Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشاهد "الذل" على محطات الوقود في لبنان تدخل البازار السياسي

"حزب الله" لجأ إلى خطوة استعراضية بإعلان نيته شراء البنزين من إيران وتحدى الدولة التي يتحكم بها

عادت الاحتجاجات الشعبية إلى الشارع اللبناني خلال الأيام القليلة الماضية جراء التدهور السريع في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الذي شارف على بلوغ 15000 ليرة مقابل الليرة.

وشهدت مناطق عدة إقفالاً للطرقات بالإطارات المشتعلة جراء سخط المواطنين ومعاناتهم من الارتفاع الجنوني للمواد الغذائية، وفقدان كثير من الأدوية المستوردة، وارتفاع ساعات تقنين التيار الكهربائي وتهديد خدمات رئيسة بسببه مثل الإنترنت وضخ المياه إلى الشبكة الرسمية، فيما المولدات الخاصة تضطر بدورها للتقنين بفعل الشح في مادة المازوت المستوردة.

أي هدف وراء تلويح الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله باستقدام البنزين الإيراني ومعه المازوت إلى مرفأ بيروت لمعالجة "الذل" الذي يتعرض له اللبنانيون الذين امتدت طوابير سياراتهم لمئات الأمتار؟ ولأن كل شيء في البلد إلى تراجع، يضطر المواطنون إلى انتظار دورهم لتعبئة البنزين نتيجة شح هذه المادة بعد عدم إفراج مصرف لبنان المركزي عن مبالغ فواتير استيراد هذه المادة الحيوية للشركات، لتتمكن من تسليمه لمحطات التعبئة بالسعر المدعوم، أي على سعر صرف الدولار 1507 ليرات لبنانية، بدلاً من سعر السوق السوداء الذي قارب الـ15 ألف ليرة، في وقت نفدت الأموال التي كان المصرف المركزي خصصها لدعم المحروقات والأدوية ومواد غذائية أساسية.

الحزب يخاطب جمهوره مرة أخرى

هل اضطر "حزب الله" إلى ذلك بعد ما علت الصرخة حتى ضمن جمهوره على الرغم من دعوة بعض قادته المواطنين إلى "الصبر"؟ فالدعوات الحزبية للمواطنين إلى الصبر لقيت على مواقع التواصل الاجتماعي، ردود فعل سلبية وتهكمية واتهامية للحزب بأنه من مسببات الأزمة التي يمر بها البلد. وكانت هذه الانتقادات لاذعة وعنيفة أحياناً، لا سيما حيال استخدام حجج دينية وعقائدية. فالحزب يتحكم في مفاصل الدولة عبر نفوذه وتحالفه مع الفريق الرئاسي، ويعتبره خصومه ومؤيدوه مسؤولاً عن معالجة أزمة لم يشهد لبنان مثيلاً لها أيام الحرب الأهلية.

ما يدفع إلى التساؤل حول سبب قول نصر الله بأن حزبه سيفاوض إيران على شراء البنزين والمازوت من طهران، وبالعملة اللبنانية، وشحنها إلى مرفأ بيروت، ليس فقط تحديه الدولة اللبنانية بأن تمنع البواخر المحملة بها، بل لأن كثيراً من التعليقات حيال ما قاله لم يقتصر على التنبيه من أن خطوة كهذه ستقود إلى إخضاع لبنان للعقوبات في التعامل مع استيراد النفط الإيراني، بل لأن الأسئلة توالت حول ما إذا كان "حزب الله" يتوجه بهذا الإعلان إلى جمهوره وسائر اللبنانيين لإظهار مدى قوته واستعداده لمعالجة أزمة تنغص عيشهم، ولأنه يتصرف مرة أخرى بمعزل عن الدولة اللبنانية خارقاً أبسط أدوارها في تأمين ما يحتاجه مواطنوها.

