Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبد المنعم رمضان شاعر الغنائية التراجيدية واقعا وحلما

"الهائم في البرية" ديوان القصيدة التفعيلية المتطورة والصور المجازية الطالعة من الأعماق

لوحة للرسام المصري آدم حنين (الخدمة الإعلامية لمتحف حنين)

يُعدّ الشاعر عبدالمنعم رمضان أحد الأصوات البارزة في جيل السبعينيات، هذا الجيل الذي انقسم إلى جماعتين؛ هما "إضاءة" و"أصوات"، والأخيرة كان رمضان أبرز ممثليها مع أحمد طه وعبد المقصود عبد الكريم.

وشعرية السبعينيات – إجمالاً – تقوم على رؤى مختلفة حول الشعر مايَزت بينهم وبين الأجيال السابقة. والحق أن عبدالمنعم رمضان ظلَّ مخلصاً لصوته الشعري ولم يجنح – مثل حلمي سالم وأمجد ريان مثلاً – إلى التجريب واجتراح أساليب مختلفة عما بدأ به. وآية ذلك تمسكه بقصيدة التفعيلة والحضور الكثيف للمجاز والصور المبتكرة والخيال المفارق. ومن هنا تأتي الاستعارة الأولى المتبدية في عنوان ديوانه الأحدث؛ "الهائم في البريَّة" (دار العين- القاهرة) متمثلة في وصف نفسه بـ "الهائم"، وقد وصف القرآن الكريم، الشعراء بأنهم في كل واد يهيمون، بمعنى أنهم يقتحمون – بخيالهم – كل ما هو مسكوت عنه.

الهائم إذاً هو الشاعر نفسه، وهذا ما يوضحه عبد المنعم رمضان في قصيدة "كأنه الطريق"؛ حين يقول "كان ملاكٌ يسألني: من أنت؟ فلا أتكلم، ويسأل كيف تهيم وكيف تهام فلا أتكلم". هذا الملاك الذي يختبر الشاعر الساعي إلى الجنَّة التي ما زالت تتخايل أبعد من أقدامه، يقرر أن الشاعر يهيم، لكنه يتساءل فحسب حول الكيفية، ربما لتعدد دلالات الفعل "هامَ" الذي يعني شدة العطش وشدة العشق والخروج بلا وجهة محددة والتحير في الأمر.

معرفة تقريبية

لا شك في أن كل هذا يجعل المعرفة الشعرية تقريبية، وليس أدل على ذلك من أن الشاعر يتحدث عن نفسه وعن الطريق والوصول بصورة تشبيهية تقارب المعنى من دون أن تحسمه في قصائد "كأنه أنا"، و"كأنه الطريق"، و"كأنه الوصول". يقول في القصيدة الثانية: "صرتُ كأني أخرج من قفص التوت البري. وصار جدار الغرفة أملس. رنوتُ كأني معشوق، كنتُ أحس كأن العاشق خلف جدار الغرفة يرمقني، وأحس كأن أصابعه تمتد إلى إقليمي الضائع مني".

في هذه السطور القليلة تتكرر أداة التشبيه التقريبة – "كأن" - أربع مرات. هذه المعرفة التقريبية تستدعي اللجوء إلى الأحلام والرؤى، كما يبدو في قوله: "لا أستيقظ، ألبس أحلامي ورؤاي وأمشي وحدي". والحق أن تيمة "الحلم" هي أكثر التيمات دوراناً؛ حيث يتضمن الديوان ثلاث قصائد تحت عنوان "حلم"، بالإضافة إلى قصيدة "حلم في منتصف الليل"، وقصيدة "النوم قريباً من حلمين على النافذة". ورمضان يستحضر هذه الأحلام بالأغنية – أو لنقل بالشعر – فهو يطيل أغنيته كي يخدع الوقت أو يحايله ويستعيد أرضه التي ضاعت لكنه – في النهاية – يسقط في "كهف"، ليست فيه "أغنية لصوت ما، بلا مأوى، لصوت ما بلا أسلاف".

