Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصلحة الضرائب المصرية تعلن نهاية عصر الكلام المجاني

يجذب المؤثرون والمؤثرات ملايين المتابعين بمحتوى متأرجح بين خفة الظل والسخافة

حالة جدل بعد توجه مصر لتقنيين صناعة المحتوى الرقمي على يوتيوب (أ ف ب)

لم تعد المسألة مزحة إذن، أوشك الكلام أن يصير بمقابل مادي. أيام قليلة ويودع المصريون عقوداً وقروناً طويلة ظل الكلام خلالها بلا مقابل، وهو ربما ما تسبب في وفرته وإتاحته لحد التخمة. تخمة الكلام الناجمة عن إتاحته من دون حساب، على الرغم من أنف ما يكتبه الصغار في درس "التعبير" في فصول اللغة العربية، "فإذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"، وبغض النظر عما يكتبه السائقون على خلفيات سياراتهم من أن "لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك"، فإن الكلام ظل أبواباً مفتوحة على مصاريعها، ومنجماً لا تنضب أحشاؤه.

مصلحة الضرائب تنتفض

لكن مصلحة الضرائب المصرية أتت بما تشتهيه جموع المتكلمين من دون حساب والمدونين من دون قيود، والمصورين لأنفسهم من دون ضابط أو رابط، فبعد محاولات كر رسمية وفر عنكبوتية حيث تلويح بحجب منصات تواصل اجتماعي مرة، وتنبيه إلى قرب صدور نسخة مصرية من "فيسبوك" مرة، وتهديد ووعيد باحترام الصدقية ومراعاة الشفافية في ما تنشره وتحمله جموع مستخدمي الشبكة العنبكوتية، وقابلتها جهود فر من قبل هذه الجموع حيث هرب من عوالم "فيسبوك" الموضوعة تحت المجهر إلى أثير "تيك توك" القادم حديثاً أو منعطفات "يوتيوب" العامرة بما يلذ ولا يلذ، وما يطب وما لا يطب من صنوف المحتوى، تفتق ذهن مصلحة الضرائب المصرية عن قرار تسبب في صدمة عارمة لدى جموع النشطاء العنكبوتيين. "النشطاء العنكبوتيون" أو "نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي" هذا المسمى بالغ الحساسية الذي ولد من رحم أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 تضاءلت مكوناته السياسية وأفسحت المجال لمكوناته الاجتماعية والفنية والترفيهية والغذائية والهزلية على مدى السنوات الخمس الماضية. جموع المؤثرين والمؤثرات ومشاهير "يوتيوب" و"تيك توك" و"إنستغرام" و"سناب تشات" وغيرها أصبحوا ملء السمع والبصر.

خفة ظل وسخافة

من أصغر حارة إلى أكبر ميدان ومنهما إلى شاشة كل مصري ومصرية متصلين بشبكة الإنترنت، يجذب المؤثرون والمؤثرات ملايين المتابعين بمحتوى متأرجح بين خفة الظل والسخافة، وثورة خرق خصوصيات الحياة الشخصية نهاراً جهاراً، والطبخ في غرف النوم وممارسة الرياضة في الحمام والمذاكرة على قارعة الطريق وكل وأي شيء في أي مكان وزمان. صرعة الكلام على الأثير فاقت عادة الكلام بلا قيود أو شروط، فتلك العادة المصرية الأصيلة في ربوع البلاد منذ سالف العصر والأوان، لذلك فإن مصلحة الضرائب المصرية حين أصدرت قرارها المباغت للحساب على الكلام قبل أيام صدمت الجميع، وإن تراوحت الصدمة بين السلب والإيجاب.

مشاركة في المصلحة

قرار المصلحة نص على "المشاركة في المصلحة"، وهو التعبير الدارج الذي يستخدمه المصريون حين يفرض أحدهم ضريبة أو يستقطع قدراً من المال من دخل أحدهم. القرار يحوي إشارة إلى ضرورة سرعة فتح ملف ضريبي لكل من تفوق إيراداته 500 ألف جنيه مصري (32 ألف دولار أميركي)، وذلك منذ تاريخ مزاولة النشاط، أي يتم التحصيل بأثر رجعي. وأشار البيان إلى أنه "على الأفراد الذين يقومون بنشاط صنع المحتوى من بلوغرز ويوتيوبرز التوجه للمأمورية الواقع في نطاقها المقر الرئيس للنشاط وفتح ملف ضريبي للتسجيل في مأمورية الضريبة على الدخل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أصحاب التخصص العنكبوتي في هذا الشأن يختلفون كثيراً عن الشكل التقليدي لرجال وسيدات الأعمال الذين يتوجهون أو يرسلون محاميهم لإنهاء المعاملات الضريبية على أعمالهم وأنشطتهم. "حسين بك" بسيارته الـ "بي إم دبليو" الفارهة و"مدام شاهندة" بحقيبتها الـ "لوي فيتون" وحذائها الـ "دونا كاران" ومأساتها المليونية، وأقرانهما وقريناتهما يختلفون شكلاً وموضوعاً عن "أم نور" مثلاً سيدة الكفتة على "يوتيوب".

