Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البرتغالي أفونسو كروش يحتفي بكلاسيكيات الأدب

"الكتب التي التهمت أبي" رواية الروايات التي لا بد من قراءتها

الروائي البرتغالي أفونسو كروش (دار مسكلياني)

بمجرد أن بلغ "إلياس بونفين" الثانية عشرة من عمره، أخبرته جدته أن والده أوصاها بأن تسلّمه مفتاح "علّية" منزلها ليطّلع على ما تحتويه من كتب. والد "إلياس"، المدعو "فيفالدو بونفين"، كان يشغل وظيفة حكومية مضجرة، فقرر أن تكون قراءة الأعمال الأدبية الكلاسيكية هي شغله الشاغل، لدرجة أنها "التهمته"، ذات انغماس في أحدها. حدث ذلك قبل أن يولد "إلياس"، الذي أخبرته أمه بأن والده مات بأزمة قلبية. لكن جدته لأبيه أخبرته وهو في مستهل مراهقته بأنه غاص في رواية "جزيرة الدكتور مورو"، فانتقل إلى عالم بات يعرفه جيداً. كان يعشق الأدب أكثر من أي شيء آخر. سيرث ابنه ذلك الشغف، مندفعاً في البداية برغبة عارمة بأن يعثر على والده بين ثنايا عمل أو أكثر من تلك الأعمال الأدبية.

هكذا يأخذنا الكاتب البرتغالي أفونسو كروش (1971)، في نوفيلا "الكتب التي التهمت والدي: حكاية فيفالدو بونفين العجيبة" (مسكيلياني - ترجمة سعيد بنعبد الواحد)، إلى عوالم دُرر الأدب. سارد العمل الذي فاز بجائزة "ماريا روزا كولاسو" عام 2009، وبطله الفتى "إلياس"، الذي قرر أن يبحث عن والده في ثنايا الكتب التي يعتقد أنها التهمته. سيغوص بدوره في أمهات كلاسيكيات الأدب، مثل "جزيرة الدكتور مورو" لهربرت جورج ويلز، و"دكتور جيكل ومستر هايد" لروبرت لويس ستفنسون، و"الجريمة والعقاب" لفيودور دوستوفيسكي، و"فهرنهايت 451" لراي برادبري، ويصاحب أبطالها. قائمة طويلة من الكتّاب، من بينهم دانتي وثرفانتس وبرونتي وأوسكار وايلد وفولتير وريلكه وجيمس جويس وستريندبرغ وبيسوا وتولستوي وبروست وغوغول وأورويل وهمنغواي ولاوتسي وبورخيس وكزانتزاكيس وسلمان رشدي. 

حكاية "فيفالدو بونفين"

تضم الرواية 26 فصلاً. تعقب تلك الفصول "نهاية"، نعرف منها أن السارد وقد بلغ عمره 72 سنة، راح يعيد قراءة "حكاية" بدأ كتابتها بعدما بلغ 13 سنة، ويخبرنا أنه تابع القراءة "بشكل قسري" لنحو 60 سنة؛ "وأظن أنني وجدتُ والدي في نهاية الأمر". كما يخبرنا بأنه قرأ خلال تلك الأعوام كل ما احتوته "علّية" منزل جدته من كتب، وزاد عليها أكثر بكثير مما ذخرت به. والنتيجة أنه لم يجد والده فحسب، "بل أصبحتُ أنا هو". بعد أن تخطى السبعين من عمره بات يؤمن بأن "الإنسان يتشكل من حكايات، وليس من جينات وعضلات وعظام".   

   

وفي تلك الحكاية العجائبية، يخبرنا "إلياس"، نقلاً عن جدته، أنه "ذات مساء، مثل مساءات أخرى راح والدي يقرأ كتاباً وضعه تحت مطبوع خاص بالضريبة على الدخل حتى لا ينتبه رئيس المصلحة إلى أنه لم يكُن يشتغل... في ذلك المساء ولفرط انغماسه في القراءة وقوة تركيزه ولج إلى داخل الكتاب. تاه في القراءة" صـ 11.

كان "فيفالدو بونفين"، لا يقنع بمجرد قراءة أولية سطحية، فقد كانت قراءاته تتسم دائماً بالعمق والرمزية. هذا ما استنتجه "إلياس" مما حكته له جدته، وتأكد من صحته خلال رحلة بحثه عن والده. أو لنقُل خلال رحلة بحثه عن ذاته منذ ولوجه مرحلة المراهقة.  


وفي خلاصة ما دوّنه "إلياس بونفين"، خلال تلك الرحلة الذهنية: "في الأدب لا بد من وجود طوابق متراكمة؛ بعضها فوق بعض". فما نكتبه لا يمكن الزعم مطلقاً بأنه منقطع الصلة بما قرأناه لغيرنا ممّن سبقونا إلى الكتابة. فرح "إلياس" بسماح جدته له بمطالعة الكتب وفق وصية والده. قال: "أخيراً سوف أتعرف على والدي وأقتفي أثره. سوف أتجول بين كل الكلمات التي جال بينها، وقد أعثر على جملة من الجمل بين شخصيات رواية من الروايات".

