Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نزيه أبو عفش يكتب يوميات شعرية في "صوت الدموع"

كيف يمكن الشعر الذي يقوم على الصورة والمجاز أن يتحول إلى خطاب سردي؟

الشاعر السوري نزيه أبو عفش (دار التكوين)

منذ العتبات الأولى، يخلع الشاعر نزيه أبو عفش على ديوانه "صوت الدموع" الصادر عن دار التكوين - دمشق   صفة "يوميات"، من دون أن يعير اهتماماً للحدود التي تفصل بين الأجناس والأنواع، متعمداً استخدام مصطلح هو بمجال النثر أوثق صلة.

عن استخدام الشاعر لهذا المصطلح، تتولد أسئلة كثيرة لعل أهمها: كيف يمكن أن يتحوّل الشعر إلى "يوميّات" أي إلى مجموعة من الخواطر والانطباعات يدوّنها الشاعر يوماً بيوم؟ وكيف يمكن للشعر الذي يقوم على الصورة والمجاز أن يتحوّل إلى خطاب سردي يروي الوقائع والأحداث، مستدعياً من اللفظ أقربه، ومن الأساليب أكثرها جرياناً على الألسن؟

ثم هل يمكن للشعر أن يفي بقوانين اليوميات ومبادئها؟ ولماذا لم يعمد الشاعر إلى كتابة يومياته نثراً، فهي بهذا الجنس أمسّ رحماً؟

إن المتأمل في هذا الديوان يلحظ أن الشاعر استخدم هذا المصطلح في سياق جديد مختلف. اليوميات هنا ذات طبيعة شعرية، وجدانية، يدوّن الشاعر خلالها تاريخ الروح، ويكتب خطابها الحزين الممضّ مستبقياً من اليوميات التقليدية تدوين تاريخ الكتابة يسجله في أواخر القصائد، تماماً مثلما يفعل كُتاب اليوميات.

القصيدة الأولى كتبها الشاعر في 24/03/2013، أما القصيدة الأخيرة فكتبها في 16/03/2016، أي إن الشاعر استمر في كتابة هذه اليوميات الشعرية ما يقارب ثلاثة أعوام، حاول خلالها رسم الروح في أحوالها المختلفة وربما المتناقضة المتباينة.

لا شك في أن ديوان نزيه أبو عفش الجديد يثير الكثير من الأسئلة، بعضها موصول بدلالاته وبعضها موصول  ببنيته. فأبو عفش يكتب خارج السنن الشعرية، أي ظلّ يكتب خارج كل ما استتب واستقر من أساليب وطرائق تصريف القول، فالشعر عنده خروج مستمر من الأماكن الآهلة واستقرار دائم في الربوع الخالية.

في دلالة العنوان

العنوان، "صوت الدموع"، هو الديوان مكثفاً كما يقول الإنشائيون، هو المعنى الرئيس الذي تدور عليه القصائد  في اللفظ الأقلّ. نبرة الحزن وربما التفجع التي أفصح عنها العنوان هي إيقاع متواتر في كل قصائد المجموعة، فالموت يبسط جناحيه على كل الصور والرموز. يكفي أن نستعرض بعض عناوين القصائد حتى نتأكد من حضوره الغامر: الموت فيّ، واصل موتك، ما أوحش هذا المأتم، وعد القاتل، يتيمة الأرض، سباق العدم...

إن "الموت" هو مولّد الدلالات في هذه المجموعة، منه تتحدّر الصور، يأخذ بعضها برقاب بعض في ضرب من التداعي الذي لا يردّ. هذه الصور قد تتبدّى للوهلة الأولى في حال فوضى لا ينتظمها خيط يشدّ مفترقها، ويجمع مختلفها، فبعضها يخاطب جارحة النظر، وبعضها يخاطب جارحة السمع، وبعضها يخاطب جوارح في الإنسان ألطف. غير أن هذه الصور تظل على اختلاف ألوانها، وتباين أطيافها، منشدّة إلى دلالة واحدة هي دلالة "الموت"، لكأن الشعر لا يبدأ إلا حين تختفي الأشياء وتذوب ولا تترك خلفها غير ذكرى رائحة، غير ذكرى صوت بعيد. ففي هذه اللحظة ينهض الشعر ليقاوم النسيان، ويعزز ملكة التذكّر وليرسي كينونة الإنسان الداثر أمام كل ما هو متغير.

