Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خيارات أميركا مع التصعيد العسكري بين الصين وتايوان

تعلم واشنطن أنها قد تخسر حرباً محدودة قرب شواطئ بكين لهذا ستتجنبها

أفراد من القوات الخاصة التايوانية يسيرون خلف مدرعة خلال مناورة عسكرية سنوية في تايتشونغ وسط تايوان (أ ف ب)

إذا اندلعت الحرب بين الصين وتايوان بشكل متعمد أو عن طريق الخطأ أو الاستفزاز، ستكون الولايات المتحدة في موقف لا تُحسد عليه، ذلك أنها قد تضطر للدفاع عن حليفتها تايوان لأسباب كثيرة، لكنها أيضاً قد تتّبع وسائل أخرى وتكتفي بحصار الصين سياسياً واقتصادياً بدلاً من حرب غير مأمونة العواقب على بعد 100 ميل فقط من شواطئ الصين، ولأن واشنطن تحاول تجنّب العواقب الوخيمة لهذا السيناريو، ربما يكون من الأفضل أن تفعل كل ما بوسعها لتجنيب الغريمين اللدودين الصين وتايوان هذه الحرب تحت أي ظرف، فما الذي يمكن أن تفعله؟

مغزى التصعيد

في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي الذي يوافق الذكرى الـ 72 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، أرسلت بكين 38 طائرة عسكرية إلى المنطقة العازلة التي تفصلها عن تايوان التي تُعرف باسم منطقة الدفاع الجوي لتايوان، وهي ليست منطقة سيادة، لكن هذا العدد كان الأكبر الذي ترسله بكين في يوم واحد، وفي اليوم التالي حطّمت الصين رقمها القياسي مرة أخرى بإرسال 39 طائرة، ثم في 4 أكتوبر أرسلت 56 طائرة إلى المنطقة ذاتها، محطمة الرقم القياسي اليومي للمرة الثالثة، فما الذي أرادته من ذلك التصعيد مع تايوان في هذا التوقيت.

من المؤكد أن التصعيد الصيني لم ينبع من العدم، فقد نشرت الولايات المتحدة في تايوان قبل نحو عام وحدة عمليات خاصة ووحدة صغيرة من مشاة البحرية لتدريب الجيش التايواني، وربما يكون إرسال الطائرات المقاتلة الصينية رد فعل على هذا الانتشار الأميركي الذي جرى الكشف عنه أخيراً، ومن شبه المؤكد أن بكين كانت تعلم به منذ فترة، وأرادت تقديم إشارة إلى الولايات المتحدة لسحب تلك القوات، ومن المرجح أيضاً أن لا تكون تهديدات الصين لتايوان مجرد رد فعل على واشنطن، إنما تحقيق لرغبة طويلة لدى الحزب الشيوعي الصيني للسيطرة على جزيرة تايوان بالقوة إذا لزم الأمر، وكانت غارات الطائرات نوعاً من التدريب للطيارين على هذه المهمة.

خطة خداع

ويعزز هذا التصوّر ما يشير إليه المتخصصون مثل بوني لي، الخبير الأمني في مركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية في واشنطن، الذي اعتبر أن الصين تدمج عدداً كبيراً من الطائرات المقاتلة مع القاذفات النووية والوسائل العسكرية التي تركز على الحرب المضادة للغواصات وأدوات المراقبة الجوية، وأن بكين التي تُظهر قدرتها على إجراء عمليات عسكرية ضد تايوان في جميع الأوقات طوال العام، تستهدف إزالة حساسية تايوان والولايات المتحدة لأي عمليات عسكرية صينية بالقرب من الجزيرة، ما يسمح لها بإخفاء الاستعدادات لهجوم فعلي على الجزيرة بسهولة أكبر إذا ما قررت ذلك مستقبلاً.

كما تشير آيمي آشفورد، الباحثة في مبادرة نيو أميركا في المجلس الأطلسي، إلى أن التصعيد الصيني يساعد في خلق انطباع عالمي بأن تايوان لا يمكن الدفاع عنها، وأن بكين لديها بالفعل هيمنة عسكرية على الجزيرة والمنطقة، يعكسه هذا التدريب المفيد للطيارين الصينيين تمهيداً لنزاع مستقبلي يساعدهم في التحقق والتخطيط لمواجهة أساليب الدفاع الجوي المحتملة لتايوان، ويضع الكثير من الضغط على القوات الجوية التايوانية الصغيرة الحجم التي يحتاج قادتها إلى التدافع بالطائرات لاعتراض الطائرات الصينية الآتية في وقت قصير.

ولا شك في أن لدى بكين مصلحة قوية في إقناع سكّان تايوان بالوحدة سلمياً مع الصين، وهو ما صرّح به الرئيس الصيني شي جينبينغ أخيراً، وقد يساعد هذا النوع من النشاط على إقناع الناخبين بعدم انتخاب نائب الرئيسة الحالية إذا ترشح لخلافتها في الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2024، الذي يجاهر صراحة بأنه سيعمل على إعلان استقلال الجزيرة عن الصين، وهو ما يُعدّ خطاً أحمر للقيادة الصينية في بكين.

