Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قاضي التحقيق في تفجير مرفأ بيروت مكبل بفعل ولاء زميله لـ"حزب الله"

يرى مراقبون أن مزهر تجاوز الصلاحية الموكلة إليه من قبل الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في بيروت

وقفة احتجاجية سابقة لأهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت (أ ف ب)

على وقع الدعاوى والدعاوى المضادة تستمر عملية ممنهجة في تدمير السلطة القضائية في لبنان، عرابها الأساس "حزب الله" تحت مسمى "استنسابية تحقيقات المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت" القاضي طارق بيطار. وبلغ عدد دعاوى طلب الرد المقدَّمة ضد البيطار، 16 دعوى قدمها المدعى عليهم، العدد الأكبر منها من حلفاء الحزب وهم الوزير السابق يوسف فنيانوس والوزيران علي حسن خليل وغازي زعيتر، إضافة إلى دعاوى قدمها بحق المحقق العدلي كل من رئيس الحكومة السابق حسان دياب والنائب نهاد المشنوق. صحيح أن كل هذه الدعاوى سقطت بفعل رفضها من قبل قضاة المحاكم التمييزية والاستئنافية، لكن السلطة السياسية تمكنت من كسب الوقت وعرقلت التحقيقات وإن كانت لم تحقق هدفها الأساس بإقالة بيطار. ووصلت القضية أخيراً إلى مكتب رئيس محكمة الاستئناف، القاضي حبيب مزهر المعيَّن حديثاً عضواً ممثلاً للطائفة الشيعية في مجلس القضاء الأعلى. وعلى عكس كل زملائه، تخطى مزهر صلاحياته وخالف القانون بشكل فاضح وعطّل عمل بيطار وسحب كل الملف من يده ومهد لإبطال السرية عن التحقيقات، وكل ذلك لرد الجميل للجهات السياسية التي سمته عضواً في مجلس القضاء الأعلى.

أين خالف مزهر القانون

عندما عُيّن القاضي حبيب مزهر عضواً في مجلس القضاء الأعلى ممثلاً للحصة الشيعية، جرى اختياره من قبل الثنائي "حزب الله" و"حركة أمل"، وجرى الاتفاق على اسمه بين وزير العدل هنري خوري المقرب من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري في عين التينة. وكان أول اختبار لمزهر كرد جميل لصاحب الفضل في إدخاله إلى مجلس القضاء الأعلى، هو مخالفته القانون بشكل فاضح. والمعلوم أن القاضي مزهر كان من أشد المطالبين بإقالة البيطار في اجتماع المجلس الذي عُقد بحضور القاضي بيطار الذي انتهى إلى تثبيت الأخير في موقعه.
وشرح الخبير الدستوري سعيد مالك أن "القاضي مزهر تجاوز الصلاحية الموكلة إليه من قبل الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في بيروت القاضي حبيب رزق الله. فبعد أن تقدم المدعى عليه يوسف فنيانوس بطلب رد أمام القاضي نسيب إيليا، طلب الأخير تنحيه عن القضية، كونه سبق أن رفض طلب رد البيطار ولن يغيّر موقفه الآن. وعليه طلب الرئيس الأول حبيب رزق الله من القاضي مزهر النظر بطلب الرد المرفوع أمام القاضي نسيب إيليا والفصل حصراً بطلب تنحيه، لكن القاضي مزهر لم يكتف بهذه القضية فقط بل عمد إلى ضم الملفين أي طلب رد بيطار مع طلب رد وتنحية إيليا، وسارع إلى تبليغ بيطار في منزله بطلب رده وذهب أبعد من ذلك بفرض تسليمه كل الملف، ضارباً بشكل مباشر وعن سابق تصور وتصميم سرية التحقيقات، وهو ما كان طالب به مراراً الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في أكثر من إطلالة تلفزيونية عندما طلب الاطلاع على مضمون التحقيقات بحجة التأكد من صوابية الادعاءات التي سطرها القاضي بيطار وإذا كانت مبنية على معطيات جدية".
 

