Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كمال أبو ديب يرثي بابل الجديدة مستعيدا خراب التاريخ

"معلّقة الأضداد" إعادة صياغة لملحمة شعرية كتبها في السبعينيات

كمال أبو ديب بين الشعر والنقد (صفحة الكاتب على فيسبوك)

ينطلق الشاعر والناقد كمال أبو ديب في "معلّقة الأضداد: مرثيّة لبابل الأصوات"، فكريًّا وأدبيًّا، من منابع عدّة، ومفهومات شتّى، أساسُها الوعيُ التاريخيّ الجديد للعالَم والكون، وعي معمّق متقدّم (بل تقدّميّ) للتاريخ وما جرى- ويجري فيه، عبر آلاف السّنوات من الحضارة ونقيضها الخراب. ومن هذا المنطلق، فهو يكتب نصًّا/ نصوصًا ذات منحى تجريبيّ ينطوي على قدر من المغامرة، إنْ على صعيد البِنية، أم على مستوى اللغة، حيث ينبغي أن يقف القارئ شديد الانتباه لكلّ عبارة.

ففي "معلّقته" الصادرة حديثا عن دار فضاءات (عمّان) هذه، ذات الأبعاد المتضادّة، يختصر الشّاعرُ جانبًا من جوانب الأمر الشّعريَّ للمعلّقة، في مقولة شديدة الكثافة والدّلالات، وذات طابعٍ شِعريّ روحانيّ وثوريّ في آن واحد، كما في قوله "أنا الضَّوءُ، أنا الطريق: I am the light and the way". وهو يكتبها باللغات/ بالأصوات: اليونانيّة والفارسيّة والتركيّة والفرنسيّة... وهكذا تتعدّد أبعاد النصّ فتُطاوِل "الكونيّة".

هكذا، في قصيدة ما بين المُعلّقة والملحمة، مقطّعة إلى ستٍّ وعشرين مقطوعةً، تتوزّع على مشاهدات وتأمّلات وما يشبه "عادة كتابة لمحطّات من التّاريخ العربيّ والإسلاميّ والعالميّ، وتستوعب الأغنيات (أمّ كلثوم، فيروز)، والمقطوعات الموسيقيّة العالميّة (من باخ، مكتوبة بالنوتات)، والشعر العربيّ القديم والحديث، وعناوين بارزة؛ مثل "صوتٌ نديٌّ عاشقٌ" (مستعار من أدونيس)، و "صوتٌ نديٌّ عاشقٌ آخر" (من محمود درويش)، وأحمد دحبور وسواهم. ولوحات فنيّة عالميّة (بيكاسو مثلًا)، وغير ذلك ممّا يؤكد تداخل الفنون الإبداعيّة. تداخل التشكيل البصري والسّمعيّ والحسيّ: رسوم يدويّة ولوحة فنية وكتابة باليد وأرقام وزخرفة ونوتات موسيقية. "أمس رسمت قصيدة الصمت" يقول، فالقصيدة تُرسم بالسيمفونية الأولى للموسيقي ماهلر، من التشكيل بالألوان والخطوط إلى التشكيل الموسيقي المرئيّ من خلال نوتة المسموع.

من هذا كلّه، وغيره، تتشكّل المعلّقة بروحها "الملحميّة"، وبنسائم دافئة من الغنائيّة. فما هذه القصيدة التي كُتبت في العام 1972، ونشرها أدونيس في مجلّة "مواقف"، فأثارت خلافًا بين مؤيّد ومُعارِض، ف"نفَرَ منها بعضُ روّاد الحداثة الكبار بوصفها إغراقًا في التجاوز والمغامرة من قبَل جيل شابّ، فيما اعتبرها آخرون بِشارةً بمستقبل مغاير للشعر الحداثيّ العربيّ"، كما يورد أبو ديب في "فاتحات" الكتاب.