حساسية الدفاع عن تايوان

وعلى الرغم من أن إدارة بايدن أعربت عن قلقها الدبلوماسي بشأن هذه التحركات الجوية الصينية، فإن الأمر يختلف عندما يتعلق بالدفاع الفعلي عن تايوان، التي تُعدّ مسألة غير واضحة في أدبيات سياسة واشنطن منذ سبعينيات القرن الماضي، فقد حافظت الولايات المتحدة على الغموض بشأن مسألة استقلال تايوان، وحافظ الرؤساء الأميركيون على سياسة "صين واحدة"، ما يعني اعتراف واشنطن بأن تايوان جزء من الصين، وأضحى السؤال الآن هو ما إذا كان ينبغي تغيير هذا الموقف وتقديم التزام أوضح بالدفاع عن تايوان، وإلغاء التعهدات الأميركية التي وقّعت عليها مع الصين عام 1982، أو مواصلة سياساتها السابقة واتباع استراتيجيات بديلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ينقسم المحللون الأمنيون والسياسيون حول هذه النقطة، فعلى سبيل المثال يرى ماثيو كروينغ، نائب مدير مركز سكوكروفت للأمن والاستراتيجية في واشنطن، أن على الولايات المتحدة وحلفائها تقديم التزام أوضح بالدفاع عن تايوان، وأن تستثمر تايبيه وواشنطن في تعزيز القدرات العسكرية، بخاصة الصواريخ المضادة للسفن، بهدف ردع الصين وإذا لزم الأمر مواجهة أي غزو صيني للجزيرة، لأن أوضح طريق للحرب سيأتي إذا أخطأ قادة الحزب الشيوعي الصيني التقدير حين يفترضون أنه يمكنهم الإفلات بالاستيلاء الناجح على الجزيرة، في حين أنهم في الواقع لن يفلتوا بفعلتهم، وعلى واشنطن توضيح التزام الدفاع عن تايوان، مما يساعد بكين على عدم الخطأ في الحسابات.

والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة وحلفاءها شيّدوا نظاماً دولياً راسخاً منذ 75 عاماً أنتج سلاماً وازدهاراً وحرية غير مسبوقة على مستوى العالم، ولا ترغب واشنطن بأن تستبدل هذا النظام الدولي بعالم يقف فيه الأميركيون مكتوفي الأيدي، بينما تلتهم الأنظمة الاستبدادية مثل الصين جيرانها بالقوة العسكرية، أو أن تنتظر الولايات المتحدة لتخسر حرباً تؤدي إلى نهاية هذا النظام وصعود الصينيين. ولهذا يعتقد كثيرون في واشنطن أن الأمر يستحق القتال من أجل الحفاظ على قواعد النظام الدولي الحالي، ولهذا فإن الأهمية الاستراتيجية لأميركا أكبر بكثير من مصلحة بكين المباشرة، التي تتلخص أساساً في استعادة جزيرة تايوان.

هل تغامر أميركا؟

 في المقابل يرى آخرون، منهم آيمي آشفورد، أن الأهمية الاستراتيجية لتايوان بالنسبة إلى الولايات المتحدة ليست كافية حتى للمخاطرة بحرب مع الصين على عكس الدفاع عن دولة مثل اليابان أو كوريا الجنوبية، اللتين تلتزم واشنطن الدفاع عنهما، بينما في الحالة التايوانية تبدو الأمور مختلفة، إذ تعتبر الصين تايوان جزءًا تاريخياً منها، وكانت إعادة التوحيد مطلباً أساسياً لحكومة الحزب الشيوعي منذ عقود طويلة، وتايوان أكثر أهمية بالنسبة إلى بكين مما هي بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

ومن الناحية العسكرية، تقع تايوان على بعد 100 ميل من شواطئ البر الرئيس الصيني، في حين أنها تبعد 7000 ميل عن الولايات المتحدة، وهناك الكثير من الأدلة على أن هذه الأخيرة ربما تخسر مثل هذه الحرب، ما يكلف أرواح الكثير من الأميركيين، ومن المحتمل أن يخفض مرتبتها إلى قوة عالمية من الدرجة الثانية، بينما ترتفع بكين إلى المرتبة الأولى.

وعلاوة على ذلك، ينقسم الشعب الأميركي في استطلاعات الرأي بشأن ضرورة الدفاع عن تايوان، وهو أمر مهم وحاسم لأي رئيس يقرر خوض حرب، فماذا إذا كان الخصم دولة بحجم الصين ربما يؤدي الصراع المحدود معها في هذه المنطقة البعيدة من أميركا إلى انهيار النظام الدولي القائم على القواعد التي أسستها الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية.

استراتيجية بديلة

ولكي تتجنّب الولايات المتحدة سيناريو حرب محتملة مع الصين، برزت فكرة تعزيز معادلة الردع ضدها بشكل صحيح من خلال تزويد تايوان بقدرات عسكرية متفوقة، لتدافع بها عن نفسها، وبما لا يضطر الأميركيين إلى القتال للدفاع عنها، كما يمكن لواشنطن في الوقت ذاته أن تقنع الحزب الشيوعي الصيني بأن ليس من مصلحته الهجوم، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها سيتخذون الكثير من الإجراءات العقابية ضد بكين في وقت بدت علامات اقتصادية مقلقة في الجسد الصيني من أزمة عقارات وديون وأزمات طاقة، الأمر الذي ربما يدفع الصين إلى التفكير أكثر من مرة قبل أن تخاطر بمغامرات غير محمودة العواقب.