 


الهدف كشف مضمون التحقيقات

تنص المادة 53 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن التحقيقات تبقى سرية أمام قاضي التحقيق ولا يمكن لأحد الاطلاع عليها حتى صدور القرار الظني. قرار القاضي مزهر بسحب الملف من القاضي بيطار وضمه إلى غرفة مدنية، تبعه عشرات الطلبات من المحامين لتصوير الملف، فأعطت المحكمة إيجازات بالتصوير ونسفت سرية التحقيقات. واستناداً إلى هذه الواقعة القانونية المقصودة، تقدمت نقابة المحامين بوكالتها عن ذوي الضحايا، إضافةً إلى محامين من مجموعات أخرى، بدعاوى ضد القاضي مزهر حول تسببه بنزع السرية عن تحقيقات انفجار المرفأ ووضعها في إطار مدني ما يعرض التحقيقات في المرحلة المقبلة إلى صعوبات كبيرة أهمها غياب عنصر المفاجأة.

انقسامات مجلس القضاء الأعلى

وفرضت الهجمة المرتدة التي نظمها محامون ووكلاء وقانونيون ضد ما وصفوه بـ"الفضيحة التي ارتكبها القاضي حبيب مزهر"، قضية الأخير على طاولة اجتماع مجلس القضاء الأعلى. لكن مجلس القضاء الأعلى لم يتمكن من التوصل إلى قرار بشأن مزهر الذي وصفه البطريرك الماروني بقاضي "غب الطلب"، الذي تمكن من تعطيل عمل المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، بعدما تجاوز صلاحياته وخالف القانون للوصول إلى كف يد القاضي طارق بيطار. ورفع مجلس القضاء الأعلى جلسته المطوّلة التي عقدها في قصر العدل الاثنين 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، لمزيد من البحث، بعدما حالت الانقسامات بين أعضائه إلى الاتفاق على موقف واحد. وأسهم حرج بعض أعضاء مجلس القضاء الأعلى المعيّنين حديثاً لا سيما المقربين من رئيس الجمهورية، تجاه حليفهم "حزب الله"، بعدم حسم المسألة. وفضّل رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود الحؤول دون شرذمة المجلس وإظهار الانقسامات داخله حول هذه القضية. من هنا كان القرار بحسب مصادر قضائية أن تتم معالجة مخالفة مزهر ضمن الأطر الإدارية تفادياً لإظهار الانقسامات ذات الطابع السياسي أو الطائفي أو المذهبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأُضيف إلى مشهد الانقسام الحاصل في السلطة القضائية، مشهد آخر عكسَ عمق التدخلات السياسية في السلطة القضائية واستقواء القاضي بالمرجعية التي عيّنته بدلاً من الاستقواء بالعدل والعدالة. فالقاضي حبيب مزهر حاول لاحقاً رفض تبلغه طلب الرد بحقه المقدم من عدد من المحامين لمخالفته القانون، وحصل سجال داخل محكمة الاستئناف بين القضاة الحاضرين وبحضور الرئيس الأول القاضي حبيب رزق الله، إلى أن أُرغم مزهر على تبلغ القرار وكف يده عن الملف.

ويرى مؤيدو مزهر أنه "يتعرض لحملة عشوائية وشعواء لتشويه صورته ودوره"، لأنه "التزم الأصول بلا مسايرة، وسعى إلى تصويب المنحى القضائي الذي يتخذه التحقيق في قضية انفجار المرفأ بعيداً من التسييس، ما أزعج المستثمرين في هذه القضية لتحقيق مكاسب سياسية".

ويعتبر بعض القضاة أن طلب مزهر من بيطار ملف تحقيق المرفأ كاملاً هو طلب قانوني كي يستطيع البت في القضية لأن لا سريّة بين القضاة. ورأوا أن القاضي مزهر ربما يكون قد أخطأ في اجتهاده وربما لا، لكن ذلك لا يبرر حجم الهجوم عليه، الذي يُراد منه منع وصول الملف إليه، حتى يبقى تحت السيطرة والتحكم.