من حيثيّات "المعلّقة"

يعود أبو ديب بقصيدته هذه إلى زمن كتابتها ونشرها، عودة الشاعر والناقد معًا، وباستعادتها اليوم، بنسختَيها البعيدتَين عنّا زمنًا، حيث النصّ الذي "يظنّ" أبو ديب أنه الأصليّ الذي أرسله لأدونيس، ويوضح "أقول أظنّ لأنّ الأصل قد ضاع مع ما ضاع من أوراقي في ظروف من القمع العربيّ لا أودّ العودة الآنَ إلى بعث مأساة أيامها"، ثمّ النصّ الذي نشره أدونيس، في "مواقف"، أي "الصيغة التي كثّفها بها أدونيس"، ويقول أبو ديب عنها: "لقد أسعدني أنّ أدونيس منَحَ القصيدة من وقته الثمين قدرًا كبيرًا، فقام بتوزيع أسطر النصّ ومقاطعه توزيعًا جميلًا مُكثَّفًا قلَّص به عدد الصفحات إلى 37 صفحة، ومنح القصيدة إيقاعًا وبنية ولهجة مغايرة للصيغة التي كنت قد شكّلتها بها. وما بين الصّيغتين يبرز كمال أبو ديب الناقد الذي يعيد "تقويم" قصيدة قديمة له.

وبالنسبة إلى "أبو ديب"، فالقصيدة/ المعلّقة تجسّد "رؤيا جذرية معقّدة للعالم الذي نعيش فيه، لـ"بابل" التي تنزرع في الروح، وتحقن العروق بنسغها الآثِم/ المُضيء. رؤيا مأسويّة تستبطنها نبوءة قاتمة متعاضلة ملتبسة". ويقول أبو ديب إنه ترك القصيدة خمسين عامًا تقريبًا، وحين عاد إليها وقرأها من جديد رأى فيها " رغبة تُشعل الحرائقَ في حياتنا"، وأحسّ فيها "نبضَ الوجود الذي نعيشه الآن، وروحَ التناقضات التي تمزّق عالمنا، وهُما النبض ذاته الذي كنتُ أتحسّسه، والرّوح عينها التي كانت تتلوّى في الأعراق، حين كتبتُها قبل خمسين عامًا...". وبالنسبة إليه أيضًا، فما يدعوه لنشرها مجدَّدًا هو كونها "تنتمي إلى الحاضر والمستقبل بقدر ما تنتمي إلى الماضي".

وفي تبرير نشره النسختين معًا، يكتب أبو ديب (عبر الناقد الذي فيه) عن "بُعد هامّ جديد للتأمّل في بنية النصوص الإبداعيّة، وفي علاقة النصّ في تشكيله اللغويّ، وتوزيع أسطره وجُمَله ومقاطعه، بمنابع الإبداع تحتَ الواعية والواعية، وبالسّؤال الدّائب المعجِز: ما هو الشّعر؟ وبما يتفرع عنه من مثل: ما هي الشّعريّة؟ وما الفرق بين الشّعر والنّثر؟ وبين اللغة الشّعريّة واللغة السرديّة...". ولكنّه لم يتطرّق إلى سؤال "ما الشّعر العظيم؟" الذي سبق للناقد الفلسطينيّ العميق الرّاحل يوسف سامي اليوسف أن طرحه في كتاب شهير له حمل العنوان/ السّؤال نفسه.

وممّا يرجوه أبو ديب، أن تجد القارئ/ة، في ما فعله بهذه "المعلّقة" ما يسوّغ "المُجازَفات" التي يقوم بها بين آن وآن، في بعض ما يكتبه "لا في الشعر وحده، بل في النقد والمقالة والرّواية والمسرح أيضًا". وفي ما يشبه اللغز الشعريّ وغموضه، يختم "الفاتحات" التي كتبها في أوكسفورد، في زمن الكورونا 2020، بسطرين: "وإنْ لَمْ/ فليكُنْ!".