السفر داخل الكتب

أخذ من العلّية كتابين لستيفنسون؛ "جزيرة الكنز" و"دكتور جيكل ومستر هايد"، ليفتش عن تعليقات كتبها والده، في الفراغات البيضاء لصفحات الكتابين. وبمرور الوقت، وجد أنه يكرر ما فعله أبوه: السفر داخل الكتب.  شعر في الأشهر الأولى بإثارة كبيرة؛ "رافقتها بعض المشاكل داخل البيت، منها أني صرتُ ألتحق بمائدة العشاء متأخراً بشكل منتظم، وهو ما كان يثير حفيظة أمي". وفي المدرسة، كان يحصل على "علامات مناسبة"، فالمجهود الذي كان يكرسه للدرس والتحصيل لم يكن كله من باب المثابرة، على حد تعبيره. ففضلاً عن انشغاله المتزايد بالقراءة في بيت جدته، كان منجذباً إلى زميلته في المدرسة وتدعى "بياتريس"، معتبراً أنها "كانت أكثر مواد المدرسة تقلباً، أكثر من أنواع الرياضيات، وأكثر من أي فئة من قواعد النحو. كانت في الوقت ذاته أكثر أنواع الجغرافيا إدهاشاً، وأحسن تربية بصرية لعينيّ. بشعرها المنساب على كتفيها انسياب القهوة في الفنجان. وشفتيها الحمراوين المتفتحتين، وبشرتها ذات البياض العنيد. فضلاً عن عينيها السمراوتين الداكنتين حتى حين تغمضهما"!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهكذا جمع "إلياس"، بين الارتحال الذهني بتركيز عالٍ، من كتاب إلى آخر، والعيش بتركيز شديد أيضاً في ما يخص رغبته بلفت انتباه زميلته المراهقة، خصوصاً أن زميلاً آخر صارحه بأنه يسعى أيضاً إلى الفوز باهتمامها. هذا الزميل الذي يدعى "بومبو" كان يعاني من سمنة مفرطة، وكان مولعاً بحكايات صينية... "كان عندما يروي حكاية، تتورد وجنتاه ويغزو اللون الوردي وجهه المصفر"، فيتجنبه بعض زملاء الدراسة، ويسخر منه البعض الآخر، وربما يشتمونه ويعاملونه بعنف. ويبدو أنه بحسب وصف "إلياس" لمنافسه هذا، "كان قادراً تماماً على تحمل الازدراء كما العنف دون مبالاة. بيد أني رأيته أكثر من مرة يبكي لوحده في المرحاض، وإذ أسأله: هل كل شيء على ما يرام، يقول: نعم، ثم يمرر يديه على شعره الدهني ويبتسم. ولكن ابتسامته كانت حزينة" صـ 21.

"جزيرة الدكتور مورو"

في البداية، تجنّب "إلياس" البدء بقراءة "جزيرة الدكتور مورو"، بما أنها الرواية التي "تاه" والده أثناء قراءتها. لكنه عاد إليها وقرأها، بل وتعرّف على واحد من شخصياتها ويُدعى "إدوارد برينديك"، ليعرف أنه بعد عودته من جزيرة الدكتور مورو، انزوى ولم يعُد قادراً على التعامل مع البشر... "بدأ يخصص معظم وقته للقراءة، فضلاً عن أنه أخذ يتعاطى الكيمياء وعلم الفلك". هكذا وجد "إلياس نفسه، وقد أخذ يجوب شوارع لندن؛ مسرح أحداث كتاب ويلز، حتى عثر على عيادة الدكتور زيركوف، المتخصص في علاج الأمراض العقلية، متذكراً أن والده كتب اسم هذا الطبيب في أحد هوامش رواية "جزيرة الدكتور مورو". يقرر "إلياس" مقابلة ذلك الطبيب، لعله يدله على مكان يجد فيه أباه، فيجد هناك "برينديك"، وقد تحوّل إلى كلب، أطلق عليه الدكتور زيركوف اسم "آرغوس"، على اسم الكلب في رواية "عوليس". يطلب "إلياس" اصطحاب "آرغوس"، فيوافق الطبيب، بعد قليل من التمنع. قاده "برينديك"، أو الكلب "آرغوس"، إلى بيت امرأة كانت جارته في السكن ذات يوم. يسألها عما إذا كانت تعرف الرجل الذي استعان به "برينديك" بعدما فقد بصره، ليساعده في القراءة، فأخبرته بأنها تعرفه وأن اسمه "فيفالدو بونفين"... "إنه شخص يقرأ للآخرين. كان شخصاً غريباً، يكاد يماثل برينديك في غرابته. كان منعزلاً، قليل الكلام ويتأبط الكتب باستمرار".

وهنا يجد "إلياس" أنه لا يزال في بداية الطريق الذي سيقطعه مع أمهات كتب الأدب، بغرض العثور على والده... رحلة امتدت لنحو 60 سنة، "عمري الآن 72 سنة. أنظر إلى أبنائي وإلى أحفادي وأفكر أي حكايات سيخوضون غمارها وما الذي سيكون بإمكانهم أن يحكوه في يوم من الأيام"، صـ 112.

المزيد من ثقافة