Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أفغانستان "صداع مزمن" لواشنطن

لم يغلق الانسحاب الأميركي باب الصراع مع الإرهاب بل فتح نافذة جديدة للأزمات

استطاعت "حركة طالبان" السيطرة على عشرات المناطق الريفية في أفغانستان (رويترز)

في 14 أبريل (نيسان) الماضي، أنهى الرئيس الأميركي جو بايدن، أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، معلناً أن آخر القوات الأميركية المتبقية في أفغانستان ستغادر بحلول الذكرى الـ20 لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وهو ما تم قبل الموعد المحدد بنحو أسبوعين. وفي الأسابيع التالية لذلك الخطاب، استطاعت حركة "طالبان" السيطرة على عشرات المناطق الريفية، وأغلقت المدن الكبرى. وبحلول منتصف أغسطس (آب)، كانت قد أحكمت السيطرة على العاصمة كابول والقصر الرئاسي، وغادر الرئيس أشرف غني البلاد، لتعود الحركة المتطرفة إلى سُدّة الحكم بعد عقدين من إسقاطها على يد القوات الأميركية.

المشهد في أفغانستان ينطبق عليه المثل الشعبي القائل: "كأنّك يا أبو زيد ما غزيت"، فبعد حرب طويلة استنزفت الخزائن الأميركية والأرواح من المدنيين والعسكريين، قدرت تكاليفها الإجمالية بتريليوني دولار، ومقتل ما يزيد على 48 ألف مدني أفغاني و2500 من الجيش الأميركي و1144 من القوات الحليفة، فضلاً عن نحو 66 ألف من قوات الأمن الأفغانية، أخفقت الولايات المتحدة في القضاء على الحركة المتطرفة.

أزمة إنسانية ونكسة نسائية

وتتذكر شهرزاد أكبر، رئيس اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان، صدمتها خلال لقائها في واشنطن، في يونيو (حزيران) الماضي، مع عدد من الأميركيين العاملين في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية، عندما سمعت أن عديداً من الأميركيين قد "خلصوا بالفعل إلى أن أفغانستان قضية خاسرة". وتضيف أكبر في تعليقاتها لمجلة "نيويوركر" الأميركية، الأسبوع الماضي، أنها عند سماعها خطاب بايدن في الرابع من يوليو (تموز) يتحدث عن المستقبل المشرق للولايات المتحدة، انتهى بها الأمر "بالبكاء كثيراً في ذلك المساء".

بالنسبة للأفغان البالغ عددهم نحو 38 مليون نسمة، فإن الهزيمة أكثر مرارةً، وأشد وطأةً، وليس أبلغ دليل من تلك المشاهد في مطار العاصمة كابول الذي اكتظ بالحشود الراغبة في الفرار من حكم "طالبان"، والمشاهد الأقسى بسقوط مدنيين من طائرات مقلعة، ثم تفجيرات إرهابية أودت بحياة عشرات المدنيين و13 جندياً أميركياً خلال عمليات الإجلاء في أغسطس الماضي، والتي ستبقى جميعها في الذاكرة، وستلقي بآثارها على المستقبل. ووفقاً لوكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، فإنه بحلول نهاية 2021، يكون أكثر من نصف مليون أفغاني قد فروا من البلاد منذ عودة "طالبان" للحكم.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حذر برنامج الأمم المتحدة للتنمية من أن ملايين الأفغان يواجهون خطر المجاعة، إذ إن نحو 23 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات غذائية، فضلاً عن أن 97 في المئة من السكان يواجهون خطر الفقر. وهناك توقعات بانكماش اقتصادي إلى 4 مليارات دولار، أو أقل. وبحسب قول عبدالله الدردري، ممثل برنامج التنمية في أفغانستان، فإن "البلاد على شفا أسوأ كارثة إنسانية شاهدناها على الإطلاق".

الوضع أكثر مأساوية بالنسبة للنساء والفتيات اللاتي يتحملن ظلماً مضاعفاً، سواء بسبب أحكام الحركة المتطرفة المناوئة للمرأة، أو جرّاء الفقر الذي دفع بأب لبيع طفلته ذات السنوات الـ9 كعروس لرجل يكبرها بأكثر من أربعة عقود، وفق ما ورد بالقصة التي نشرتها شبكة "سي أن أن" مطلع نوفمبر. كما لم يعد الصغيرات من الفتيات قادرات على الالتحاق بالمدارس، وتمت إقالة النساء من وظائفهن بما في ذلك من يعملن في الإعلام، وبلغ الأمر إلى قتل شرطية حامل بالرصاص أمام زوجها وطفلها في مقاطعة غور، غرب أفغانستان، وقامت عناصر الحركة بمحو كل صور النساء من الشوارع، حتى إن النساء أنفسهن بتن يظهرن نادراً وتحت غطاء كامل من الرأس حتى القدمين.

