Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بول أوستر يستعيد أزمة شبابه بين نيويورك وباريس

يسرد الروائي الأميركي هوسه بالكتابة وحبه للأدب الفرنسي ومواجهته أحوال العوز

الروائي الاميركي بول أوستر (اندندنت عربية)

عاش كثير من كتاب العالم محناً وصعوبات، لعلها كانت سبباً في تعميق تجاربهم، وكانت بالتالي منجما للكتابة. ربما لهذا السبب قال الكاتب الأميركي وليام آرثر وارد، "المحنة قد تحطم معظم الرجال، إلا أنها قد تكون سبباً في عظمة البعض الآخر منهم". عن هذه المحن يتحدث مواطنه الكاتب الشهير بول أوستر، مستعيداً السنوات العجاف التي عاشها في شبابه تحت نير الضغط المادي، حيث الرغبة في الوصول إلى حياة مستقرة، يقابلها فراغ اليد والجيب وعسر الحياة، وبالتالي الإحساس بالفشل والإحباط.

 في كتابه "تباريح العيش" الصادر حديثاً عن دار خطوط وظلال، بترجمة رصينة للكاتب المغربي محمد الفحايم يقول أوستر كل شيء تقريباً في الأسطر الأولى، "عندما ناهزت سن الـ 30 ، مررت بفترة دامت سنين عديدة، كلما باشرت فيها أمراً كان مآله الفشل. صار زواجي إلى الطلاق، وكانت كتابتي تتعثر، وكانت الصعوبات المالية تضنيني. فأنا لا أتحدث فقط، عن حاجة ظرفية، ولا عن ضرورة محتملة أتقشف فيها أحياناً، بل عن حاجة إلى المال دائمة، وساحقة، أشبه بخناق، تعكر صفو روحي، وتجعلني أسير حال من الرعب لا ضفاف لها".

 يريد أوستر أن يضع القارئ في قلب محنته، من دون مقدمات، معتمداً على النقل الواقعي لتفاصيل عاشها بخطاب ينأى عن استدرار العطف. وهو إذ يفعل ذلك يقر منذ الصفحة الأولى بأنه يتحمل بمفرده مسؤولية هذا الوضع المادي الحرج الذي عاشه، "ليس أحد غيري مسؤولاً عن هذه الضائقة. لطالما كانت علاقتي بالمال خاطئة، وغامضة، ومفعمة باندفاعات متناقضة".

جلس صاحب "اختراع العزلة" في بهو الكتابة باكراً، وتشكل لديه وعي مبكر بأن الكتابة وحدها لا تكفي لعيش حياة كريمة، لذلك طفق يستحضر في مدخل كتابه أسماء مؤلفين مشاهير اشتغلوا في مهن عديدة لتلبية متطلبات الحياة اليومية، مثل إليوت الذي كان موظفاً في البنك، وسيلين ووليام كارلوس اللذين كانا طبيبين، وويليام برونك الذي اشتغل في تجارة الخشب والفحم، وبيتر كاري وسلمان رشدي اللذين عملا في قطاع الإشهار، وغيرهم من الكتاب الذين امتهن جزء كبير منهم التدريس لأنه يكاد يكون الوظيفة الأنسب لأهل الكتابة، أو على الأرجح الوظيفة الأقل ضرراً وتأثيراً على مزاج الكاتب ووقته.

المال مشكلة عائلية

رفض أوستر العمل الذي يأخذ منه وقت الكتابة، فانشغال المرء بمهنة تبدأ مع شروق الشمس وتنتهي بغروبها سيكون بالضرورة ضد كل إبداع. لقد كان مدفوعاً إلى الكتابة على نحو غريب، فقد أحس وهو طالب في الجامعة أن عليه التوقف عن الحديث عن كتب الآخرين، والشروع بالتالي في تأليف كتبه. هذه الرغبة المبكرة في الكتابة ربما كانت حاجزاً أمام البحث عن تحقيق الذات داخل المجتمع، وبالتالي الوصول إلى ما يراه الآخرون نجاحاً مهنياً.

