Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأمن يواجه المتظاهرين في الخرطوم بقنابل الغاز

السلطات تقطع الإنترنت والاتصالات والسودانيون يحتشدون لمحاصرة القصر الرئاسي للمرة الثانية

أطلقت قوات الأمن السودانية، السبت، قنابل الغاز المسيل للدموع على متظاهرين مناهضين للحكم العسكري على بعد مئات الأمتار من القصر الرئاسي في الخرطوم، مقر السلطات الانتقالية، وفق ما أفاد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية، بعدما قُطعت شبكة الانترنت للأجهزة المحمولة والاتصالات الهاتفية في السودان، حيث تجوب قوات الأمن شوارع العاصمة الخرطوم وتغلق الجسور التي تربطها بضواحيها بينما يستعد معارضو السلطة العسكرية للتظاهر رغم القمع في تحد ثان للوصول إلى القصر الرئاسي في الخرطوم، ووسط تعزيزات عسكرية غير مسبوقة تطوق الشوارع المؤدية للقصر ومداخل الجسور التي تربط مدينتي الخرطوم بحري وأم درمان بالعاصمة الخرطوم، يحتشد، اليوم، 25 ديسمبر (كانون الأول) آلاف السودانيين في تظاهرات تتحرك في شكل مسيرات ومواكب من مدن العاصمة المثلثة صوب القصر الرئاسي تنادي بتسليم السلطة كاملة إلى المدنيين وإنهاء هيمنة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم في البلاد.

وسبقت دعوة "مليونية 25 ديسمبر" التي دعا لها تجمع المهنيين السودانيين وتنسيقيات لجان المقاومة اللذان يقودان برنامج الحراك الشعبي الذي ينظم الشارع السوداني هذه الأيام، مسيرات نسائية ضخمة خرجت، الخميس 23 ديسمبر، إلى شوارع العاصمة للاحتجاج والتنديد بوقائع اغتصاب وعنف جنسي تعرضت له، بحسب جمعيات حقوقية، 13 امرأة سودانية خلال تفريق قوات الأمن تظاهرة في محيط القصر الجمهوري في 19 ديسمبر.

وفي وقت حددت تنسيقيات لجان المقاومة أربعة مسارات وسط الخرطوم لالتقاء المواكب القادمة من مدن العاصمة الثلاث قبل الاتجاه للقصر الرئاسي، وهي ميدان "جاكسون"، ومسجد فاروق، و"مول الواحة"، و"صينية القندول"، أعلنت لجنة أمن ولاية الخرطوم إغلاق الجسور التي تربط العاصمة المثلثة اعتباراً من مساء الجمعة، باستثناء جسري "سوبا" و"الحلفايا"، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي في إطار خطة تأمين ولاية الخرطوم وحماية المواقع السيادية والاستراتيجية وسط الخرطوم، كما أشارت اللجنة إلى أنه على الرغم من أن حق التظاهر السلمي مكفول للجميع، لكن الخروج عن السلمية والاقتراب والمساس بالمواقع السيادية والاستراتيجية، وسط العاصمة، يعتبر مخالفاً للقوانين، وسيتم التعامل مع الفوضى والتجاوزات بالحسم اللازمين.

 

 

دعوات للتظاهر

وسارع العديد من التنظيمات والمكونات السياسية والمهنية لدعوة قواعدها للمشاركة في هذه التظاهرة، إذ دعا تجمع المهنيين السودانيين جموع الشعب السوداني للخروج إلى الشوارع لمحاصرة القصر الجمهوري، مؤكداً قدرة وجاهزية أبناء وبنات الوطن على هزيمة ما سماه الانقلابيين، من خلال التنظيم والأدوات المبتكرة التي ظل يبدعها شباب الثورة طوال ثلاثة أعوام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما أكد المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير مشاركته في مسيرات 25 ديسمبر، موضحاً أن قياداته ستكون ساعداً ومرافقاً كل الثائرات والثائرين الأحرار، ودعا في بيان قوى الثورة إلى الانخراط في المواكب وفق المسارات والموجهات المعلنة والاستمرار في كل أنواع العمل الإبداعي المقاوم للديكتاتورية والشمولية، ولفت إلى أنه سيرصد ويوثق أي انتهاكات أو عنف أو جرائم تقترفها قوات السلطة الانقلابية، قائلاً، "إن سجلها الإجرامي أصبح مثقلاً بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان وقطار الثورة ماض إلى حيث النصر لا محالة، والانقلاب مهزوم وساقط بقرار شعبنا الآمر الناهي"، وأوضح المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير أن مكونات الحراك الجماهيري الهادر والمقاوم للسلطة الانقلابية تتأهب للاحتشاد في المواكب الظافرة في العاصمة والأقاليم، استمراراً لموجات المد الثوري السلمي المتصاعدة منذ وقوع انقلاب 25 أكتوبر (تشرين الأول).

أعلنت هيئة محامي دارفور وشركاؤها مشاركتها في مسيرات اليوم، مشددة على أهمية وجود تنظيم موحد لمكونات قوى الثورة لتحقيق الأهداف المرجوة المطالب بها المتمثلة في (حرية، سلام، وعدالة) وبأقل الخسائر الممكنة، ودعت الهيئة كل مكونات قوى الثورة وعلى رأسها لجان المقاومة إلى تنظيم ذاتها بمرجعية وقيادات موحدة.

الأمم المتحدة تحتج 

يأتي ذلك بعد أقل من أسبوع من الذكرى الثالثة لانطلاق "الثورة" التي أرغمت الجيش في عام 2019 على إنهاء 30 عاماً من الديكتاتورية العسكرية الإسلامية في ظل عمر البشير.

في ذلك اليوم، أطلقت قوات الأمن الذخيرة الحية وقنابل الغاز المسيل للدموع على مئات الآلاف من المتظاهرين، بل لجأت، وفقاً للأمم المتحدة، إلى سلاح الاغتصاب الذي استُخدم خلال النزاع في دارفور.

ولجأت السلطات، السبت، إلى أداة أخرى كبيرة. فمثلما فعلت خلال ما يقرب من شهر من الانقلاب، قطعت الاتصالات الهاتفية والإنترنت للهاتف المحمول وحرمت النشطاء من إمكانية بث صور حية وعزلت السودانيين عن الخارج في اليوم التالي لاحتفالات عيد الميلاد بجميع أنحاء العالم.

واحتج مبعوث الأمم المتحدة فولكر بيرثيس على هذه الإجراءات مؤكداً أن "حرية التعبير حق من حقوق الإنسان وهذا يشمل الوصول الكامل إلى الإنترنت". وبينما أبلغ المدافعون عن حقوق الإنسان عن اعتقالات منذ مساء الجمعة بين النشطاء وأقاربهم، أضاف بيرثيس، أنه "وحسب المواثيق الدولية، فيجب ألا يُعتقل أي شخص بسبب نيته في الاحتجاج السلمي"، وحث "السلطات السودانية وقوات الأمن على حماية المظاهرات المخطط لها اليوم".

في بداية اليوم من التعبئة تحت شعاري "لا تفاوض" مع الجيش و"الجنود إلى ثكناتهم"، أعربت نقابة الأطباء المؤيدة للديمقراطية، التي ترصد ضحايا القمع منذ 2018 عن قلقها من التعتيم، وأكدت في بيان "نلفت نظر العالم أجمع للانتباه لما جرى وسيجري في السودان حيال حراك شعبنا الثوري من أجل الحرية والديمقراطية وإسقاط كافة أشكال الحكم العسكري والديكتاتوري".

هذا لأن الإغلاق ذهب إلى أبعد من ذلك. ففي حين قامت مركبات مدرعة تابعة لقوات الأمن في كل تظاهرة بإغلاق الجسور التي تربط الخرطوم بضواحيها، فقد استخدمت هذه المرة رافعات لوضع حاويات ضخمة أمامها.

إضافة إلى ذلك، أغلقت قوات الأمن الطرق الرئيسة المؤدية إلى مركز المدينة حيث يقع القصر الرئاسي الذي يخطط المتظاهرون للسير نحوه بعد أن بات مقر السلطات الانتقالية برئاسة البرهان.

وأمس، أعلنت ولاية الخرطوم إغلاق جميع الجسور على النيل، مؤكدة أن أجهزة الأمن ستتعامل "مع الفوضى والتجاوزات" وأن "المساس بالمواقع السيادية مخالف للقانون"، في حين أنه في كل تظاهرة، كانت الطلقات الأولى تُطلق أمام البرلمان والقصر الرئاسي أو مقر قيادة الجيش.

وبعد إدانة العالم انقلابه، أعاد البرهان رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك إلى منصبه، لكن السودان ما زال من دون حكومة وهو شرط لاستئناف المساعدات الدولية للبلد الذي يعد من الأفقر في العالم. إضافة إلى ذلك، وعد البرهان بإجراء أول انتخابات تعددية منذ عقود في يوليو (تموز) 2023 لكن هذا لم يُقنع أنصار الحكم المدني في بلد عاش تحت حكم الجيش تقريباً من دون انقطاع طيلة 65 عاماً بعد الاستقلال.

تظاهرات جديدة في نهاية السنة

وفي سياق ذي صلة، أعلن المحتجون أنهم بعد، السبت، سيتظاهرون مجدداً في 30 ديسمبر (كانون الأول). فهم وإن وافقوا على العمل مع الجيش في عام 2019 لتحسين الوضع في البلاد التي تعاني ركوداً سياسياً ومن تضخم تجاوز 300 في المئة، فإنهم يريدون العودة بسرعة إلى حكم مدني صرف، فمع انقلابه والاتفاق السياسي الذي تلاه مع حمدوك الذي صار الشارع يصفه اليوم بأنه "خائن"، فرض الجيش تمديد ولاية الفريق برهان كرئيس فعلي للبلاد لمدة عامين.

والأحد الماضي، وعلى الرغم من كل شيء، سجل مناهضو الانقلاب خطوة رمزية مهمة بإعلانهم في المساء وعلى أبواب القصر الرئاسي عن "اعتصام مفتوح"، عودة إلى نهج "ثورة" 2019 التي أطاحت بالبشير في نهاية أشهر من الاعتصام، لكن في غضون ساعات، تمكنت قوات الأمن من تفريق آلاف المتظاهرين باستخدام العصي.

جبهة عريضة

ورأى الناطق الرسمي لحزب المؤتمر السوداني نور الدين بابكر أن المواكب السلمية ستشكل ضغطاً كبيراً على الانقلابيين الذين حاولوا مرات عدة شق صفوف الشارع السوداني لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وأثبت الشارع أنه ضد الانقلابات العسكرية وسيواصل حراكه للوصول إلى المدنية الكاملة مهما كان الثمن، وبين أن القوى السياسية في البلاد خطت خطوات كبيرة وإيجابية في ترتيب البيت الداخلي لقوى الحرية والتغيير، وشكلت عدداً من اللجان وقامت بنشر رؤيتها السياسية للمرحلة المقبلة من خلال تشكيل جبهة شعبية عريضة لمناهضة السلطات الانقلابية، التي هي الآن في أضعف حلقاتها، إذ لم يحقق اتفاق 21 نوفمبر (تشرين الثاني) المبرم بين رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك أي نجاح أو تقدم نحو تشكيل الحكومة الجديدة.

ونوه إلى أن رؤية قوى الحرية والتغيير تتفق مع شعارات الشارع مع الاختلاف في التفسيرات، باعتبار أن المواقف الانسدادية لا يمكن أن تحدث اختراقاً سياسياً، لذلك، فإن قوى الحرية والتغيير لا ترفض الحوار كمبدأ مع المؤسسة العسكرية لكنها ترفضه مع أصحاب الأجندة الانقلابية من العسكريين، إذ لا يقود التفاوض إلى تمكين المؤسسة العسكرية بل يوجد صيغة لبناء شراكة جديدة تؤسس لإخراج هذه المؤسسة من المشهد السياسي في البلاد.

برنامج تصعيدي

تأتي هذه التظاهرات متابعة لبرنامج التصعيد الثوري، الذي أعدته تنسيقيات لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين اللذان يقودان هذا الحراك لشهر ديسمبر، ضد إجراءات قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان التي أعلنها في 25 أكتوبر، وما تلاها من اتفاق أبرمه الأخير مع حمدوك، والذي عاد بموجبه لمنصبه رئيساً للوزراء شرط تشكيل حكومة جديدة من الكفاءات (التكنوقراط).

وتضمن البرنامج التصعيدي لشهر ديسمبر تنظيم خمس مسيرات بدأ أولها في السادس من ديسمبر، والثانية في 13 ديسمبر، والثالثة في 19 ديسمبر، والرابعة اليوم، والخامسة ستكون في 30 من هذا الشهر، للتنديد بالانقلاب العسكري والمطالبة بإزالة المكون العسكري من الحكم وتسليم السلطة كاملة للمدنيين، فضلاً عن المطالبة بالقصاص لشهداء الثورة، إذ سقط حتى الآن، منذ تفجر الأوضاع، بعد قرارات البرهان الأخيرة 45 قتيلاً، بحسب اللجنة المركزية لنقابة أطباء السودان.

استقالة حمدوك

ومنذ 25 أكتوبر الماضي، يشهد السودان احتجاجات، رداً على إعلان البرهان، في ذلك اليوم، حال الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، عقب اعتقال قيادات حزبية ومسؤولين، ما اعتبرته قوى سياسية ومدنية انقلاباً عسكرياً، مقابل نفي من الجيش.

وفي 21 نوفمبر الماضي، وقع البرهان وحمدوك اتفاقاً سياسياً يتضمن عودة الأخير لمنصبه، وتشكيل حكومة كفاءات، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتعهد الطرفان بالعمل معاً لاستكمال المسار الديمقراطي، ورحبت دول ومنظمات إقليمية ودولية، بينها الأمم المتحدة، بهذا الاتفاق، بينما رفضته قوى سياسية ومدنية سودانية، معتبرة إياه محاولة لشرعنة الانقلاب".

وتأثراً بتداعيات المشهد السياسي وتعقيداته، رشحت أخبار باعتزام رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تقديم استقالته، في ظل رفض القوى السياسية، بخاصة المنضوية تحت مظلة قوى الحرية والتغيير التعاون معه، فضلاً عما وجده من صعوبات لتشكيل حكومته الجديدة بالنظر لتواصل موجة الاحتجاجات الشعبية الداعية لإبعاد العسكر من الحياة السياسية وتسليم السلطة كاملة للمدنيين.

المزيد من متابعات