Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعرة النمساوية إنغبورغ باخمان لا تؤجل زمنها

سليلة المدرسة الطبيعية الميتافزيقية ماتت احتراقاً في السابعة والأربعين

 الشاعرة النمساوية إنغبورغ باخمان التي ماتت احتراقاً (غيتي)

لعل الأهمية التي تكتسبها ترجمة مختارات من الشاعرة النمساوية إنغبورغ باخمان (1926- 1973)، الصادرة عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، تكمن في أنها الأولى إلى العربية، ما خلا قصائد متفرقة سبقتها إليها، وأنها تتم عن اللغة الأصلية مباشرة وليس عن لغة وسيطة، وأنها ترجمة ثنائية قام بها المترجمان سمير جريس ويوسف ليمود في إطار تداولي وليست أحادية، وخص ليمود الشاعرة بمقدمة وافية ومرجعية.

وُلدت باخمان في كلاغنفورت من ولاية كارينثيا النمساوية. ونشأت في مدينة كيرنتين، في ظل أسرة متوسطة، لأب مدرس وأم ربة منزل. ودرست الفلسفة وعلم النفس واللغة الألمانية في الجامعات النمساوية. وانخرطت في شبكة علاقات متنوعة، أسهمت في صقل شخصيتها الأدبية، وضمتها إلى غونتر غراس، وباول تسيلان، وإلزه أيشينكر، وكلاوس ديموس، وماكس فريش، وغيرهم. ورحلت عن سبعة وأربعين سنة في روما، إثر اندلاع حريق في غرفة نومها.

  موقع متقدم

على أن هذا النتاج لم يكن أحادي النوع بل كان متعدِّدَه. يتوزع على الشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والتمثيلية الإذاعية، يتمظهر الشعر في "الزمن المؤجل" 1953، و"نداء الدب الأكبر" 1956. وتتمظهر القصة القصيرة في "العام الثلاثون" 1961، و"ثلاث طرق إلى البحيرة" 1972. وتتجسد الرواية في "مالينا" 1971. وتتجسد التمثيلية الإذاعية في "الإله الطيب لمانهاتن" 1958. وعلى الرغم من محدودية هذا النتاج، استطاعت باخمان أن تحجز لها موقعاً متقدماً، بين الأدباء الناطقين بالألمانية من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية.

 يتخذ المترجمان من عنوان المجموعة الشعرية الأولى لباخمان "الزمن المؤجل" عنواناً لمختاراتهما، على الرغم من أن القصائد المختارة ليست حكراً على هذه المجموعة، بل تنتمي لغير مجموعة شعرية، وتغطي عدة مراحل زمنية. فالقصائد التسع والأربعون التي تشتمل عليها المختارات تتوزع على: ست قصائد مبكرة، أربع عشرة قصيدة من المجموعة الأولى التي تحمل المختارات اسمها، وإحدى عشرة قصيدة من المجموعة الثانية، وخمس عشرة قصيدة من مرحلة الخمسينيات، وثلاث قصائد من مرحلة الستينيات، ما يسمح برصد حركة الشاعرة الشعرية، وتشكيل لوحة عامة عن هذه الحركة.

   الزمن المؤجل

في "الزمن المؤجل"، ثمة ثنائية محورية عامة تنتظم المختارات هي ثنائية الحياة/ الموت. تندرج تحتها ثنائيات فرعية، تختلف من قصيدة إلى أخرى، وتتخذ أسماء شتى، من قبيل: النهار/ الليل، النهر/ البحر، الورد/ الشوك، الجمر/ الرماد، الأرض/ السماء، الأشجار/ الريح، النور/ الظلمة، وغيرها. وإذا كانت الشعرية في المختارات هي نتاج العلاقة الرئيسة الجدلية بين طرفي الثنائية الواحدة، من جهة، وبين الثنائيات الفرعية داخل القصيدة الواحدة، من جهة ثانية، فإن ثمة علاقات أخرى فرعية تقوم داخل العلاقة الرئيسة، تختلف من ثنائية إلى أخرى، وتتراوح بين: الصراع، التضاد، التفاوت، التقابل، التكامل، والتوازن، وغيرها. على أن وتيرة الشعرية ترتفع بارتفاع عدد الثنائيات في القصيدة الواحدة، كما نرى في هذه القصيدة التي تتجاور فيها مجموعة من الثنائيات، بشكل مباشر أو غير مباشر. وتتضاد لفظاً أو معنى: "أينما نتجه في عاصفة الورد/ يُضاء الليل بالأشواك/ ورعد الأوراق الذي كان حفيفاً في الشجيرات/ يتعقّبنا الآن/ أينما نُخمِد ما يُشعِله الورد/ يجرفنا المطر في النهر/ أيها الليل البعيد/ ورقة واحدة صادفتنا / تدفعنا على الأمواج إلى المصب".