أم نور أول المتضررين

أم نور أول المتضررين والمتضررات من قرار مصلحة الضرائب قابعة في بيتها حزينة بائسة منذ صدور القرار، فهي التي اكتسبت لقب "سيدة الكفتة" من دون منازع خلال الأسابيع القليلة الماضي بفعل وفضل الكفتة التي تصنعها في غرفة نومها لم "تتهنى على" (تستمتع) بعد بشهرتها، وما نجم عنها من مكاسب مادية.

اشتهرت "أم نور" بمقاطع تطهي فيها الكفتة وتقليها وتضعها في الصلصة، وتشويها على موقد مثبت أمام فراشها في غرفة نومها، وهي سيدة بسيطة ترتدي جلباباً أسود وطرحة ممتلئة القوام وتتحدث بلهجة شعبية مصرية معروفة.

وبعد ساعات قليلة من صدور قرار مصلحة الضرائب، خرج زوج "أم نور" ليصرح لوسائل الإعلام أن أحداً لم يخبره عن "حكاية الضريبة". حكاية الضرائب واحدة في كل زمان ومكان. تقيم مصلحة الضرائب القيمة المستحقة على أحدهم بـ 1000 جنيه (63.70 دولار أميركي)، فيطعن ويؤكد أنه غير قادر على سدادها.

تقيم المصلحة القيمة بمليون (63.5 ألف دولار)، فيؤكد الممول أنه غير قادر على سدادها وهلم جرا. وزوج "أم نور" ليس استثناء، فقد قال في تصريحات صحافية إنه وزوجته لم يتقاضيا أي أرباح بعد على مقاطع الفيديو، وذلك على الرغم من وصول عدد المتابعين إلى نصف مليون متابع. يقول، "لا نتقاضى أموالاً، ولم نكسب جنيهاً واحداً. لدينا مشاهدين وكنا نعتقد أننا سنحقق مكاسب، لكن لم يكسب شيئاً".

الكلام المباح من دون حساب

وحتى في حال لم تحقق "ملكة الكفتة" جنيهاً واحداً، وهو أمر مشكوك فيه كثيراً، فهناك غيرها كثيرون ممن يحققون الملايين والآلاف من الكلام المباح من دون حساب أو عداد على الأثير. هؤلاء في حال صدمة أولية جراء قرار مصلحة الضرائب. البعض يتحسس جيبه، والآخر يتحسس سبل النجاة بحساباته البنكية. ويقبع فريق ثالث يضرب أخماساً في أسداس حول معنى القرار وانعكاساته على صنعته في مجال الكلام.

كلام مهم أدلى به رئيس مصلحة الضرائب المصرية رضا عبدالقادر جاء فيه، "إن وزارة المالية تتابع عمل مصلحة الضرائب عن كثب والتأكد من أنها تبذل كل ما لديها من جهد لتحقيق العدالة الضريبية، وذلك عبر حصر المجتمع الضريبي بشكل أكثر دقة، لا سيما التعاملات التي تتم عبر المنصات الإلكترونية، وتحديد من يقوم بها لضم الاقتصاد غير الرسمي للمنظومة الرسمية، واستيفاء حقوق الخزانة العامة للدولة". وأضاف كلاماً آخر لم يطمئن مجتمع المؤثرين والمؤثرات من أصحاب التخصص الكلامي ممن يضخون محتوى ثرياً من حيث الكم على الأقل، بل تسبب لهم في مزيد من القلق، فقد أشار إلى الدور العظيم الذي تقوم به وحدة التجارة الإلكترونية في المصلحة بحصر ومتابعة وتسجيل الشركات التى تمارس نشاط التجارة من خلال المواقع الإلكترونية. ومضى شارحاً المقصود بالتجارة الإلكترونية، فهي "صورة مستحدثة من التسويق والبيع فرضتها المتغيرات فى تكنولوجيا الاتصالات والتواصل الجديدة، توسع الاعتماد عليها بشكل غير مسبوق عالميا بسبب جائحة كوفيد -19".

