Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"شهادة ميلاد" الطفل من حق الأم في مصر

حسمت المحكمة الإدارية العليا أن الخلافات الزوجية التي تحدث أثناء الحمل لا تسلب الزوجة حق إصدار شهادة ميلاد مولودها ولا يجوز لأهل الزوج منعها من هذا الحق

صار من حق الأم المصرية إصدار شهادة ميلاد للمولود الجديد  (أ ف ب)

نصر كبير وإنجاز عظيم حققته بنات سميرة موسى ومفيدة عبد الرحمن وسهير القلماوي وحفيدات هدى شعراوي وصفية زغلول ولطفية النادي في العام الحادي والعشرين من الألفية الثالثة بعد الميلاد. فقد تمكنت امرأة مصرية من استخراج شهادة ميلاد طفلها الذي حملت فيه تسعة أشهر ثم ولدته دون حضور الزوج المتغيب! هذا النصر المبين تحقق بفضل خلاف نشب بينها وبين زوجها بمدينة دمنهور في محافظة البحيرة (شمال القاهرة) ما أدى إلى ترك الزوجة بيت الزوجية وكانت حاملاً.

واستمر الخلاف، وظلت إقامة الزوجة خارج بيت الزوجية. وحين حان موعد الولادة وضعت طفلها وتوجهت إلى مكتب الصحة كإجراء طبيعي لإصدار شهادة ميلاد مولودها. هناك فوجئت بأن إصدار شهادة ميلاد المولود الذي تكبدت عناء حمله تسعة أشهر ووضعته بعد آلام الولادة المبرحة وحملته بين يديها وبدأت ترضعه ليعيش هو حق أصيل للزوج فقط. هذا ما أخبره بها موظفو مكتب الصحة.

الأب وأسرته والعمدة فقط

موظفو مكتب الصحة لم يكذبوا أو يحرموها من حق يبدو طبيعياً أو منطقياً أو بديهياً. فالنصوص والخطوات الرسمية تنص على أن الأشخاص المكلفين بالتبليغ (عن ولادة مولود) وفقاً لنص المادة (15) هم كالتالي بالترتيب: والد الطفل إذا كان حاضراً، والدة الطفل شرط إثبات العلاقة الزوجية على النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية، ولا بد أن تكون في حوزتها المستندات التي تؤكد نسب الطفل وهي مستند إخطار قيد المولود من جهة الولادة، وصور قسيمة الزواج، وبطاقة إثبات شخصية الأب والأم. ولو لم يكن معها تلك المستندات، فلا يحق لها التبليغ وإصدار شهادة مولودها، لكن يحق للعمدة أو شيخ البلد في القرى التي لا يوجد فيها مكتب صحة. كما يجوز التبليغ لمن حضر الولادة مثل الأصهار البالغين حتى الدرجة الثانية. ويشار أيضاً إلى أنه في حالة عدم وجود الأب لتسجيل المولود يمكن لأحد أقاربه أن يقوم بذلك بدلاً منه وهم: والدته أو والده أو شقيقته أو شقيقه أو عمه أو عمته.

البيت الوقف

تقول هنادي حجازي (49 عاماً) التي واجهت مشكلة مشابهة قبل سنوات طويلة وقت ولادة ابنتها بعدما اختفى زوجها عقب خلافات كبيرة بينهما، منفذاً تهديده لها بتركها ومولودتها التي كانت حاملاً فيها كـ"البيت الوقف"، إنها فوجئت بعدما أصبحت أمّاً بعد فترة حمل بالغة الصعوبة، وولادة كادت تفقد حياتها أثناءها بسبب مضاعفات، أن القانون لا يعترف بوجودها من الأصل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تضيف، "عشت أصعب وأبشع أيام في عمري على مدى نحو أسبوعين، وهي المدة التي حددها القانون لتسجيل المولود وإلا أصبح ساقط قيد بعد ذلك. وبعد جهود عاتية من الأهل والأقارب، تم التوصل إلى زوجي وإقتاعه بتسجيل ابنته شرط أن أتنازل له عن كل حقوقي وإبرائي إياه من مسؤولية الإنفاق عليَّ وابنته".

حجازي لم تعافر أو تناضل للحصول على حق بديهي تعاملت معه ملايين المصريات على مدى عقود طويلة، باعتبار سلبه أمراً واقعاً لا يحق لهن معارضته أو المطالبة بتصحيحه.

حقوق مسكوت عنها

أما سيدة دمنهور فقد فعلت العكس تماماً. لم تستسلم للوضع القائم الذي اعتبرته ظالماً بائساً فتوجهت إلى القضاء، ورفعت قضية مطالبة بحق إصدار شهادة "ابن بطنها". وجاء قرار المحكمة قبل أيام ليعيد لها واحداً من أبسط الحقوق التي رضي وسكت كل من المجتمع والعرف والقانون على سلبه.

وجاء في حكم المحكمة الإدارية العليا، وأحكامها نهائية وغير قابلة للطعن، أن الخلافات الزوجية التي تحدث أثناء الحمل لا تسلب الزوجة حق إصدار شهادة ميلاد مولودها، دون شرط حضور الأب طالما تقدم عقد زواج رسمياً. كما لا يجوز لأهل الزوج منعها من هذا الحق.

كؤوس المرارة

حكم المحكمة تهلل له ملايين النساء المصريات والمنظمات الحقوقية التي بح صوتها على مدى عقود للحصول على حق الأم في إصدار شهادة ميلاد لمن حملته تسعة أشهر كبداية لمسؤولية تستمر مدى الحياة. الحكم التاريخي أوقف تنفيذ قرار الجهة الإدارية المطعون فيه السلبي بالامتناع عن إثبات واقعة ميلاد المولود في السجلات المعدة لقيد المواليد، مع تسليم والدته شهادة قيد ميلاده. وأمرت المحكمة بتنفيذ الحكم بمسودته دون إعلان.