 

 إذا كانت الثنائيات اللفظية والمعنوية في هذه القصيدة الجميلة تندرج تحت ثنائية الإنسان/ الطبيعة، فإن هذه الأخيرة تنتظم مجموعةً من قصائد المختارات، وتعبر عن علاقة وثيقة بين الأنا الشاعرة والطبيعة، تبلغ حد التوحد بينهما في بعض ذرواتها. فالطبيعة بالنسبة إليها ليست مجرد مكان جامد تقيم فيه بل هي حياة متحركة بكل ما للكلمة من معنى. لذلك، نرى الشاعرة تتفاعل معها، وتُنْعم فيها تأملاً، وتتماهى معها، وتتخذ من تحولاتها أداةً للتعبير عن أحوالها، وتُسقط عليها في المقابل تقلباتها النفسية. وبذلك، تقوم علاقة جدلية بين كائنين حيَين، إنساني وطبيعي، تضع التعبير عنها في قلب العملية الشعرية. ولعل نشأة الشاعرة في وسط ريفي جميل، من جهة، ودراستها الفلسفة وعلم النفس، من جهة ثانية، تفسران هذا الغوص في بحر الطبيعة، وهذا الميل إلى فلسفة مظاهرها وتحولاتها، ما يتم التعبير عنه شعراً.

  الطبيعي والإنساني

في هذا السياق، تتخذ باخمان من الطبيعي وسيلة للتعبير عن الإنساني، فتشبه الإنسان الساعي إلى الاستقرار والظل والدفء بنهر يبحث عن شاطئ وشجرة وشمس، "أنا نهر/ بأمواج تبحث عن شاطئ/ عن شجيرات ظليلة على الرمل/ أشعة شمس دافئة/ ولو لمرة واحدة". وتُسقط تحولات الإنسان على عناصر الطبيعة للتعبير عن حركة الحياة الدائمة في الحيزين: "يوماً ما كنتُ شجرةً مربوطة/ ثم عصفورةً أفْلَتُّ وأصبحْتُ حرّة/ في حفرة وُجِدْتُ مُقيَّدة/ وفي انفجارها حرَّرَتْني بيضةٌ دَنِسة". وتطرح سؤال الموت من خلال تمظهره في بعض حركات الطبيعة، فتشي بأن مصير الثلج هو الذوبان، ومآل النبع أن يصب في البحر: "عالقةٌ أنا على الأغصان/ في ربيع الوادي/ كنبع بارد أشق طريقي في الريح/ [...]/ أنا من تفكر في الموت بلا انقطاع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من خلال هذه الثنائية وغيرها، نقع على مقامات الشاعرة وأحوالها، وتحولاتها بين الأطوار المختلفة، ونتعرف إلى قلقها الوجودي: "طويل هو الليل يا لَلَّعنة/ تحت بصاق القمر المريض/ نوره الأصفر يكنس أثر الحلم"، واغترابها المكاني: "لم أعُد أرى في الأشجار أشجاراً/ لم أعُد أرى في أيّ طريق طريقاً"، وانتظارها الزمني: "أيام أكثر قسوة سوف تجيء/ الزمن المؤجل إلى حين/ يلوح في الأفق"، وعدم تكيفها مع الواقع، من جهة، ونتعرف إلى إيمانها بدورها التنويري: "... حيث لا نكون يسود الليل"، وتوقها إلى الحرية: "أن أكون حرةً لساعة واحدة / حرةً، وبعيدة/  مثل أغاني الليل في الأجواء/ هذا ما أريد"، من جهة ثانية.

بين هذين الحدين، تتحرك باخمان في مختاراتها الشعرية، فتنسج قصيدتها القلقة، ولا تؤجل زمنها إلى غد لا يأتي، وتصنع لحظتها الشعرية الخاصة بها، ما جعلها تستحق مكانتها في الأدب الناطق بالألمانية، ومنحها جواز مرور إلى الآداب الأخرى، ولو تأخرت في الوصول إلى الأدب العربي، فنحن كثيراً ما نصل متأخرين، مع الأسف، ولكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً.    

المزيد من ثقافة