Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعض ما لم يكن العالم يعرفه عن ولي عهد النمسا فرانتز فرديناند

الأرشيدوق الصياد الذي أشعل مقتله أول حرب عالمية في التاريخ

رسم لعملية اغتيال ولي عهد النمسا (غيتي)

سؤال: ما القاسم المشترك بين أرشيدوق النمسا فرانتز فريناند والنجمة الهوليوودية شارون تيت؟ جواب: يتشابه مصير الاثنين في أن شهرة قاتليهما تفوق شهرة كل منهما أضعافاً مضاعفة. فغافريل برنسيب الصربي المتطرف الذي قتل أرشيدوق النمسا معروف منذ جريمته التي أطلقت الحرب العالمية الأولى أكثر بكثير مما هو معروف ذلك الأرشيدوق الشاب الذي أسقطته رصاصات المتطرف في سراييفو، تماماً كما أن تشارلز مانسون قاتل شارون تيت في دارتها الهوليوودية معروف أكثر كثيراً من تلك النجمة التي كانت يوم قتلها في عام 1969 حاملاً بابنها من زوجها المخرج رومان بولانسكي. كان ذلك قدر الاثنين. ولننه المقارنة هنا لأن موضوعنا هو محاولة استذكار الأرشيدوق والتعرف عليه خارج الجريمة التي أودت به وبالعالم من بعده.

صياد من طراز رفيع

طوال ما يقرب من القرن ظل عامة الناس لا يعرفون عن فرانتز فرديناند سوى أنه ولي عهد النمسا الذي اغتاله المجرم الصربي. لا أحد عرف شيئاً عن تاريخه ولا عن أفكاره وربما عن تفاصيل حياته الخاصة، وظلت الحال كذلك حتى عام 2012 حين صدر بالألمانية كتاب عنوانه "يوميات جولتي حول العالم" من تأليف فرانتز فرديناند، أي الأرشيدوق نفسه. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يصدر فيها هذا الكتاب الذي ظل مختفياً عشرات العقود. أو بالأحرى يصدر فيها نوع من تلخيص له. فهو كان يشغل في الأصل وبخط كاتبه نحو ألفي كراس لم يتناول فيها الأرشيدوق سوى عامين من مسيرة حياته هما العامان اللذان قام خلالهما بجولة حول العالم. لكنها لم تكن جولة عادية أو سلسلة من الزيارات الرسمية، بل جولة صيد بري ومائي وجوي. فالرجل كان صياداً من الطراز الأول، وصياداً يزعم بعض مؤرخي حياته أنه اصطاد خلال تلك الحياة ما لا يقل عن 275 ألف طريدة منها نحو خمسة آلاف غزال، لتكون زخة رصاص كافية لقتله عند نهاية تلك الحياة، وكأن برنسيب ثأر لكل تلك الحيوانات التي أرداها الأرشيدوق!

مطاردة الصيد حول العالم

في مقال نشرته مجلة "شبيغل" الألمانية لمناسبة صدور الكتاب، جاء أن الأرشيدوق كان مهووساً بالصيد لا يتورع عن ترك كل أشغاله، حتى ولو كانت رسمية ما إن يقال له إن ثمة صيداً متوافراً في مكان ما. ومن هنا جاءت رحلته تلك حول العالم، والتي قادته إلى بلدان آسيوية عدة كما إلى بعض أصقاع رعاة البقر في أميركا الشمالية واستغرقته سنتين، جاءت مستجيبة لهوايته منطلقاً من تريستا في الشمال الغربي الإيطالي، وكانت واقعة تحت الاحتلال النمساوي في ذلك الحين. وهو يروي في يومياته كيف أنه بدأ مشروعه وهو بعد على متن السفينة في البحر حيث راح يطلق النار على الأسماك السابحة من حول السفينة. كان الأرشيدوق لا يزال حينها في الثامنة والعشرين من عمره أما عدد مرافقيه فلم يكن يقل عن أربعمئة واكبوه وعاونوه وتولوا حمايته طوال تنقلاته.

الصيد بدءاً من البحر

ولاحقاً في السفينة التي كانت تقله إلى الهند كان دائماً ما يُرى وهو يصوب بنادقه إلى الأسماك ثم ما إن وصل إلى البر حتى راح يطلق النار بكثافة على كل من يدب على أربعة أمامه أو يطير في الجو فوقه، غير آبه بما إذا كان هذا الحيوان مقدساً أو لا. وهكذا اصطاد عدداً لا بأس به من الفيلة والقرود والعقبان والنسور والجواميس، وبخاصة البجع التي كانت كثيرة وكانت المفضلة لديه بعد الغزلان التي كانت أهدافه الأولى على الدوام. أما السحليات فكانت تعجبه لأنها تمكنه من ممارسة أقصى حدود إبداعه كصياد ونقرأ هنا ما يقول: "كنت أقترب من السحلية على خطى القديس جورج حين كان يدنو من التنين". والطريف أن مقال مجلة "شبيغل" لا يفوته أن يحمل شيئاً من العزاء إلى أعضاء جمعيات الرفق بالحيوان من الذين قد يهولهم هذا الأرشيدوق القاتل إذ يخبرهم أن "الطبيعة بدت وكأنها تعاقبه إذ إن كل إطلاق رصاصة كان يتسبب له في جروح لا تندمل، سرعان ما تتحول إلى قروح" ما يجعله ينافس شاعرنا العربي امرؤ القيس على لقب "ذي القروح".