لكن، أكثر ما يقلق الأميركيين هو أن خطر حدوث أزمة لا ينبع من احتمال غزو صيني فوري بقدر ما ينبع من حادث أو سوء تقدير يتحوّل إلى قتال، مثل الاصطدام الجوي بين الطائرات الصينية والتايوانية على سبيل المثال، أو أن يصدر قرار صيني بانتهاك المجال الجوي السيادي لتايوان، ما يدفع تايبيه إلى إسقاط الطائرة، بخاصة مع ترجيح استمرار بكين في إرسال الطائرات بالقرب من تايوان وتحليقها حتى فوق الجزيرة نفسها.

أخطاء قاتلة

وينبع الخوف أنه عند نقطة معينة، ستضطر تايبيه للرد، سواء من خلال تعزيز المراقبة والتحذيرات أو باستخدام القوة العسكرية، لذلك يرى ديفيد ساكس، الباحث الأمني في مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، أنه يجب على الولايات المتحدة أن تعمل مع تايوان لاستباق الأنشطة العسكرية للصين والرد عليها من دون إثارة أزمة، بحيث ينبغي أن تستعد واشنطن لخطأ فادح من المحتمل أن يقود إلى صراع مفتوح.

ويدرك القادة العسكريون والسياسيون في تايوان أنه حتى مع اتخاذ بعض الإجراءات، فإنها لن تكون كافية إذا استمرت الصين في التصعيد، فقد ناقش مسؤولون من وزارة الدفاع الوطني التايوانية والقوات الجوية وخفر السواحل مجموعة من الردود على العمليات العسكرية الصينية، بناءً على طبيعتها وبعدها عن الجزيرة، إذ تشير بعض التقارير إلى أن تايوان ربما تكون قد أنشأت بالفعل ثلاث مناطق منفصلة عبارة عن منطقة "مراقبة" للتحركات الصينية على بعد 30 ميلاً بحرياً من تايوان، ومنطقة "تحذير" للتحركات العسكرية الصينية في نطاق 24 ميلاً بحرياً، ومنطقة "تدمير" للقوات المهاجمة في حدود 12 ميلاً بحرياً.

وحدد سلاح الجو التايواني في منطقة "التدمير" بعض إجراءات التشغيل، من خلال الاستعداد لاعتراض الطائرات المتسللة أو إجبارها على الهبوط، فإذا كانت لدى الطائرات نوايا عدائية، فيمكن للقوات الجوية التايوانية أن تطلق طلقات تحذيرية، أو إسقاط هذه الطائرات لمنع التصعيد، وفي حين لا يُسمح للطيارين التايوانيين بإطلاق النار أولاً ما لم يأمرهم مقر القوات الجوية بذلك، إلا أنه في حالة حدوث أزمة، قد تتمكّن القوات الجوية من السماح بإطلاق النار أولاً من دون الحصول على موافقة أخرى من كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين في تايوان.

وبينما يفضّل المسؤولون الأميركيون أن لا ينفق قادة تايوان مواردهم العسكرية المحدودة للرد على تهديدات واستفزازات الطائرات العسكرية الصينية، فإن الضرورات السياسية المحلية قد تجبرهم على الرد.

تجنّب الأزمات

وإذا تجاهلت بكين الخطوط الحمراء المحتملة لتايوان، فإنها ستخاطر بإثارة أزمة، بخاصة إذا دخلت طائراتها العسكرية منطقة "التدمير" في الجزيرة، وإذا حاولت الصين التحليق بطائرات عسكرية مباشرة فوق تايوان نفسها، فقد تشعر تايبيه أنه لا خيار أمامها سوى إسقاط الطائرة، بل إن الاصطدام العرضي في مضيق تايوان يمكن أن يخرج عن نطاق السيطرة، فمنذ أزمة مضيق تايوان عام 1958، عندما قصفت الصين جزر تايوان البحرية، لم يتعرض أي من الجانبين لوفاة في مواجهة عبر المضيق، لكن إذا تغيّر ذلك اليوم، فإن الجانبين سيكونان غير مهيئين لإدارة التداعيات السياسية المحلية.

ويطالب موقع "فورين أفيرز" الولايات المتحدة بالاستعداد لحادث أو سوء تفاهم يدفع الجانبين إلى حافة الحرب، ولتحقيق هذه الغاية يجب على واشنطن إقناع تايوان بأن تكون أكثر مرونة وقدرة على تحمّل الضغط العسكري الصيني، كما ينبغي أن تساعد تايوان في ردع الأنشطة الأكثر تهديداً للصين، كما يمكن للولايات المتحدة العمل مع الحلفاء والشركاء لإقناع الصين بالعواقب المزعزعة للاستقرار لسلوكها ضد تايوان.

المزيد من تقارير