Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسرحية "مهاجر بريسبان" في نسخة سكندرية مشهدية

المخرج المصري فكك نص جورج شحادة درامياً واعتمد المنهج التعبيري يسري حسان

 مسرحية "مهاجر بريسبان" لجورج شحادة في صيغة مصرية (الخدمة الإعلامية للفرقة)

هناك نوعان من المخرجين الذين يتعاملون مع النصوص المتداولة، والتي سبق لغيرهم الاعتماد عليها في عروضهم؛ الأول يسير على خطى غيره، ولا يقدم جديداً سوى الأشخاص القائمين على صناعة العرض معه، من ممثلين وفنيين وتقنيين، بالتالي تكون نسخته "فوتو كوبي" من العروض الأخرى، أما الآخر فيعمد إلى تفكيك النص وإعادة تركيبه وفق رؤيته الخاصة، وربما حذف منه أو أضاف إليه، بما لا يخل بالرؤية الكلية للنص الأصلي. وهو يسأل نفسه أولاً: لماذا أقدم نصاً سبق لكثيرين غيري تقديمه، ما الجديد الذي يمكنني إضافته؟

المخرج المصري السكندري جمال ياقوت، ينتمي إلى النوع الثاني من المخرجين، وسبق له تقديم مسرحيات، مثل "ميس جوليا"، و"القرد الكثيف الشعر"، و"بيت الدمية"، وغيرها من الأعمال. وفي كل عرض له بدا جريئاً ومغامراً، خاصة أنه يتولى بنفسه مهمة الدراماتورج، فيضيف ويحذف، ويقدم ويؤخر، ليصل في النهاية إلى طرح رؤيته الخاصة، حتى إنه في عرض "بيت الدمية" حذف شخصية رئيسة من النص، وهي شخصية "دكتور رانك"، ووقتها تنبأ المخرج الراحل سعد أردش بفشل العرض، قائلاً: "مسرحية (بيت الدمية) من دون دكتور رانك لن تكون (بيت الدمية) أبداً"، لكنه تراجع عن رأيه بعد مشاهدة العرض، الذي حصد وقتها العديد من الجوائز في المهرجانات التي شارك فيها.

 

قدم ياقوت أخيراً عرض "مهاجر بريسبان" للشاعر اللبناني الفرنكوفوني الكبير جورج شحادة، ترجمة أدونيس، مع فرقة قصر التذوق السكندرية التابعة لهيئة قصور الثقافة. وفي دراماتورجيته للنص مارس طريقته في التعاطي مع النصوص السائدة والمتداولة، خاصة أن نصاً مثل "مهاجر بريسبان" سبق تقديمه في مصر فقط عشرات المرات، فكان عليه تقديم ما يخصه ويميزه، ويبرر ما أقدم عليه من تعامل مع نص يكاد يكون محفوظاً لكل متابعي المسرح.

الصورة المسرحية

ما ميز هذا العرض شيئان، أولهما الدراماتورجية التي لم تنشغل كثيراً بفكرة اللوحات التسع التي يضمها النص، ولا ببعض الشخصيات مثل شخصية العمدة التي حذفها الدراماتورج تماماً، واكتفى بسكرتيره، وكذلك الحوارات الدائرة بين أهالي القرية، التي هبط عليها مهاجر قادم من أستراليا باحثاً عن ابن له، غير شرعي، ولا حتى ببعض الخطوط التي عمل عليها النص الأصلي، لكن ذلك كله لم ينتج عرضاً هجيناً أو مشوشاً، أو مشوهاً لرؤية جورج شحادة.

أما الشيء الآخر، الذي ميز العرض، فهو حرص المخرج على عنصر الصورة المسرحية، واحتفاؤه بها كأداة قادرة على المساهمة في توصيل، بل تأكيد المعنى، والإضافة إليه.

القصة باختصار، أن مهاجراً قادماً من أستراليا يرغب في العودة إلى قريته في صقلية، يحمله الحوذي إلى قرية "بلفنتو". يموت المهاجر ليلة وصوله، ويكتشف العمدة أن المهاجر كان يحمل في حقيبته أوراقاً تشير إلى أن له ابناً غير شرعي أنجبه من إحدى فتيات القرية، وأن معه كمية من الذهب ليعوضه بها عن غيابه الطويل. يعلق العمدة صورة المهاجر على شجرة في باحة القرية، ويطلب من نساء القرية أن يتعرفن على صاحب الصورة، ومن تتعرف عليه وتعترف بعلاقتها به، سيكون الذهب من نصيبها هي وابنها. وهنا يبدأ رجال القرية بالشك في نسائهم، وتبدأ مساومات بعضهم على العرض والشرف من أجل الذهب، الذي سيعوضهم عن أيام الفقر التي يعيشونها. ويقوم أحدهم بقتل زوجته لرفضها الادعاء بأنها السيدة المقصودة. وفي النهاية يتضح أن قرية "بلفنتو" لم تكن مقصد المهاجر، وأن الحوذي السكير يحب هذه القرية، فحمل المهاجر إليها.

