رمضان في المغرب... جدلية الإفطار العلني

من يريد ممارسة حريته فذلك شأنه لكن عليه أن يحترم الآخرين

محمد اوجار وزير العدل المغربي: "مفهوم الحرية الفردية يجب أن يحترم نظام المجتمع" (اندبندنت عربية)

كما كل عام مع حلول شهر رمضان المبارك، يعود الجدل حول الحق في الإفطار العلني في المغرب. فبينما يجرم القانون الجنائي المغربي الإفطار العلني من دون سبب شرعي، تعتبر بعض الجماعات أن أمر إفطار رمضان يدخل في إطار الحرية الشخصية، في حين يرى بعض المحافظين أن الأمر من شأنه زعزعة عقيدة الآخرين.

في السنوات الأخيرة نظمت بعض الجماعات إفطارات جماعية في شوارع بعض المدن المغربية، خلال شهر رمضان، وليجري بعد ذلك متابعتهم قضائياً من قبل السلطات. كما أطلقت حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو الى الحق في الإفطار خلال رمضان مثل مجموعة "ماصايمينش" (لن نصوم) على الفيسبوك، وشعار "الإفطار ليس جريمة" على "تويتر".

مطلب إلغاء الفصل 222

يطالب المدافعون عن الإفطار العلني الى إلغاء الفصل 222 من القانون الجنائي المغربي، الذي ينص على التالي "كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، وتجاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، من دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر، وغرامة من 12 إلى 120 درهماً".

ومنذ سنوات، تطالب بعض المجموعات والجمعيات منها جمعية "أقليات" لمناهضة التجريم والتمييز ضد الأقليات الجنسية والدينية، بإلغاء الفصل 222 من القانون الجنائي، بدعوى أن "الأمر يتعلق باحترام الحرية الشخصية"، وتدعو الجمعية الحكومة إلى ملائمة كل التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات والمعاهدات التي تحمي الحرية الفردية للأشخاص، والتي صادق عليها المغرب.

من جهته، اعتبر محمد أوجار وزير العدل، في وقت سابق، أن مفهوم الحرية الفردية يجب أن يحترم نظام المجتمع قائلاً "من يُريد أن يفطر في رمضان فذلك شأنه مع الله، ولكن لا يجب أن يستفز مشاعر الناس، ومن يريد ممارسة حريته فذلك شأنه، لكن عليه أن يحترم الآخرين، فلكل الحق في حياته الخاصة، وأن يفعل ما يشاء، فقط يجب احترام الآخرين، لأننا في النهاية أمام ممارسات لا تحظى بإجماع المجتمع".

احترام النظام العام

لاحظ الباحث القانوني نوفل الإدريسي "أن الفصل 222 جُوبِه بانتقادات عنيفة عدة، من قبل من يعتبر انها تتعارض مع الحرية الفردية والحق في التعبير عن المعتقد وضرب حقوق الأقليات، إلا أن هذه الانتقادات لا تجد لها أساساً من الصحة، وهذا ما جعل المشرع يستبعدها وكجواب عنها رفع العقوبة". وتابع "فالحرية الفردية تعني ممارسة الحقوق المخولة لشخص في احترام للنظام العام والأخلاق العامة، فإذا كان السلوك تحت درجة النظام العام، فهذا لا يعني حرية فردية بل هو اعتداء على حقوق الآخرين".

وأضاف "أما القول أيضاً بعدم احترام حقوق الأقليات وباقي الاعتقادات، فلا أساس له من الصحة، فالنص يطبق على من عرف عليه الإسلام ويريد الإفطار العلني لزعزعة عقيدة المسلمين وخلق الفتنة، لهذا كان من الضروري الضرب على أيدي المخالفين ومعاقبتهم، وإذا تصورنا غياب هذا النص الجنائي الرادع، فرد فعل المجتمع وقضاة الشارع سيكون عنيفاً وقوياً، وسيعود بنا ذلك إلى العصور الغابرة، لهذا السبب وفّق المشرع بين حماية الشعور العام والحرية الفردية، فجعل الإفطار في مكان عمومي جريمة من دون غيره".

فصل صوري

أما الطالب الجامعي عبد الكريم فرأى أنه "ليس للفصل 222 أية أهمية على أرض الواقع كونه لا يطبق إلا نادراً، وينتهي بمتابعات قضائية مفتوحة لا تعرف للحكم النهائي سبيلاً، وإن طُبق أصلاً فالأحكام تكون رمزية بغرامات مالية تبدأ بـ 12 درهم أي ما يساوي 1.2 دولاراً، وأحكام سجنية موقوفة التنفيذ، يبقى المجتمع هو العائق الوحيد أمام الراغبين في الإفطار علناً، إن حذف الفصل من عدمه لن يغير من الواقع شيئاً، ولن يُخرج المفطرين للعلن ابداً".

حرية المعتقد

يُعارض حميد الهاشمي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة العالمية في لندن، فرض مثل تلك القيود التي تمنع الإفطار العلني، وذلك لأسباب منها أن "الإسلام قد ترك مساحة ومبررات للإفطار في رمضان (أمرأة حائض، نفساء، مريض، غير المسلم)، يضاف لهم من لا يلتزم بالفرائض، وكل هؤلاء موجودون في مجتمعاتنا التي تشهد تنوعاً ثقافياً ودينياً، ويتم تقبل كل هؤلاء في الفضاء العام والخاص، فلماذا لا نتقبل من هو في الشارع ونفترض له نفس الأعذار"، على حد تعبيره.

وأضاف "فرض هذه القناعات يُعتبر تعسفاً كبيراً وإخلالاً بالدين الإسلامي أيضاً، كما إنه يخل بحرية المعتقد وحقوق المواطنة خصوصاً بالنسبة لغير المسلمين، إن أكثر ما يجذب المرء الى دين ما، هو الرأفة والشفقة والتسامح وليس الشدة والغلظة تجاه المغاير وأصحاب القناعات المختلفة، فما بالك من كانت له أعذاره الخاصة".

أما مصطفى بن حمزة عضو المجلس العلمي الأعلى (مؤسسة حكومية تهتم بالتأطير الديني والإفتاء) فيقول إن "الأمر يتعلق بمجتمع مسلم له قناعة أن الصيام هو ركن من أركان الإسلام وليس نافلة، وحظي هذا الركن دائماً باحترام لافت في الذهنية المغربية، وأنه يمكن أن يُفطر في رمضان من له عذر، لكن عليه ألا يجاهر بذلك".