Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مصائد الموت" تلاحق السوريين وتزهق أرواحهم

احتلت سوريا المرتبة الأولى في إحصائية عن أكبر عدد من ضحايا الألغام الأرضية العام الماضي

ظهور "داعش" في البادية السورية شكل تهديداً بعد زراعته الألغام (اندبندنت عربية)

يتحاشى الطفل "مصباح" (9 أعوام) مشاركة أقرانه اللعب بكرة القدم ضمن ساحة صغيرة تتوسط الحي الشعبي الذي يقطنه بريف دمشق، فالطفل الوافد من ريف مدينة حمص قبل سنوات ليس بمقدوره سوى مراقبة أصدقاء الحي بحسرة وهو يرمق بحزن قدمه الاصطناعية بعد إصابته بلغم في حقل والده.

حكاية الطرف المفقود في سوريا تحمل في باطنها كماً لا ينضب من الألم، هي حكاية أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة، لكنها لا تحمل البهجة كعادتها، بل على النقيض منها تروي في طياتها مرارة الفقدان.

ومع استمرار الحرب السورية تزداد قائمة من فقدوا أطرافهم من الأطفال والنساء أو المدنيين عموماً لينضموا إلى الطفل مصباح. وفي حين يواظب على مراجعة مركز تركيب الأطراف الاصطناعية برفقة والدته كل ستة أشهر، اعتاد مصباح على نظرات الشفقة من الناس، لكنه يقاوم الاستسلام، مؤكداً، "كنت أرغب أن أصبح حين أكبر لاعب كرة القدم، لكن حلمي اليوم يقتصر على الدراسة وحسب، وأن أتعلم لأصبح طبيباً".

الجمر المدفون تحت التراب

يعيش البلد تحت جمر الألغام المدفونة بعد أن ذاق لهيب المعارك وعانى الناس هول القذائف والصواريخ المتبادلة، وحتى تلك المحرمة دولياً، كالعنقودية والكيماوية، لكنه على الرغم مما تعيشه البلاد من هدوء حذر، ما زالت "مصائد" الأبرياء تهدد حياة المدنيين وتقضّ مضاجعهم.

واحتلت سوريا المرتبة الأولى في إحصائية عن أكبر عدد من ضحايا الألغام الأرضية، العام الماضي، بحسب تقرير بثه قبل أيام مرصد الألغام الأرضية، الذي وثق عبر تقريره السنوي 2729 قتيلاً ومصاباً في سوريا.

وتعد الإحصائية التي كشف عنها المرصد الأعلى منذ انطلاق أعماله عام 1999، وبهذا تكون سوريا تخطت أفغانستان وكولومبيا بعد أن كانتا تتصدران الترتيب، وللسنة السادسة على التوالي يسجل عام 2020 على مستوى العالم ارتفاعاً في ضحايا الألغام يدوية الصنع أو المخلفات الناتجة عن الحروب.

رائحة البارود المدفون

ويزداد الخوف من سقوط مزيد من الأبرياء في مناطق شهدت نزاعات مسلحة أو ما زالت إلى اليوم تعيش الحرب في شمال سوريا بشطريها الشرقي والغربي، إلا أن بروز "داعش" في البادية مجدداً شكل تهديداً منذ بداية العام الحالي بعد زراعته الألغام الفردية أو الألغام المضادة للآليات على جوانب الطرقات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولاقي 7 أشخاص مصرعهم في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بينهم طفل في انفجار لغم أرضي بريف محافظة حمص، ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان أن المركبة التي تقلهم اتجهت صوب البادية، وتحديداً إلى مدينة تدمر التاريخية، حيث انفجر اللغم في منطقة تسمى "الدوة" على أحد الطرق البرية، وأدت إلى تدمير السيارة ومقتل كل من كان على متنها.

مناطق النزاع وناقوس الخطر

يلفت الناطق الرسمي لمنظمة الصليب الأحمر في مكتب سوريا، عدنان خزام، النظر إلى استمرار الأخطار في المناطق التي شهدت نزاعاً مسلحاً، ويعتقد وفق تصريح أدلى به لـ"اندبندنت عربية" أن المخاطر تتسع أكثر أثناء جمع المحاصيل أو جمع الكمأة في البادية السورية. ويضيف، "ما زالت الألغام تهدد ملايين السوريين، لذلك تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالمشاركة مع منظمة الهلال الأحمر، بتوعية الناس في الأرياف لتفادي هذه الأخطار، ويقوم المتطوعون بتقديم الجلسات التوعوية في المناطق التي شهدت نزاعاً من أجل توعية وتفادي الأخطار".

ويحاول المتطوعون في المجال الإغاثي والإنساني بالعمل على زيادة حرص السكان المحليين، لا سيما الانتباه من الأجسام الغريبة لأنها قد تكون لغماً بأشكال مختلفة. ويروي طبيب الإسعاف الذي كان مقيماً في مستشفى بريف دمشق، غيث حاج حمدون، قبل سفره إلى ألمانيا، عن أيام الحرب التي عاشها، قائلاً، "لقد بُترت أطراف أطفال بعد حملهم ألغاماً على شكل ألعاب انفجرت بهم، وأزهقت أرواحاً بعد تلغيم أشياء باهظة الثمن أو تلغيم البيوت قبل الانسحاب منها".

ويرى الطبيب أن المخاطر اليوم تتركز في الألغام الأرضية الموجودة بكثرة في ظل عدم وجود خريطة جغرافية واضحة المعالم لانتشارها، وهذا الأمر، بحسب رأيه، يزيد من صعوبة العثور عليها. ويقول: "الحرب اليوم ليست سهلة، فقد توقف إلى حد ما الاقتتال بالبنادق والمدافع فوق الأرض في المناطق السورية. الآن، يواجه السوريون ما هو مدفون تحت الأرض، وعليه لا بد من حركة أوسع لانتشال الألغام، وحذر فائق بالتعامل معها". 

في المقابل، كشف مرصد الألغام الأرضية، وهو تحالف من المنظمات غير الحكومية في تقريره، عن أنه لم يوثق أو يتأكد خلال العام الماضي من استخدام الألغام المضادة للأفراد من قبل قوات النظام السوري أو القوات الروسية المشاركة في العمليات العسكرية، علاوة عن كون سوريا تُعد بلداً غير موقع على معاهدة حظر الألغام، في وقت تبرز فيه الحاجة إلى الدعم المجتمعي والنفسي للمصابين ومبتوري الأطراف، بخاصة الأطفال.
 

المزيد من تقارير