لقد فقدت الأغنية مأواها وجذورها – أسلافها – مهما حاول الشاعر أن يشد الروح من قلبه إلى صوته، ومن صوته إلى عينيه. لكن كل ذلك لا يعني تخليه عن حلمه/ أغنيته. ولتأكيد هذا المعنى يلجأ إلى تكرار الفعل "أشتهي" في افتتاحيات سطور قصيدة "حلم في منتصف الليل" أربع مرات؛ ما يدل على تمسكه بهذه الأحلام البعيدة التي تراوده.

درامية القصيدة

إن درامية قصيدة عبدالمنعم رمضان تعود إلى ذلك الصراع الدائم بين الحلم والواقع أو بين الحلم والكابوس وبين الحقيقة والسراب. ومن هنا تشيع الدلالات المعبرة عن هذا الواقع الكابوسى النقيض. وعلى عادة الشاعر، نراه يكرر دلالة الكابوس في ثلاث عناوين: "تحذير من الكابوس"، و"تحذير آخر من الكابوس"، و"الكابوس"، وتحت العنوان الأخير نقرأ: "هذه ليست بلادي. الرجال الجوف والعسكر، والأطفال مثل حقائب الأحزان، والشمس التي تذبل بعد الفجر، والصمت المريض"، حيث يتمثل الكابوس في التحولات التراجيدية للبلاد المزدحمة بالرجال الجوف والعسكر وتحول الأطفال إلى حقائب أحزان، وذبول الشمس ومرض الصمت. وهي حالة تفضي إلى الهاوية وتتجاوب مع صور الموت المتعددة على نحو ما يظهر في "باب الغيبة" التي يشخص فيها الموت قائلاً "يا أيها الموتُ الذي أراه كلَّ ليلة، يدق باب غرفتي وعندما أفيق، عندما أهب مثل الخوف، يكتفي بأن أحس بالترانيم التي تجعله نشوان".

بل إن الشاعر لا يرى الموت حوله أو أمامه فحسب، بل يراه داخله في "بشرته القديمة المسنونة الحواف"، وهناك ما يمكن تسميته بتكرار المترادفات، فالموت الذي رأيناه سابقاً والكهف الذي أشرنا إليه يتحولان إلى أشباح تدق الباب، وسرداب عميق؛ يقول "الليل معي في الغرفة، والأشباح تدق الباب، ووحدي أبحث عن عائلة، كنتُ هنالك في السرداب، وكانت أمي واقفة كالظل، وكان النور بعيداً عن أقدام أبي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

افتقاد العائلة

إننا – حقيقةً – أمام جو شبحي تبدو فيه الأم كالظل ويبدو الأب مغموراً في الظلمة، ومع ذلك يظل الشاعر باحثاً عن عائلته حتى يدركه الموت "اتبعت أبي وأمي، وأوشكتُ أن أصل إلى آخر أحفادي، لولا أن أحدهم أوقفني، وشدَّني إلى مقبرتي". وافتقاد العائلة لا يعني سوى الوحدة التي تتكرر في قصيدتين هما "أموت وحدي"، و"أحاول وحدي". وهي وحدة يشتهيها الشاعر: "أشتهي أن أكون وحيداً، وحيداً على حافة النور أو حافة الكائنات". ويظل السفر إلى أحلامه هو الطريق المتاح للخروج من هذه الكوابيس وعوالم الموت؛ كما في قصيدة "نشيد وطني" التي يهديها إلى توفيق الصايغ: "ومازال آخر حلم يراودني، أن أكون المسافر وحدي إلى وطن كان يشبه أمي".

وإذا كنا قد أشرنا إلى التكرار على مستوى الكلمة، فإن الشاعر يتوسع في الأمر حين يكرر ثلاثة سطور في بداية قصيدة "كأنه الطريق"، وفي ختامها، كما يجمع بين اللغة الشعرية متعددة الدلالات واللغة التداولية وبين الأسلوب المباشر والصور الفانتازية: "ورأيتُ نافذتين، تمتدان من باب المقطم حتى ساحة التحرير"، والتوحيد بين مينا دانيال؛ شهيد ثورة يناير، ومينا موحد القطرين، وتوظيف البنية السردية في "يفر الجميع من أمام النار"، و"قيامة ناريمان".

المزيد من ثقافة