يعود صاحب "كتاب الأوهام" إلى طفولته ليستحضر حياة اليسر التي عاشها بين أب يرى أن الإنفاق ينبغي أن يكون وفق رؤية اقتصادية معقولة، وأم تمارس حياتها بشراهة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالتبضع. ظل الطفل عاجزاً عن فهم جنوح والدته إلى التبذير وإلى اقتناء أشياء قد تكون الأسرة في غنى عنها. لقد سمى تلك الخرجات مع أمه "نزهات تبذيرية"، غير أن تلك النزهات ستكون سبباً في تحطيم حياتها الزوجية.

لم تمنعه الحياة المستقرة مادياً في طفولته وشبابه الأول من القيام بأعمال صغيرة، ككانس ثلج وبائع عصير ونادل ومنظف أقبية، وذلك من أجل شراء مجلات مصورة. في بداية شبابه صار يرفض النظرة الطاغية للمال التي تعلي من شأنه أكثر من اللازم، وصار بالتالي ينتقد الأفق الاستهلاكي الذي شرع المجتمع الأميركي يتوجه إليه بسرعة كبيرة، في زمن غدت الرأسمالية هي الشعار الطاغي للبلاد. لقد تساءل مبكراً عن جدوى المال الذي أنفق والداه سنوات عديدة في جمعه، فيما كان هذا المال الذي جمعاه سبباً في شتاتهما. حين أنهى بول دراسته الثانوية كانت الأم قد أخذته معها برفقة أخته إلى شقة أخرى في نيويورك تاركة البيت للزوج الذي عاش فيه وحيداً إلى آخر يوم في حياته.

باريس مدينة الأدب

كان أوستر يرى أنه كائن لا يصلح للمكوث في مكان واحد، فقد كانت الرغبة في السفر تكبر معه، اعتبر نفسه حتى وهو في البيت "مهاجراً داخلياً". وحين أتيحت له فرصة السفر عقب إنهاء دراسته الثانوية، اتجه إلى باريس في عامه الـ 18، يريد بذلك أن يعيش تجربة جديدة، وأن يشرع في كتابة روايته الأولى. سافر بعدها إلى دبلن لأسباب تتعلق برواية جويس "عوليس"، وعاش هناك تجربة صفاء روحي جعلته يعيد النظر إلى ذاته.

فور عودته إلى نيويورك لمواصلة الدراسة الجامعية تبدأ قيم التمرد والثورة تنغرس فيه بالتدريج، إذ يكلف بتحرير أفلام تربوية موجهة للأطفال، غير أنه اعترض على جملة تقول في أحد هذه الأفلام، "أميركا دولة ديمقراطية"، مما عجل بطرده من العمل. هذا الاعتراض الأولي امتد وتطور في شخصية بول أوستر كما نعرفه اليوم مناهضاً لكل أشكال الحيف ومنتصراً للقيم الإنسانية الجميلة بالأساس.

إثر التحول المادي للعائلة يجد نفسه مضطراً للقيام بعدة أعمال هامشية من أجل تحصيل القليل من المال حفاظاً على ماء الوجه في مجتمع رأسمالي لا يرحم، ثم إن حلمه بالكتابة يحتاج أن يواكبه استقرار مادي، وإن كان على نحو ضئيل. ربما تشرب باكراً ما قاله كارل ماركس في هذا الصدد، "على الكاتب أن يجني القليل من المال، حتى يعيش ويستمر في الكتابة، لكن ليس عليه أن يعيش ويكتب من أجل جني المزيد من المال"، لذلك وبعد طرده من عمله الجانبي كمحرر للأفلام التربوية، اشتغل بستانياً في فندق. وينقل للقارئ بؤس هذا العمل وسواودية الوضع الذي كان يعيشه زملاؤه العمال، تلك السوداوية التي لا تخلو من طرافة.