المؤثرون تحت طائلة القرار

جموع المؤثرين والمؤثرات من صانعي الكلام والصور والفيديوهات المروجة لمطاعم ومقاهي ومنتجات وجدوا أنفسهم تحت طائلة القرار الجديد، ومعهم أقرانهم من العاملين في فضاء أوسع، ألا وهو الكلام والتصوير والتحميل في أي وكل شيء في محاولة لتحقيق قاعدة ماتبعة كبيرة، وبقدر الكبر تتحقق المكاسب. مكاسب الـ "بلوغرز" والـ "يوتيوبرز" ذكرت صراحة ومباشرة في حديث عبدالقادر، "فالأفراد الذين يقومون بنشاط صنع المحتوى عليهم التوجه للمأمورية الواقع فى نطاقها المقر الرئيس للنشاط (دخل) لفتح ملف ضريبى للتسجيل بمأمورية الضريبة على الدخل".                                    

عويل ونحيب

عويل ونحيب وتنديد وبكاء على لبن الكلام ذي العائد المسكوب عمت أرجاء الفضاء العنكبوتي. الغالبية المطلقة من صناع المحتوى على أثير العنكبوت تعيش أسوأ وأكثر أيام حياتها العملية بؤساً، فالأرباح المتراوحة بين بضعة مئات وملايين صارت في مهب الريح، وضلوع الدولة أو كما يسميها البعض "دس أنف الحكومة" في أرباح الأفراد ليس النهاية، بل بداية وضع كلمة النهاية أمام هذا المجال غير المقيد لصناعة المحتوى. وكالعادة تضاربت الآراء والمواقف. البعض أضرم نيراناً غاضبة على الأثير حيث "الحكومة ظالمة" و"لا ترحم أو تترك رحمة ربنا تنزل"، والآخر دعا إلى التمهل والتيقن من طبيعة القرار والنسب المقررة. فريق ثالث وهو في أغلبه من متلقي المحتوى وليس صانعوه، رأى أن هذه الخطوة جيدة في طريق ضبط رداءة المحتوى وربط مستوى جودته عبر الجيب وليس عبر مناشدة الضمير ومخاطبة السلوك. فريق رابع اعتبر الخطوة ضربة جديدة لجموع العاطلين والعاطلات من العمل ممن وجدوا في الكلام وأثير العنكبوت وجموع المتلقين من دون قيود وسيلة للخروج من دوامة الفقر وقلة الفرص.

فرصة تحصيل ذهبية

فرصة مصلحة الضرائب في تحصيل إيرادات جيدة عبر نبش أغوار الكلام وأثير العنكبوت ذهبية، ووزارة المالية تطمح إلى تحصيل نحو 983 مليار جنيه مصري (626 مليون دولار) بحسب بيانات الوزارة لموازنة العام المالي 2021 - 2022 في مقابل 830.8 مليار جنيه (528 مليون دولار) متوقعة للعام الحالي. وعلى الرغم من أن وضع قيود أو فرض ضرائب على صناع المحتوى الكلامي والمرئي على أثير الإنترنت ليس سابقة من نوعها، إلا أنه في مصر أدى إلى فورة كلامية واقعية وافتراضية رهيبة. هناك دول تجبر المؤثرين على استخراج رخص ممارسة عمل، وأخرى تفرض عليهم ضرائب في حال حققت مقاطعهم مردودات عملية مربحة،  لكن الوضع في مصر والجدل الشعبي ونبذ التنظيم وعدم الثقة في التطبيق ومتلازمة الخوف من عبارة "مصلحة الضرائب" والعرف الشعبي القائم على "تحقيق المصلحة" (كسب المال) بعيداً من أعين الدولة يجعله متفرداً مختلفاً عما سواه.

المرة القادمة التي تقف فيها "منة" تستعرض أزياء البوتيك الذي فتح في أول الشارع، أو تتخذ "زينة" من مدخل بيتها موقعاً لعرض أحدث خطوط ربطة الطرحة، أو تنقل "أم نور" موقد مطبخها إلى حضن سريرها، أو يسارع حسين إلى هاتفه المحمول ما إن يفتح عينيه في الصباح ليوثق عملية استيقاظه وزوجته لقاعدة متباعيهما، أو تستنجد "حسناء" من غضب زوجها، أو يناشد "حازم" متابعيه التبرع لحسابه باعتباره مريض سرطان وهو ليس كذلك، أو يخبر "تامر" متابعيه بأنه سينتحر على الهواء مباشرة في الساعة الخامسة من يوم الجمعة المقبل، سيفكرون مرتين ويحسبونها بالورقة والقلم، إذ ربما يكون بث المحتوى أقل مكسباً من عدم بثه، بحسب ما ستقرره مصلحة الضرائب وقاعدة المشاهدة وسعر الكلام.