وجاء في الحكم أن "الزوجة تشارك الزوج الحق في استخراج شهادة ميلاد المولود، وأن الدستور المصري ارتقى بحقوق الطفل، وجعل لكل طفل الحق في اسم وأوراق ثبوتية، وألزم الدولة العمل من أجل تحقيق المصلحة الفضلى للطفل في كل الإجراءات التي تتخذ حياله". وجاء أيضاً أنه "بحسب الدستور فإن لكل طفل الحق في أن يكون له اسم يميزه، ويسجل هذا الاسم عند الميلاد في سجلات المواليد وفقاً لأحكام هذا القانون".

كما جاء فيه "أنه يجب التبليغ عن المواليد خلال 15 يوماً من تاريخ حدوث الولادة، وأن التبليغ عن المولود ليس حكراً فقط على والد الطفل إذا كان حاضراً، بل تشاركه أيضاً والدة الطفل شريطة إثبات العلاقة الزوجية وهو ما يتوفر للمدعية التي قدمت للمحكمة وثيقة عقد زواج رسمي، ولم يمتثل الزوج رغم اختصامه وإعلانه وتحرير محضر ضده، فمن ثمّ يكون امتناع الجهة الإدارية عن إثبات واقعة ميلاد الطفل في السجلات المعدة لقيد المواليد مخالفاً مخالفة جسيمة لأحكام الدستور ومعتدياً عدواناً صارخاً على ما هو ثابت للطفل من حق دستوري في أن يكون له اسم يميزه وأوراق ثبوتية". ومن أبرز ما جاء في حكم المحكمة التاريخي أن "مرارة تجرُّع كؤوس الإهانة من الزوج وأهله تذهب بكل محبَّة للزوج في قلب زوجته فلا نعيم ولا راحة".

آمال عريضة

الراحة الناجمة عن الحكم التاريخي موجهة لقضية بعينها، إلا أن آمالاً عريضة معقودة على أن تشمل هذه الراحة كل الأمهات العاجزات عن إصدار شهادات ميلاد أبنائهن، وأن يكون الحكم سابقة قانونية تساعد ملايين النساء وأطفالهن المتضررين ممن يقفون عاجزين عن الحصول على حق شهادة الميلاد وما يتبعها من حقوق التعليم والصحة والعمل البديهية.

المحامية والحقوقية نهاد أبو القمصان تقول، "إن المرأة في مصر لم يكن من حقها استخراج أوراق ثبوتية لأطفالها، وإنه طبقاً لقوانين الأحوال المدنية، فإن أي شخص مثل الأب والجد والعمة والعم والأخ والأخت شهد واقعة الميلاد كان يحق له تسجيل الطفل"، مشيرة إلى "أنه طبقاً لقانون الأحوال المدنية كان أي شخص شهد واقعة الميلاد يستطيع الذهاب لتسجيل الطفل، مثل الأب أو الجد أو العمة". وتضيف "أن عدداً من التعديلات جرى بعد ذلك كان أقرب إلى الفتاوى أو القرارات التي تم إصدارها لمنع تداخل الأنساب".

قمة المهزلة

 ووصفت أبو القمصان اقتصار الحق في تسجيل المواليد على الزوج وأفراد عائلته بـ"قمة المهزلة". وأكدت أن قرار منع الزوج من حرمان الزوجة من استخراج شهادة ميلاد المولود انتصار لحق كل من المرأة والطفل، مشيرة إلى أن كثيرين من الأزواج يلجؤون في أي خلاف زوجي إلى معاقبة الزوجة وأسرتها بالامتناع عن تسجيل المولود تحت شعار "اضربي رأسك في الحائط".

هوة شاسعة بين منهج عديد من الأزواج في دفع الزوجة إلى ضرب رأسها في الحائط ومنهج السماء. عضو مجمع البحوث الإسلامية عبد الله النجار، يقول، "إن حق تسمية المولود هو من حقوق الله، وحرمان الزوجة من استخراج شهادة ميلاد لمولودها لا يتفق وطبيعة الحق في التسمية". وأضاف "أن حق تسمية المولود يجب أن يكون مكفولاً للأم لأن نسبة الطفل إلى الأم محققة. كما أنه إنصاف للمولود قبل أن يكون إنصافاً للوالدة".

وأشاد النجار بحكم المحكمة، الذي أعطى الأم الحق في استخراج شهادة ميلاد لمولودها، مشيراً إلى "أن حرمان الأم من حق استخراج شهادة ميلاد الأبناء سببه منع النزاعات المحتملة حول نسب الأطفال". 

وبين حق يبدو بديهياً وطبيعياً ومنطقياً للأم لتسجل مولودها واقتصار حقها على ضرب رأسها في الحائط، انتظار مشوب بالأمل ولكن لا يخلو من قلق لما سيسفر عنه الحكم التاريخي. فهل يتم تعميمه على مكاتب الصحة ليسمح للأمهات بتسجيل مواليدهن؟ هل يسمح لمكاتب الصحة، ولكن يستمر الموظفون في التعنت لقناعات شخصية؟ هل تستمر النساء قدماً في التسليم بقاعدة سلب الحقوق ولا يجادلن في حق إصدار شهادة ميلاد أبنائهن أسوة بالآباء ويضربن رؤوسهن في الحائط؟ أم يتوقفن عن تجرع كؤوس مرارة الأزواج المتعنتين؟