرعان ما رغبت في الإفلات من فخ التصنيف البؤسوي في هذا الفيلم، مؤكدة أنها ليست "تلك المخرجة الواقعية الاجتماعية التي يعتقدون". غير أنها اضطرت إلى الانتظار عقداً ونصف عقد تقريباً، وتحقيق أفلام روائية عدة وثائقية شبه عادية، قبل أن تتمكن من ذلك في عام 2001 عبر "عرس الموسم" الذي سيضحي كما أشرنا، واحداً من أشهر أفلامها، بل بالتأكيد الفيلم الذي أعاد الهند الحقيقية وذكرى ساتياجيت راي وسينماه الكبيرة للواجهة خارج الهند على أية حال، وحتى داخل الهند حيث استقبل الفيلم استقبالاً يستحقه.

الحدث / المرآة

في "عرس الموسم"، لم تكتف ميرا نائير بتحقيق مكانة كبيرة لها وبحسب في السينما الاجتماعية الهندية، بل تمكنت كذلك من أن تحول حدثاً معروفاً وشديد العادية في الثقافة الهندية - أي حفلة زفاف عائلية من نوع تشهد الحياة الاجتماعية الهندية ملايين المرات ما يماثلها في الأسبوع الواحد - إلى مرآة ضخمة تكشف عن التوترات العائلية وصراع الطبقات والصدوع الخفية داخل مجتمع بات معولماً، لكنه لا يزال يحاول أن يحافظ على تقاليده العريقة أو العتيقة.

ومن هنا يتنطح الفيلم أمام كاميرا مخرجته المتفرسة الحنون والقاسية في الوقت نفسه، يتنطح للموازنة بين البهجة والدراما، بين الاحتفالية والحميمية، وبين الاستعراضية الكاذبة والحقائق المؤلمة، وبين الواقع ومرارة الاعترافات الكاشفة.

وفي هذا السياق أتاح الموضوع نفسه وزوايا النظر إليه في تفاصيله الحقيقية وما يغطيها من أكاذيب صارخة، أتاح للسينمائية أن تظهر براعة استثنائية في استخدام الألوان والموسيقى والحركة الفردية والجماعية داخل فضاء مغلق.

ومن المؤكد أن هذا الفيلم قد خلق موجة جديدة وغير متوقعة من التقدير للسينما الهندية، ولكن خصوصاً خارج إطار بوليوود التقليدية، وبالتالي كان من الطبيعي أن يعامل هذا الفيلم معاملة على حدة في وجه تلك السينما البوليوودية المنتشرة في العالم مستعينة بجماليات تتناقض كل التناقض مع الصورة الحقيقية للمدن الهندية التي حفرت في أذهان العالم صورة للهند لا وجود لها على أرض الواقع. صورة قدمتها نائير في "عرس الموسم"، ولكن إلى جانب الصورة النقيضة، مما جعل الفيلم صورة، في الوقت نفسه، لكلي وجهي الميدالية، مما مكنه من فتح آفاق جديدة كانت حتى ظهور هذا الفيلم، غير معهودة في العالم السينمائي، ولكن ليس السينمائي فقط بكل تأكيد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المنفى والهويات المزدوجة

غير أن المجد الذي أسبغ على "عرس الموسم" لم يكف ميرا نائير، بل أنه أعادها لعدد من هموم كانت قد وضعتها جانباً خلال مسارها السينمائي، ومنها بصورة خاصة قضية الهجرة وازدواج الهوية - أي القضية نفسها التي ستكون بعد ذلك بسنوات سلاح ابنها، من زوجها التاجر الأفريقي المسلم، في معركته السياسية حين رشح نفسه لانتخابات عمدة نيويورك وفاز بالمنصب كما نعرف، إذ إن السينمائية التي كانت قد باتت في تلك الأثناء ذات مكانة كبيرة في السينما العالمية، استعادت قضية المنفى والهوية المزدوجة لتجعل لها حضوراً مركزياً في فيلمها التالي الذي حققته عام 2006 بعنوان "اسم العائلة"، الذي إذ اقتبسته من رواية لجومبا لاهيري، تحول إلى واحد من أهم وأقوى أفلام الهجرة في السينما الحديثة.

والفيلم يتابع حياة عائلة بنغالية تستقر في الولايات المتحدة الأميركية فيتأرجح الأبناء بين ثقافتين، ويعيشون بالتالي تمزقات الانتماء والانفصال. ولقد لاحظ النقاد كيف أن السينمائية قد تقدمت في سبرها هذه التجربة بقدر كبير من الرهافة، من دون أن تقع في فخ المباشرة أو الكليشيهات، بل جعلت من الهوية سؤالاً مستمراً لا يتمكن أحد من الإجابة عنه، بل يعيش فقط في التفاصيل اليومية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة