Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يشهد السودان انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان؟

يرى مراقبون أن "أمر الطوارئ" الذي أصدره البرهان تكريس للخطة الانقلابية وسيزيد المشهد عنفاً

تداول السودانيون في مواقع التواصل صوراً صادمة لأفراد، بينهم أطفال في سن الـ 12، تعرضوا للعنف والتعذيب الجسدي والنفسي، بسبب مشاركتهم في التظاهرات التي انتظمت في العاصمة الخرطوم ومدن البلاد الرئيسة لأكثر من شهرين، احتجاجاً على القرارات التي أصدرها قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بإعلان حال الطوارئ في البلاد وفض الشراكة مع المدنيين.

ويتوقع سياسيون وقانونيون سودانيون أن تشهد المسيرات الاحتجاجية المقرر تواصلها خلال الأيام المقبلة للمطالبة بإبعاد العسكر من المشهد السياسي وتسليم السلطة كاملة للمدنيين، أعمال عنف واسعة من قبل السلطات الأمنية ضد المحتجين باستخدام كل الأدوات المتاحة من الرصاص الحي والقنابل الصوتية وقنابل الغاز المسيل للدموع وغيرها، وذلك في أعقاب إصدار رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان أمر طوارئ يمنح جهاز المخابرات سلطات وصلاحيات وحصانات، فضلاً عن اعتقال الأشخاص والتفتيش والرقابة على الممتلكات والمنشآت والحجز على الأموال وغيره، إلى جانب حظر أو تنظيم حركة الأشخاص.

كما اشتمل أمر الطوارئ على عدم اتخاذ أي إجراءات في مواجهة أفراد القوات النظامية التي تتولى تنفيذ قانون الطوارئ وحماية السلامة العامة لسنة 1997 المعلن في أكتوبر 2021 وفق المرسوم الدستوري رقم (18)، على أن تنتهي مدة صلاحية هذا الأمر بانتهاء حال الطوارئ المعلنة في البلاد حالياً.

وتأتي إعادة هذا الأمر من جديد بعد أن جرى إلغاؤه عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، إذ جرى آنذاك تجريد جهاز المخابرات العامة من سلطات الاعتقال والتوقيف، وجرى النص في الوثيقة الدستورية التي وقعت بين المكونين العسكري والمدني في 17 أغسطس (آب) 2019، لإدارة شؤون الحكم في البلاد، على حصر صلاحياته في جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها لجهات الاختصاص لتقوم باللازم.

أمر باطل

وبحسب عضو اللجنة السياسية في التحالف الديمقراطي للمحامين السودانيين محمود الشيخ، فإن أمر الطوارئ المعني جاء في إطار حال الطوارئ التي تعيشها البلاد لأكثر من شهرين، وهو لا ينفصل عن الوضع السياسي المأزوم، إذ إنه أمر باطل وغير قانوني، ولا يوجد أي حق أو مسوغ قانوني أو سلطة تمنح القائد العام للقوات المسلحة أو رئيس مجلس السيادة إصدار مثل هذه الأوامر المخالفة للقوانين، وإعادة نصوص جرى إلغاؤها في سلطة شرعية كانت قائمة في البلاد بموجب وثيقة دستورية موقع عليها بين مكونين عسكريين ومدنيين.

وتابع الشيخ، "إلغاء هذا الأمر من الناحية الدستورية لا يتم إلا بواسطة المحكمة الدستورية، وهي لم تتشكل بعد، لكن قانونياً نصت المادة (21) من الوثيقة الدستورية على اللجوء إلى أي محكمة في البلاد لحسم أي نزاع يتعلق بمجلسي السيادة والوزراء، وبشكل عام فإن أي قرار يصدر بصورة مخالفة للدستور هو تكريس للخطة الانقلابية التي حدثت في 25 أكتوبر".

ويعتقد عضو اللجنة السياسية في التحالف الديمقراطي للمحامين السودانيين أنه في ظل الاحتقان السياسي ورفض القوى السياسية الاتفاق الثنائي الموقع بين قائد الجيش عبدالفتاح البرهان ورئيس مجلس الوزراء عبدالله حمدوك في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، يتوقع أن تزيد التدابير الأمنية خلال الأيام المقبلة بشكل أعنف وأشرس مما هو قائم، مبيناً أن الخروج من هذه الأزمة يكون عبر حلين، إما أن تتوافق القوى السياسية على اتفاق برهان - حمدوك الثنائي وتعمل على إصلاحه، أو أن يتنحى البرهان عن المشهد السياسي، ويعاد ترتيب الشراكة مع القوات المسلحة من جديد، لأن الشارع السوداني فقد ثقته في المكون العسكري داخل مجلس السيادة، الذي كان يمثل اللجنة الأمنية في عهد الرئيس السابق عمر البشير.

ترويع المواطنين

في السياق، قال المحامي السوداني تاج الدين صديق إن أمر الطوارئ الذي صدر حالياً لا يستند إلى أي مصوغ دستوري، بل استند إلى قرار الانقلاب، وبالتالي فهو باطل قانونياً، وأن القصد منه ترويع المواطنين وكبت الحريات، مما يعني الرجوع إلى المربع الأول قبل اندلاع الثورة، وهو أمر ينذر بخطر في ظل ما تعيشه البلاد من مأزق تاريخي حقيقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف صديق، "في تقديري أن هذا الأمر قتل الأمل الذي كان موجوداً عند بعض الناس، فالوثيقة الدستورية التي هي بمثابة الدستور تمنح رئيس الوزراء الحق في إعلان حال الطوارئ في البلاد، ولا تمنح رئيس مجلس السيادة هذا الحق، حتى إن البرهان برر قراراته التي أصدرها في 25 أكتوبر بأنها تأتي في إطار تصحيح المسار، وهذا المبرر لا يمنحه حق إصدار مثل هذه الأوامر الطارئة التي يقصد بها قمع المتظاهرين، على الرغم من أن القانون يكفل حق التظاهر، لكن واضح أن البرهان يتجه نحو طريق الطغاة".

واعتبر أمر الطوارئ بأنه ظرف استباقي لحدوث انقلاب في انقلاب، وهذا وضع ينبئ بأخطار جمة ستحدث في مقبل الأيام عند خروج تظاهرات إلى الشارع، إذ تعطي هذه الأوامر الجديدة السلطات الأمنية حق الضرب والقتل من دون مساءلة قانونية، فالمشكلة أن الأجهزة الأمنية تجد الحماية والتستر على الجرائم منذ وقوع مجزرة اعتصام القيادة العامة في الثالث من يوليو (تموز) 2019 التي راح ضحيتها قرابة الـ 200 قتيل، فضلاً عن مئات الجرحى والمفقودين، مروراً بأحداث دارفور والتظاهرات الأخيرة التي قتل فيها 48 متظاهراً نتيجة استخدام الرصاص الحي.

ونوه المحامي السوداني بأن المشكلة التي يعانيها السودان هي افتقاده إلى جيش قومي ذي عقيدة واحدة، إذ تعج البلاد بعدد من الميليشيات المسلحة وانتشار السلاح في أيدي المواطنين داخل العاصمة وخارجها مع سهولة الحصول عليه، لذلك هناك مخاوف وأخطار من حدوث انزلاق يؤدي بالبلاد إلى ما لا تحمد عقباه.

نهج استبدادي

من جانبه، أوضح رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير أن ما صدر من أمر طوارئ منح بموجبه رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان جهاز المخابرات صلاحيات الاعتقال والتفتيش والرقابة من دون تفويض قضائي مع وجود حصانة تمنع المساءلة على خلفية ممارسة هذه الصلاحيات، هي الصلاحيات ذاتها التي كان يمارسها جهاز الأمن في عهد النظام المباد في التنكيل بمعارضيه.

وأشار الدقيل عبر تدوينة على صفحته بمواقع التواصل إلى أن صدور مثل هذه الأوامر التي تتعارض مع القوانين والإنسانية الحقة ليس بمستغرب، بل يؤكد أن السلطة الانقلابية بطبيعتها وعزلتها المصحوبة باستمرار المقاومة الجماهيرية في مواجهتها لا تملك خياراً لكسر شوكة المقاومة السلمية غير تكريس النهج الاستبدادي وإحاطة نفسها بترسانة القوانين القمعية، وفيالق الأجهزة الأمنية لتحريم ومنع الحراك السياسي المعارض وانتهاك الحريات والحقوق الأساسية.

ومضى رئيس حزب المؤتمر السوداني قائلاً، "لكن هيهات، فكل طبائع الاستبداد لن توهن عزيمة الثوار، ولن تزيدهم إلا عنفواناً في حراكهم السلمي الباسل نحو الوطن الذي يشتهون".

مصادرة الحريات

فيما بين المتحدث الرسمي للحزب الشيوعي السوداني فتحي فضل أن الصلاحيات التي منحت لجهاز الأمن والمخابرات هي بمثابة توضيح عملي لكيفية استمرار الانقلاب العسكري وتنفيذ الوثيقة الموقعة بين البرهان وحمدوك في 21 نوفمبر.

وأكد فضل أن ما قام به البرهان بخصوص الصلاحيات الجديدة الممنوحة لجهاز الأمن يطرح تفاصيل كثيرة في مقدمها مصادرة ما تبقى من حريات وحراك جماهيري، بل حتى ما تبقى من ثورة ديسمبر (كانون الأول)، موضحاً أن الديكتاتوريين وباقي النظام السابق يلجأون إلى استعمال القوة كحل وحيد لمشكلات السودان ومواجهة الجماهير المتمردة عليهم.

ونوه متحدث الحزب الشيوعي إلى أن هذا الأمر الخاص بالطوارئ كشف عن الوجه القبيح للانقلاب العسكري الذي ظلت قوة إقليمية ودولية وداخلية تحاول بقدر المستطاع أن تجمله، لكن ظل الانقلابيون يعملون من أجل إجهاض ثورة ديسمبر بالعنف والقمع والاعتقالات، مؤكداً أنهم سيستمرون في مقاومة هذا الانقلاب بكل ما يملكونه من قوة.

احتجاجات واسعة

ومنذ 25 أكتوبر الماضي يشهد السودان احتجاجات واسعة في الخرطوم ومدن البلاد الرئيسة بلغت 12 مسيرة احتجاجية، سقط خلالها 48 قتيلاً بحسب اللجنة المركزية لنقابة أطباء السودان، رداً على إعلان قائد الجيش رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان في ذلك اليوم حال الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، عقب اعتقال قيادات حزبية ومسؤولين، وهو ما اعتبرته قوى سياسية ومدنية انقلاباً عسكرياً في مقابل نفي من الجيش.

وفي الـ 21 نوفمبر الماضي، وقع البرهان ورئيس الحكومة عبدالله حمدوك اتفاقاً سياسياً يتضمن عودة الأخير لمنصبه، وتشكيل حكومة كفاءات وإطلاق المعتقلين السياسيين، وتعهد الطرفان بالعمل سوياً لاستكمال المسار الديمقراطي.

ورحبت دول ومنظمات إقليمية ودولية بينها الأمم المتحدة بهذا الاتفاق، بينما رفضته قوى سياسية ومدنية سودانية، معتبرة إياه "محاولة لشرعنة الانقلاب".

وتأثراً بتداعيات المشهد السياسي وتعقيداته رشحت أخبار باعتزام رئيس الوزراء عبدالله حمدوك تقديم استقالته، في ظل رفض القوى السياسية، بخاصة المنضوية تحت مظلة قوى الحرية والتغيير (الحاضنة السابقة للحكومة الانتقالية) التعاون معه، فضلاً عما وجده من صعوبات لتشكيل حكومته الجديدة بالنظر إلى تواصل موجة الاحتجاجات الشعبية الداعية إلى إبعاد العسكر من الحياة السياسية وتسليم السلطة كاملة للمدنيين.

المزيد من تقارير