مشاهد متوازية

الأحداث، كما جاء في العرض، تدور في قرية "بلفنتو" الإيطالية، فلا تمصير، ولا أسماء عربية، لكن المخرج، الذي أعاد تركيب النص، واختزل الكثير من أحداثه، جعل أغلبها يدور بالتوازي والتوالي معاً، لا بالتوالي فقط. فهناك عديد من المشاهد، خاصة مشاهد الأزواج مع زوجاتهم، تعمد المخرج إدارتها بالتوازي والتوالي معاً. فالأحاديث والصراعات تدور كلها في وقت واحد، الشخصيات أمامنا، وإذا تحدث زوجان في بؤرة إضاءتهما، فإن حديثاً، غير مسموع، يدور في بؤر أخرى أكثر خفوتاً، بين الآخرين. والصراعات بينهم قائمة، وفي الوقت نفسه فإن كل زوجين يكملان حديث الزوجين الآخرين، وكأنهم جميعاً مجتمعون في مكان واحد، الأفكار نفسها والمساومات نفسها، وكذلك الحوار المتصل. وهكذا، في لعبة شيقة ومرسومة بعناية، ومختزلة لكثير من الثرثرة، يعتمد المخرج في تلك المشاهد على لعبة الإضاءة (صممها إبراهيم الفرن) التي أسهمت، بحرفية بالغة، في تحقيق الرؤية الإخراجية، والسير على منهجها التعبيري الذي اعتمد في العرض، وهو منهج يتسق تماماً وطبيعة النص الأصلي.

ولأن المخرج اعتمد على عنصر الصورة، وعلى المنهج التعبيري، فقد جاءت الاستعراضات (صممتها كريمة بدير) من النسيج نفسه. ففي لحظة شك القرية ورجالها في نسائهم، على سبيل المثال، فإن النساء المشكوك فيهن، يكن في المنتصف، بينما يحيط بهن أهل القرية في حركة دائرية، تعبيراً عن وقوعهن في دائرة الشك. وعلى الخط نفسه جاءت الاستعراضات الأخرى، كل منها يعبر عن حالة ما، ويختزل الكثير من الكلمات. حتى حوارات أهل القرية، اكتفى المخرج بأن تكون مجرد أصوات وهمهمات جماعية، تعبيراً عن موقفهم. وهكذا، نجح المخرج في توظيف عناصره لخدمة رؤيته ومنهجه بشكل يضيف الكثير إلى النص الأصلي، أو بمعنى أدق يعبر عنه بأدوات مسرحية تحاول أن تشق لنفسها مجرى يخصها.

 

حرص المخرج أيضاً على فكرة توازن الكتلة على خشبة المسرح، ففي اليمين واليسار والمنتصف والعمق، هناك دائماً أحداث تجري، وهو ما تطلب جهداً مضاعفاً من مصمم الإضاءة ليجاري هذا الاحتدام والتدفق والحركة الدائبة على المسرح.

طاقات تمثيلية

لدينا في العرض طاقات تمثيلية هائلة، استطاع المخرج تطويعها وتشكيلها لخدمه رؤيته: أحمد السعيد في دور باربي، الذي سعى إلى تحريض زوجته على الاعتراف بخطيئتها من أجل الحصول على المال لينقذهما من حياة الفاقة التي يعيشانها، وفي النهاية قتلها بسكين. لقد كان واعياً بطبيعة الشخصية التي يلعبها ودوافعها وأزمتها، صوتاً وحركة وإيماءة. وبالقدر نفسه من الوعي جاء أداء إسلام عوض (سكرتير العمدة)، ورفعت عبدالعليم (بيكالوجا)، ومحمد سعيد (سكارميلا)، ومها نصر (لورا)، وآمال عبدالعزيز (ماريا)، ونورهان رمزي (روزا)، وإسلام شوقي (الحوذي)، وعبدالرحمن هريدي (المهاجر). فريق تمثيل مدرب بعناية، منهم من امتلك خبرة الوقوف على المسرح كثيراً، ومنهم من لم يمتلك هذه الخبرة بعد، وإن شكلوا معاً مجموعة واحدة متناغمة.

وجاءت أشعار محمد مخيمر متجانسة تماماً مع طبيعة العرض ومساهمة في تطوير الدراما وتفعيلها، وليست معلقة على الأحداث أو ملخصة لها، ووضع موسيقى العرض أسامة علي ومحمد عبدالوهاب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ربما العنصر الوحيد الذي بدا فقيراً، أو عادياً، هو الديكور (صممه محمود سامي)، فعلى الرغم من خبرة المصمم ومكانته وعمله أستاذاً للديكور في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، فقد جاءت تصميماته أقل بكثير مما عهدنا منه. مجرد باحة للقرية وشجرة وبانوراما خلفية تعكس منظر القرية، وهو تصميم لجأ إليه كل من تعامل مع هذا النص. صحيح أن الأحداث تدور في باحة قرية "بلفنتو" الإيطالية، وصحيح كذلك أن الديكور التزم المنهج التعبيري نفسه، الذي سار عليه المخرج، لكن طبيعة العرض وطموحه اقتضيا أعمالاً أكثر للخيال لتتكامل العناصر جميعاً، وتشكل وحدة جمالية لا تنافر بينها. لعل ضيق الوقت لم يسمح بذلك، وربما أيضاً لم تسمح الميزانيات الضئيلة التي تعمل بها فرق قصور الثقافة.

عرض "مهاجر بريسبان" في نسخته السكندرية إضافة واعية وجديدة إلى نص جورج شحادة، وتحية من فناني الإسكندرية إلى كاتب ولد وعاش فترة من الزمن في مدينتهم الساحرة.

المزيد من ثقافة