لماذا لا يوقف رعاية التهريب؟

والأسئلة البديهية التي تعاملت مع تصريحات نصر الله على أنها مغالاة واستعراضية، كانت من نوع: إذا كان نصر الله قادراً على معالجة الشح بالبنزين وعلى إيصاله من إيران إلى لبنان، فلماذا لم يستورد هذه المادة قبل الآن ليحل الأزمة التي بدأت منذ أشهر، ولماذا لا يوقف الحزب حمايته لتهريب البنزين والمازوت المدعومين، واللذان تستوردهما الدولة والشركات اللبنانية بالسعر المدعوم، مما تبقى من أموال المودعين في مصرف لبنان، واللذان يجري تهريبهما إلى سوريا دعماً للنظام السوري الحليف والمأزوم بسبب العقوبات والأزمة الاقتصادية الخانقة، فيحول بذلك دون النقص في حاجات السوق اللبنانية لمصلحة السوق السورية، خصوصاً أن أحد قياديي "حزب الله" سبق أن قال إن التهريب جزء من حماية "المقاومة"؟ ولماذا لا يستورد الحزب البنزين والمازوت تهريباً من إيران بالبر عبر العراق وسوريا، طالما لديه القدرة على حماية نقله إلى لبنان بالبر، ويسيطر مع حلفائه في سوريا والعراق على المعابر الحدودية غير الشرعية والشرعية على السواء، في البلدان الثلاثة، بدلاً من رعاية التهريب من لبنان؟

ويلاحظ المراقبون أن نصر الله تحدث في الخطاب نفسه الذي وعد فيه باستقدام البنزين من إيران، عن المحتكرين المعروفين بالاسم، لهذه المادة وللمواد الغذائية والطبية والأدوية، داعياً الدولة إلى معاقبتهم وسجنهم كما في دول أخرى، لكنه لم يأت على ذكر المهربين المعروفين بدورهم وعن ضرورة ملاحقتهم قانونياً.

82 أوكتان.. والعقوبات على إيران والحزب

يشير المحللون إلى أن صناعة النفط الإيراني تمر بأسوأ أيامها بفعل العقوبات على طهران. فمصافي النفط الإيرانية، القديمة والتي تحتاج إلى تحديث حالت دونه العقوبات لا تنتج إلا بنزين من عيار 82 و83 أوكتان، فيما لبنان لم يعد يستهلك إلا بنزين من عيار 95 و98 أوكتان، وفق مواصفات السيارات التي يستوردها، ما يعني امتناع أصحابها عن شراء هذا النوع من الوقود. هذا فضلاً عن أن مدن إيران نفسها تشهد طوابير الانتظار على محطات الوقود، فكيف يقول نصر الله "لا نستطيع أن نبقى خائفين من الأميركيين ونقيم ألف حساب ‏للأميركيين؟".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا تنتهي التساؤلات حيال بدعة شراء البنزين والمازوت من إيران وأهمها وأكثرها دلالة هي كيفية مواجهة مفاعيل العقوبات الأميركية على التعامل اللبناني مع النفط الإيراني الخاضع استيراده لها، خصوصاً أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن كان توقع قبل أيام أنه "حتى إذا عادت إيران إلى تنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن برنامجها النووي فإن مئات العقوبات ضدها ستظل سارية المفعول، والأمر يشمل تلك التي كانت مفروضة في عهد الرئيس السابق دونالد ترمب". والمقصود بها العقوبات المتعلقة بتدخلاتها في الصراعات في المنطقة، كما أن البحرية الأميركية سبق أن لاحقت باخرتين محملتين بالبنزين الإيراني توجهتا إلى فنزويلا، وصادرت إحداها، وتلاحق حالياً باخرتين متجهتين إلى فنزويلا وكوبا، إحداهما محملة بالمحروقات. كما أن إسرائيل تمكنت من استهداف باخرة محملة بالنفط الإيراني قبالة الساحل السوري مع أنها سبق أن امتنعت عن ذلك بالنسبة إلى بواخر أخرى، بسبب تأمين القوات الروسية الحماية لها.

وقد يتعرض لبنان للعقوبات ليس فقط من باب تلك المفروضة على طهران، بل من باب التي يخضع لها "حزب الله" من خلال قوانين عدة سواء لجهة تصنيفه إرهابياً، أو لملاحقة خطوط تمويله تحت عنوان غسل الأموال. فكيف سيشتري الحزب البنزين الإيراني لصالح لبنان؟ وآخر الإجراءات في صدد ملاحقة واشنطن الحزب كان في 10 يونيو (حزيران) حين خصصت الخارجية الأميركية مكافأة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن رجل الأعمال أدهم طباجة متهمة إياه بتمويل الحزب عبر شركة البناء التي يملكها وشركة "الإنماء" للسياحة.

جعجع والجميل: استغراب لشكوى الحزب

تسبب كلام نصر الله في حملة عليه من قوى سياسية عدة، لا سيما قيادات سابقة في قوى "14 آذار"، خصوصاً أنه انتقد أداء الحكومة واصفاً إياه بأن "ضعيف"، فاستغرب رئيس حزب الكتائب سامي الجميل كلامه قائلاً إنه "يسيطر على الدولة ويأخذ اللبنانيين رهائن في سياسات ومسارات لا علاقة لها بلبنان".