سحر باريس

يعود إلى باريس نهاية الستينيات، إثر برنامج جامعي، ليعيش فيها سنتين كانت ميزتهما الأولى هي الجنوح النهم إلى القراءة، بل إنه يعترف بأن أهم ما عرفه عن الأدب والفلسفة كان بالضبط في تلك الفترة خلال مقامه الباريسي، غير أن ما شكل له عائقاً محبطاً هو إصرار مدير البرنامج الجامعي على اكتفاء الطلبة بتعلم اللغة الفرنسية والالتزام ببرنامج أكاديمي بدا لأوستر دون مستوى تطلعاته، هو القادم إلى فرنسا من أجل الالتقاء بالثقافة الرفيعة التي أججت الحياة الفرنسية خلال الستينيات، وهو الراغب أيضاً في حضور محاضرات رولان بارت في الكوليج دو فرانس. دفعه تمرده بالتالي إلى الانسحاب من الجامعة ومغادرة مكان كان يقف ضد طموحه أيضاً ككاتب، لكنه وجد نفسه مهدداً بالانخراط في التجنيد الإجباري، والمشاركة في الحرب ضد فيتنام. لكن الكاتب والشاعر كان أقوى من المواطن الأميركي. لقد كان أوستر حاسماً في هذا الأمر، "كنت ضد المشاركة في الحرب، ولا شيء يجبرني أبداً على خوض غمارها، وإذا ما سعوا إلى إلحاقي بالجيش، كنت سأرفض الالتحاق به، وإذا ما أسرت فسأقتاد إلى السجن. كان قراراً حاسماً، وحلا جازماً، راسخاً، لن أشارك في الحرب، حتى لو اقتضى هذا خراب حياتي، فإني لن أشارك".

وتفادياً للوقوع في هذه الورطة، يعود إلى جامعة كولومبيا في نيويورك لاسئناف الدراسة. غير أن عودته تتزامن مع اضطرابات كثيرة عرفتها البلاد، واحتجاجات مسلحة داخل الحرم الجماعي أججتها فصائل طلابية تعارض سياسة البلاد. في تلك الفترة كان أوستر قد كتب مسرحيات لم ترقه، وشرع في تأليف روايتين ولم يكملهما، فضلاً عن تخليه عن عدد من النصوص الشعرية التي لم تكن تشكل الأفق الذي يرنو إليه. وكان العمل الوحيد الذي يجعله يشعر بالرضا في تلك المرحلة هو ترجماته للشعر الفرنسي.

لقاء جان جينيه

كانت إجادته للغة الفرنسية باباً أيضاً من أبواب الرزق، فقد عمل مترجماً تحت الطلب ومقدماً للدروس الخصوصية، بل إن المصادفات الجميلة قادته إلى اللقاء بجان جينيه وترجمة خطابه إلى "الفهود السود"، لم يكن لهذه الترجمة مقابل مادي، كانت مكافأته هي حظوة البقاء لفترة مع الكاتب الفرنسي الذي حل ضيفاً كبيراً على جامعة كولومبيا.

عرض عليه صديقه العمل لصالح مجلة إباحية، تكافئ من يؤلف رواية بورنوغرافية بـ 1500 دولار، شرع يكتب لكنه أحس أن هذا العمل لا يشبهه، ففضل، بدلا ًمنها، كتابة مقالات نقدية لمجلة مغمورة بـ 25 دولاراً فقط للمقال.

لم يكن أوستر يستقر في عمل، فروحه المتوثبة كانت تركض به من مضمار إلى آخر، اشتغل عاملاً في ناقلة بترول لعدة أشهر، وقبلها عمل في مكتب للإحصاء، غير أن عينه كانت على باريس، مدينة حلمه. ولم يكن حلمه سوى الكتابة، التي كان مستعداً للتضحية بكل شيء من أجلها، "كان الفن مقدساً، وكانت تلبية ندائه تعني القبول بجميع التضحيات الواجبة، وصيانة نقاء مقاصده حتى آخر رمق".