صناعة التّاريخ

يقول أبو ديب الشاعر إنّ "التاريخ يُصنَعُ ولا يُستَجدَى"، وبهذا فنحن في معلّقته حيال عمل إبداعيّ ينهضُ بعملية "صناعة التاريخ"، تاريخ مدينة "بابل" ورثائها عبر إعادة صياغة صوَر من حضارتها، بل حضاراتها المتعاقبة بشعوبٍ وأديانٍ وحروب لا تنتهي، لكنّها تتواصل مع صوَر من الرّاهن العربيّ الممزّق المشرذَم، والعالَمي القائم على القهر والسلب والهيمنة، وكأنّ التاريخَ حلقات تتكرّر، ودوائر تتدحرج، فيما الإنسان يخضع لقوانين بلا أي منطق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نحن هنا، إذن، حيال زخم تاريخي وثوري وشعبي وذاكرة تحتشد بحوادث التاريخ القديم والحديث. هو شعر بروح النثر، ونثر بروح الشّعر، في فضاء يجسّد الثّالوث المحرّم: يمزج الدينيّ بالسياسيّ مع الجنسيّ. ومزيج من الأمكنة والأزمنة، تبرز المُشترك والمتكرّر العابر للتاريخ الذي تُعاد قراءته وصياغته. كلّها تأتي في صياغات شِعريّة متينة، معزّزة بهوامش وأسماء ورسومات بالخطوط واللغة وتعدّد الوجوه:

"بابلٌ. هذا اسمُكِ. هذه هويّتُكِ في الرّياحْ. وأرى اسمكِ في ألسنتكِ الممتدّة المتشاجرة كالدّوالي. أعرف اسمك خلال القرون. بابل. هويّتكِ وتاريخكِ وباطنُ رحِمكِ! الرغبة في التجدّد والتجديد. أودّ لو ألتفُّ كالأخطبوط حول وجوهكِ الألف، وأفرز فيك لوثة انكساري، تمزُّق الألوان الحاقدة في دمي. ثمّ أنفجر بكِ فنتطاير معًا، تتحوّلين هيولى سديميّة طريّة. لعلّكِ تُصهَرين من جديد، بغَضبة محمّدٍ غضٍّ، بسورة جديدة، ببُركان دمٍ حارٍّ".

الماضي والرّاهن في النصّ

ومن بين مشاهداته، تبرز للقارئ طبقات وشرائح وبيئات كثيرة متعددة ومتنوّعة، والأهمّ أنّها غالبًا ما تكون متضادّة: "لا أرى غير المكعّبات والمثلّثات والمستطيلات. أرى الرّمالَ والثلوج وآبار البترول وغابات الحُور والصّنوبر والأرز، أفخاذ السيّدات المُستديرات في قصور أبي رمّانة والزّمالك والحمراء وبيوت الدِّبش في حواكير الضَّيعة". ومن بين الصوَر المعبّرة عن رؤية الشاعر إلى العالم الجديد، تبرز الوجوه "عائدةً كالقطيع إلى قطارات الخامسة والنصف تعجُّ بألف لونٍ وخطٍّ ومقياس".  

وهو بارع في التقاط نقاط وحوادث بالغة الدلالة، فهو الرّائي بعينين ذكيّتين ووِجدانيّتين لما جرى في الماضي، زمن الخلافة، حيث ثمّة "كلمات من ذهب على باب قرب الأبراج الحُمر: هُنا تُنقّى الجلود/ وتُغسل الجماجم/ في مَطهَر الخليفة/ من كلّ رِجسٍ بها/ ويُملأ الفضاء بالمكارم". وحيث كان الشعرُ والشاعر في مشاهد مروّعة، فنرى المعرّي "يُجذبُ من ذقنه النّابتة، يُطْفأُ بخورُه ". فيقول المعرّي: "لكنّني بلا عيونْ/ والأرضُ يزحف عليها الأطفال كالدّودْ/ جائعين عراةً/ وأديمُها أجسادُ العابرين". 

المزيد من ثقافة