وكان نائب الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم قال "نحن أمام محقق عدلي هو طارق بيطار، يتصرف باستنسابية وعمل سياسي، ويستهدف جماعات محددة، ويعمل خلافاً للقانون، وبالتالي يجب أن نفتش عن حل لهذه المعضلة والمشكلة، فعندما تكون هناك 14 دعوى للرد والارتياب المشروع ضد هذا القاضي، فهذا يعني أنه مشكلة، وبالتالي يمكن البحث عن قاض آخر وتحل المشكلة، أما أن يتفرج البعض أو يدعي أنه يريد الحقيقة، فليس بهذه الطريقة تحصل على الحقيقة، فالحقيقة تتطلب قاضياً نزيهاً عادلاً لا يسيس عمله، ويكون الأطراف المعنيون راضين عن تكليفه ومتابعاته".

مزهر يستحق الطرد

بحسرةٍ يتحدث رئيس مجلس الشورى السابق، الرئيس السابق في محكمة التمييز القاضي شكري صادر، عن القضاء في لبنان، مذكراً بأنه "قبل الحرب اللبنانية كان القضاء اللبناني أفضل قضاء في الشرق الأوسط والأفضل في العالم". واستناداً إلى خبرته في العدلية التي تخطت الـ46 سنة، أكد صادر أنه "لم يعد هناك من قضاء لكن هناك بعض القضاة أمثال القاضي طارق بيطار الذي شكّل بحسب رأيه، مفاجأة في العدلية لتمتعه بالميزات الثلاث التي تميّز القاضي الحقيقي وهي التجرد والكفاءة والشجاعة. أما القاضي مزهر فهو مثال للقضاة الذين يعيَّنون من قبل السلطة السياسية وشروط تعيينهم أن يكونوا أزلام السياسيين". ووصف صادر ما أقدم عليه مزهر بجمع ملفين لا رابط بينهما بـ"الخطأ الجسيم". وأضاف أن "مزهر اتخذ قراراً عديم الوجود لعدم الاختصاص المطلق، ويجب أن يُتخذ قرار بإقالته من مجلس القضاء الأعلى لكن مَن سيحاسب مَن؟". وكشف صادر عن أن "القاضي مزهر أظهر حقيقة انتمائه في أول اجتماع عقده مجلس القضاء الأعلى، عندما طالب بحدة بعقد جلسة تُخصص لاستدعاء بيطار والاستماع إلى أقواله، علماً أن هذا الأمر ليس من اختصاص المجلس". أما استهداف بيطار بهدف إقالته فأسبابه بحسب صادر، "شعور حزب الله وتوفر معلومات لديه أن المحقق العدلي بلغ مرحلة استدعاء مسؤولين في الحزب للتحقيق معهم، وكان قرر تركهم للمرحلة الأخيرة قبل صدور القرار الظني وذلك ربما تجنباً لتطييره وتطيير التحقيق".

جلسات الاستجواب معلقة

وفيما يستعد أهالي ضحايا المرفأ إلى تظاهرة يوم الخميس المقبل (11 نوفمبر) أمام قصر العدل للمطالبة بعودة القاضي بيطار وتركه يستكمل التحقيقات، وبانتظار أن يبت القضاء المختص بموضوع طلب رد بيطار وكف يده عن ملف تحقيقات المرفأ، تبقى جلسات استجواب المدعى عليهم معلقة، وقد أُرجئت الجلسة المقررة للاستماع إلى المدعى عليه، وزير الأشغال السابق غازي زعيتر التي كانت مقررة الثلاثاء (9 نوفمبر). وامتنعت القوى الأمنية عن تعميم مذكرة التوقيف التي أصدرها البيطار بحق الوزير السابق علي حسن خليل في 12 أكتوبر (تشرين الأول) أي منذ نحو شهر، ورداً على اتهامه بالتمنّع عن تنفيذ المذكرة أصدر المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء عماد عثمان، بياناً أوضح فيه أنه لم يرفض تنفيذ المذكرة، شارحاً أنه أرسل استيضاحاً إلى المحامي العام لدى المجلس العدلي عن النص الدستوري في مادته الأربعين التي لا تجيز توقيف النائب أثناء دور انعقاد مجلس النواب، ليُصار من قبل الجهة القضائية المعنية تأكيد الطلب من عدمه.

المزيد من العالم العربي