وقال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، إن "من يسمع نصرالله وكلامه عن الوضع والحكومة يحتاج إلى المحارم للبكاء وهو يوجه نداء للقيمين على تشكيل الحكومة وهم جميعهم عنده". وذكره بـ"أنكم عطلتم البلد سنة ونصف السنة لوصول عون إلى الرئاسة. إن اشتكينا فذلك حقنا أما أنت كيف تشتكي لنا"؟ وتساءل أمين سر "لقاء سيدة الجبل" فارس سعيد: "نصر الله أعلن أنه القادر والقدير على حل الأزمة الاقتصادية وضرب عرض الحائط اتفاق الطائف والدستور، نسأل ما جدوى استمرار رئيس بعبدا"؟ وقال: "سقط لبنان تحت الاحتلال الإيراني وصار من واجبنا إطلاق معركة تحريره".

وكان نصر الله غمز من قناة دعوة جعجع إلى الانتخابات النيابية المبكرة، معتبراً أنها مضيعة للوقت وبدلاً من ذلك "تفضلوا شكلوا حكومة".

إحراجات "الثنائي" وموقف الحريري

في التفسيرات الإضافية لأسباب كلام نصر الله عن استقدام البنزين الإيراني أنه، كما يقول بعض خصومه، أراد جذب الأنظار إلى مسألة تثير جدلاً للتغطية على عدم نجاح وساطته مع حليفه "التيار الوطني الحر" من أجل إنجاح مبادرة رئيس البرلمان نبيه بري لإنهاء الفراغ الحكومي الذي يحول دون معالجة سائر الملفات المعيشية والمالية. فنصر الله قال في خطابه، إن أزمة تشكيل الحكومة طالت، وقد تطول، مضيفاً "إننا نبذل جهداً إلى جانب الرئيس بري ‏ولكن لا نعرف إلى أين نصل". وعكس كلامه الصعوبات التي يصادفها معاونه السياسي حسين الخليل والمعاون السياسي لبري، النائب علي حسن خليل مع رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، الذي ما زال يشترط ألا يسمي الرئيس المكلف سعد الحريري وزيرين مسيحيين، فيما سربت أوساط باسيل بأن الاجتماعات مع ممثلي "الثنائي الشيعي" حسمت مسألة توزيع الحقائب وأنجزت 98 في المئة من الحكومة، في انتظار جواب الحريري، ما دفع بمصادر بري و"حزب الله" إلى نفي ذلك مؤكدة أن اللقاءات ستتواصل مع باسيل، ولا صحة لانتظار جواب من الرئيس المكلف. وفي رأي كثر فإن "حزب الله" بات يعاني الإحراج لعدم نجاح وساطته مع باسيل، فيما استطاع بري أن يقنع الحريري بالحل الوسط الذي يقترحه لإنهاء الأزمة الحكومية.

واضطرت تسريبات مصادر باسيل عن الوساطة التي يقوم بها "الثنائي الشيعي"، مصادر الحريري إلى إصدار بيان مساء 10 يونيو وصف ما ينشر من تسريبات بأنها "شائعات يبثها باسيل وفريق رئيس الجمهورية عن أن الحكومة تتشكل في منزل الأول، وهي محاولة ساذجة لتكريس أعراف يستحيل أن يمشي بها الحريري". وشددت مصادر الحريري على أن "المضحك المبكي أن باسيل يحاول أن يخترع دوراً له بعد ما بات معزولاً ونصب نفسه رئيساً للجمهورية وبات يتصرف على هذا الأساس ولسخرية القدر أنه يصدق هذه الكذبة". وشددت المصادر في بيان على أن "بث أجواء عن تذليل عقد تأليف الحكومة هي إيحاءات غير صحيحة". فالحريري نفسه محرج أيضاً من تلك التسريبات لأنها توحي بأن تشكيل الحكومة يتم بين "الثنائي الشيعي" و"التيار الحر"، بخلاف تمسكه بنص الدستور على أن التأليف يتم بينه وبين رئيس الجمهورية. لكن الإحراج يطال أيضاً "حزب الله" الذي يتجنب اتهامه مجدداً بأنه يهيمن على الحكومة المقبلة.

المزيد من تحلیل