الشعر والزمن

كل قصائد نزيه أبو عفش تهجس بهذه الدلالة، دلالة الفناء والبلى. كأن هذه القصائد هي الشهادة على الزمن يجرف كل الأشياء، لكأنها الشهادة على الشعر يقاوم ذلك الزمن، يمسكه من قرنَيه ويمعن في منازلته. وتتجلّى هذه الدلالة أقوى ما تتجلّى في قصائد الشاعر الأخيرة. هذه القصائد أفصحت عما ظلّ في المجاميع السابقة مضمراً خفيّاً مستتراً. إن الشعر في هذه القصائد لا يخبر عن العالم وإنما يختبره، يكشف عنه، يمسك به. فوظيفة الشعر، في هذه القصائد تتمثّل في إحكام قبضة اللغة على الوجود، في احتوائه وامتلاكه.

لقد اختفت في هذه القصائد أطياف الرؤية الرسولية التي تحكّمت في الشعر الحديث، ووجّهت صوره ومجمل رموزه. ومن خصائص هذه الرؤية أنها تعدّ الشاعر إنساناً مخصوصاً برسالة، يمضي مبشراً بنبوّته، مفتوناً بالموت يتوّج تمرّده وقامت مقامها رسالة أخرى تقول: "إنه لا يمكن الانتصار على الموت أو تجاهل نداء الحياة". كل ما يحيط بالشاعر يرشح بمعاني الموت،  لكن الشاعر يستنفر كل طاقات اللغة ليواجه هذا الموت بأكثر من حياة أي بأكثر من قصيدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على هذا، بات الشعر حيلة الشاعر حتى يحتمي من الموت، ويرجيء تحلّل الأشياء وتفسّخها. فالكتابة هي الدرع الباقية يحملها الشاعر تردّ عنه عوادي الزمن، هي حجّته الأخيرة على إمكان البقاء، على إمكان المقاومة. غير أن هذا النفس الرواقي لا يخفي عنّا حقيقة أن الشاعر لم يعُد يبصر فعل الزمن في الأشياء والكائنات من حوله وإنما أصبح يبصره فيه في الجسد والحواس. في هذا السياق، يصبح الشعر ضرباً من الاستدراك على الزمن والزوال والبلى. ففعل الكتابة هو، في جوهره، فعل وجود، عن طريقه لا يفتأ الإنسان يبتكر ذاته، ويبتكر العالم من حوله ومن ثم فهو نفي للموت، واستبصار في مطلق الوجود. كالحياة تماماً مثَّل الموت أحد ينابيع الشعر القصيّة وأصلاً مكيناً من أصوله البعيدة، بل ربما بدا في أعمال نزيه أبو عفش الملهم الأول.

إن نزيه أبو عفش وهو يستدعي سؤال الموت يحيل عن وعي منه أو عن غير وعي على الكثير من النصوص التي احتضنت هذا السؤال يبثّ فيها الحياة وينفخ فيها الروح، يخرجها من صدفة صمتها ويدفعها إلى الكلام من جديد: نصوص الكتاب المقدس، شذرات  الفلاسفة،  القصائد الجاهلية، بحيث تصبح قراءة أبو عفش صعوداً إلى الينابيع، أي عوداً إلى التراث الإنساني وإلى أسئلته الوجودية الكبرى.

لغة الديوان

لكن ما نريد أن نلحّ عليه أن القصائد في هذا الديوان لا تلفت انتباهنا إلى ما تنطوي عليه من أفكار أو تنقله من تجارب أو تعرضه من مكابدات أو تحمله من معانٍ فحسب، وإنما تلفت انتباهنا إلى حضورها الذاتي، لأصواتها، لظلالها الرمزية والاستعارية. أي إن الشعر هنا لا ينهض بوظيفة الإفصاح عن التجربة فحسب وإنما يعمد إلى استجلاء الطاقات الكامنة في اللغة، إلى دفعها إلى أقصى ممكناتها، إلى تجديد فعل الخلق الإبداعي باستمرار.

قصائد أبو عفش هي قبل ذلك كله أسلوب في إجراء الكلام يتّسم بالجدّة والنضارة، طريقة في إخراج اللغة من وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة إنشائية تشدّ القارئ إليها قبل أن تشدّه إلى شيء آخر. فمدار الأمر والغاية التي يجري إليها الشاعر هي إثارة دهشة المتقبّل، دفعه إلى استعادة الإحساس بالحياة... فالألفة، كما يقول الشكلانيون الروس، تلتهم الأشياء حولنا فيخبو نورها شيئاً فشيئاً وتفقد، من أثر تكرار بعد تكرار، حضورها. الشعر وحده هو الذي يعيد إلى تلك الأشياء توهّجها وقوّتها. بل ربما أضفى عليها غموضاً لتصبح غريبة على قربها، ملتبسة على وضوحها.

المزيد من ثقافة