في 1971 يعود إلى باريس، ليستقر فيها ثلاث سنوات ونيفاً، وبعد أسابيع قليلة ينفد ما لديه من مال. ويضطر أن يعمل من حين لآخر لتوفير مال قليل في أعمال هامشية لا تأخذ منه الكثير من الوقت، الذي يحتاجه للكتابة بالأساس. وحين كان يتعذر عليه الحصول على عمل كان يلجأ الى صديق من أصدقائه الباريسيين لتوفير مكان يقيم فيه ليكتب. اشتغل معظم الوقت في الترجمة، ومن الأشياء الطريفة التي وقعت له أنه ترجم الدستور الفيتنامي الجديد من الفرنسية إلى الإنجليزية مقابل وجبة عشاء. في أيام الفقر تلك، كان يشغله توفير الطعام، لكن ما كان يشغله أكثر هو توفير السجائر.

سيرة الكتابة

يعود سنة 1974 إلى نيويورك مفلساً تماماً. فقد كان المبلغ الذي تبقى لديه هو 10 دولارات فقط. وعلى الرغم من ذلك كان يرفض العمل بدوام كلي، ويجنح إلى أعمال أخرى بدوام جزئي، ربحاً للوقت الذي يريده للكتابة.

في منتصف السبعينيات شرع في إصدار أعمال شعرية، وترجمات أغلبها كانت تحت الطلب، وذات طابع مهني، فهي ترجمات لكتب يصفها بالأقل جودة وبالرديئة تارة. لكنه كان مضطراً لقبول مثل هذه الأعمال بسبب وضعه الاجتماعي الجديد، فقد صار زوجاً وله مولود جديد.

كان في تلك الفترة قد تزوج بالكاتبة والمترجمة الأميركية ليديا ديفيس التي اشتغلت في حقل الأدب الفرنسي، ونالت لاحقاً جائزة البوكر الدولية. غير أن ارتفاع تكاليف الحياة اليومية في نيويورك دفعه إلى الخروج منها برفقة زوجته وابنه باتجاه منزل ريفي. تسوء أوضاعه وينفصل عن زوجته، ويؤثر فيه رحيل والده على نحو كبير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كانت أعمال بول أوستر الأدبية لاقت نجاحاً هائلاً في العقود الأخيرة، فإن هذا الحظ لم يكن حليفه في الأعمال الأولى، إذ وجد صعوبة كبيرة في نشر روايته الأولى، كما لاقت مسرحياته فشلاً ذريعاً، سرد بعضاً من تفاصيله في كتابه "تباريح العيش" الذي يعتبر حلقة ضمن سلسلة كتب أخرى تندرج في خانة السيرة، خصصها أوستر للحديث عن تجاربه في الحياة، مركزاً بالأساس على ما يتربط بالكتابة. والحقيقة أن بول أوستر صار أحد المتخصصين الكبار في ما يمكن أن نسميه "سيرة الكتابة". ويمكن هنا استحضار مؤلفاته الأخرى فضلاً عن "تباريح العيش" 1996، "ابتكار العزلة" 1982، "المفكرة الحمراء" 1993، "مذكرات الشتاء" 2013، "رحلات في المنطقة الداخلية" 2014.

ما يميز "تباريح العيش" عن كتبه الأخرى في السيرة، هو سرد الأحداث من منظور مالي، وبالتالي وضع أوستر تيمتين متناقضتين على طاولة الاختبار، المال والكتابة، تلك الكتابة التي كان يراها "شكلاً من أشكال الصلاة" على حد وصف فرانز كافكا، الكتابة التي "تفتح الجروح وتكويها" كما قال خوان خوسيه مياس. فقد كانت بالنسبة إليه الخلاص الوحيد والهدف الأسمى الذي خلق للوصول إليه. وما منحه أوستر للكتابة في شبابه من تضحيات جسام ترده له على نحو مضاعف في السنوات اللاحقة. فحين نذكر اليوم أكبر كتاب العالم في عصرنا نجد بول أوستر في الصف الأمامي بالضرورة.

المزيد من ثقافة