مصير الشعوب الأصلية

بيد أن فرانتز فرديناند لا يتكشف صياداً فقط ومغامراً وقاتلاً في هذا الكتاب، بل رجل فكر وصاحب موقف أيضاً. فإذا كان صحيحاً أن الأرشيدوق في رياضته الأرستقراطية وآرائه المتقززة من السكان المحليين كان ينتمي إلى عصره، فإنه في الوقت نفسه كان يحاول أن يشاغب على ذلك العصر، أو هذا على الأقل ما توضحه صفحات كثيرة من يومياته كما دونها ورواها بنفسه. ولعل خير مثال على ذلك ما مارسه في نهاية الرحلة حين وصل إلى أستراليا وترافق وصوله مع أنباء مريعة تقول إن سكان أستراليا الأصليين (الأبوريجين) قد ذبحوا 31 من المستوطنين. فهو حين طلب منه أن يدين المجزرة رفض ذلك قائلاً، إن ما اقترفه السكان الأصليون إنما كان مجرد حق مشروع في الانتقام من الذين سلبوهم أراضيهم وأبادوهم. كما أنه في كاليدونيا لم يتورع عن زيارة المعتقلين في السجون الفرنسية ومواساتهم، أما في اليابان فقد طلب أن توشم ذراعه برمز محلي. وفي الولايات المتحدة لم يحتج حين راح رعاة البقر من زائريه يضعون أرجلهم فوق الطاولة في حضرته غير آبهين بمكانته. في تلك الزيارات كان كل ما يهمه هو الحديث عن مصير الهنود الحمر وضرورة التوقف عن إبادتهم!

العين بالعين والبادئ أكرم

ومن المرجح أن فرانتز فرديناند إنما كان بتلك التصرفات التي تبدو سابقة لأوانها، وكان من شأنها أن تجر عليه انتقادات كثيرة في صحافة بلاده لو أن كتاباته ظهرت في ذلك الحين، كان يرد بشكل إيجابي على الاستقبالات المدهشة التي قوبل بها، وبخاصة في الهند وغيرها من البلدان الآسيوية، وكما يخبرنا هو بنفسه في صفحات كتابه. ففي دلهي مثلاً نصبت له السلطات ولصحبه نحو تسعين خيمة بالغة الأناقة وضعت في تصرفه طوال رحلات صيده هناك، كما راحت تقام له الولائم المدهشة في فخامتها وطيب مذاق صحونها، دون أن يتورع مضيفوه عن نحر الأبقار وفتح عشرات زجاجات الشمبانيا الفرنسية احتفاء به، وحتى وسط الغابات التي كان يقصدها للصيد. وفي نيبال وضع القنصل البريطاني في تصرفه أكثر من مئتي فيل لزوم حملة صيد نمور عملاقة. وفي هذا السياق يروي لنا الأرشيدوق أنه ما إن وصل بالأفيال وبقية الموكب إلى سفوح جبال هملايا حتى سحره المشهد والموقف هناك فأوقف الركب وراح ينشد بصوت رخيم أغنية "التيرول" الوطنية. ترى لو كانت الكاميرات السينمائية متوافرة في ذلك الحين، وفي ذلك المكان هل يمكننا أن نتخيل روعة المشاهد التي كان يمكنها تصويرها؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تناقضات تلك الأزمنة

من المؤكد أن المواقف المناصرة للشعوب التي نهبت أوروبا خيراتها إنما كانت نتيجة حتمية لسعادة الأرشيدوق بما كان يحيط به في ديار تلك الشعوب. ومع ذلك، ولأن الأمير النمساوي كان أيضاً ابناً حقيقياً لتناقضات عصره، ها نحن نراه بين صفحة وأخرى يردد أمام أنظارنا وبلغته الخاصة، تلك الكليشهات المعهودة حول "احتيالات الصينيين" و"كسل فقراء الهنود" و"عجرفة اليابانيين" وما إلى ذلك، ومن ثم نراه في صفحات أخرى يستدرك ليعزو ذلك كله إلى ما تسبب به الغرب نفسه من خلال معاملته القاسية للشعوب المحلية ونهبه خيراتها وإفساده سبل عيشها وتقاليدها... ولنتذكر أن ذلك كله إنما كان في زمن سبق الوعي الأوروبي الشقي بتلك الحقائق بعقود طويلة، كما سبق مقتل الأرشيدوق ولي عهد النمسا الذي كان حينها وريثاً لعرش واحدة من أكبر إمبراطوريات العالم قبل أن تقضي عليها الحرب العالمية الأولى التي، وكما أسلفنا، كان الأرشيدوق نفسه أول ضحاياها وهو في الخمسين من عمره متكتماً على تلك الأوراق التي قد يحتاج نشرها جميعاً إلى عشرات أخرى من السنين وتعرفنا حتى في القليل الذي نشر منها على زمن وعقل وتناقضات وعلى ذلك الذي ربما كان يصح اعتباره أكبر قاتل للحيوانات في التاريخ...

المزيد من ثقافة