المشهد لم يكن غريباً على الأفغانيات، بل كان تكراراً لتلك الأحداث التي وقعت عام 1996، عندما استولت الحركة المتطرفة على الحكم للمرة الأولى. وفيما كان العقدان الماضيان بمثابة أمل جديد للمرأة الأفغانية، استطاعت خلالهما استرداد بعض من حقوقها وتحسين الكثير من الأوضاع، وجاء الـ15 من أغسطس لينشر الظلام مجدداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دائرة مفرغة

وعندما شنّت الولايات المتحدة حربها في أفغانستان في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2001، أعلنتها تحت عنوان "الحرب على الإرهاب"، مستهدفةً القضاء على التنظيمات الإرهابية، وتحديداً تنظيم "القاعدة" الذي شن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والتخلص من حركة "طالبان" التي كانت تؤوي عناصر التنظيم الإرهابي وزعيمه أسامة بن لادن، آنذاك، غير أن ما أظهره عقدان من الحرب، جنباً إلى جنب مع حرب العراق، هو تلك الدائرة المفرغة من الصراع بين الولايات المتحدة والتنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط.

وقد أثار الاستيلاء السريع لحركة "طالبان" على أفغانستان بعد 20 عاماً من إطاحتها، التوقعات بفتح المجال أمام غيرها من التنظيمات المتشددة في المنطقة لاستعادة نشاطاتها، والصعود مجدداً. وربما كانت الترجمة الأسرع لهذه التوقعات، تلك التفجيرات التي استهدفت مطار كابول في 26 أغسطس خلال عمليات الإجلاء الدولية.

وتتزايد المخاوف الدولية بالفعل من أن تصبح أفغانستان مرة أخرى أرضاً خصبة للتطرف والإرهاب، لا سيما في عالم تحكمه التقنيات الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي حين يختلف المتخصصون حول الكيفية التي قد تحكم بها "طالبان"، ومدى حجم التهديد الذي قد يمثلونه، حتى في الوقت الذي تحاول فيه الحركة إقناع العالم بأنهم مختلفون عن قبل، لكنهم يتفقون في أن انتصار "طالبان" مثّل دفعة دعائية ضخمة للإرهاب في جميع أنحاء العالم، سواء تنظيم "القاعدة" الذي ارتبط بعلاقة وثيقة بالحركة المتشددة، أو "داعش" الذي ربما يبحث عن موطئ قدم جديد لتأسيس دولته المزعومة بعد هزيمته في العراق وسوريا، وبالفعل تقف جماعة "داعش - ولاية خراسان" وراء تفجيرات مطار كابول.

"داعش" و"القاعدة"

وفي أواخر أكتوبر الماضي، قال كولين كال، وكيل وزارة الدفاع الأميركية للشؤون السياسية، أمام الكونغرس، إن وكالات الاستخبارات الأميركية ترجح أن تنظيم "داعش - ولاية خراسان" قد يصبح قادراً على مهاجمة الولايات المتحدة خلال 6 أشهر على أدنى تقدير. وأضاف أن تنظيمي "داعش - ولاية خراسان" و"القاعدة" لديهما النية لتنفيذ عمليات خارجية، بما في ذلك ضد الولايات المتحدة، لكنهما لا يمتلكان حالياً القدرة على ذلك.

وقال كايل شيديلير، المدير المتخصص بالأمن ومكافحة الإرهاب لدى مركز سياسات الأمن، في واشنطن، في تعليقات لـ"اندبندنت عربية"، إنه ستكون هناك عواقب تحتاج واشنطن ودول المنطقة إلى التعامل معها، متوقعاً أن يستخدم تنظيم "القاعدة" أفغانستان لتوسيع نفوذه مجدداً، في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا، بالنظر إلى أن "طالبان" تحتفظ بعلاقات جيدة مع التنظيم الإرهابي.

ويعتقد مراقبون أن "طالبان" من شبه المؤكد أنها ستكرر تشجيعها الجماعات الإرهابية، ويعتقدون أن فرص هجوم آخر على الولايات المتحدة وحلفائها بات أعلى بكثير الآن. فبحسب شيديلير، فإنه في حين هناك بعض الدلائل على أن "طالبان" قد تعلمت التلاعب بوسائل الإعلام بحرص أكبر، "إلا أنها بالتأكيد لم تغير وجهة نظرها العامة، أو أجندتها. من المحتمل أن يستمروا في أن يكونوا قاعدة، إذ يمكن للإرهابيين من جميع أنحاء العالم أن يأتوا للتدريب والتواصل".

ويجادل منسق وزارة الخارجية السابق لمكافحة الإرهاب، الزميل لدى المجلس الأطلسي، ناثان سيلز، بأن "مخاطر الإرهاب على الولايات المتحدة ستزداد سوءاً بشكل كبير". وقال إنه مع عودة "طالبان" إلى السلطة، "من المؤكد تقريباً أن "القاعدة" ستعيد إنشاء ملاذ آمن في أفغانستان، وتستخدمها لمؤامرة جديدة ضد الولايات المتحدة وغيرها".