Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان يرفع الدعم عن الوقود وصعود صاروخي للأسعار

تقول الحكومة إنه الحل الوحيد ومحللون يطالبونها بالابتعاد عن روشتة صندوق النقد واللجوء إلى برنامج حشد الموارد الداخلية

ارتفاع تكلفة النقل ستؤدي إلى قفزة كبيرة بأسعار السلع في السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد)

أدى إعلان الحكومة السودانية رفع أسعار الوقود بنسبة تقارب المئة في المئة، بواقع 290 جنيهاً للتر البنزين، و285 جنيهاً (0,7 دولار)، منتصف هذا الأسبوع إلى موجة كبيرة من الغضب والاستياء وسط المواطنين، تطورت إلى احتجاجات بخروج مسيرات ليلية عشية إعلان الأسعار الجديدة في عدة أحياء بالعاصمة السودانية، أحرقت فيها الإطارات وجرى إغلاق وتتريس شوارع رئيسة في مدن الخرطوم الثلاث رفضاً للأسعار الجديدة.

واستنكرت قطاعات كبيرة من عموم السودانيين، كما وجه سياسيون متخصصون وأكاديميون انتقادات حادة لقرار رفع الدعم عن الوقود في هذه المرحلة التي لم يستقر فيها بعد سعر الصرف، وقبل أن تجري التهيئة الداخلية اللازمة للأوضاع الاقتصادية، ووصفوا الإجراء بأنه سيضاعف المعاناة التي يعيشها المواطن السوداني، ويعطل عجلة الإنتاج الداخلي ويرفع حجم العجز في الميزان التجاري.

تنفيذ فوري

وعلى الفور وكجزء من إجراءات تنفيذ قرار وزير المالية، أصدرت الإدارة العامة للإمدادات وتجارة النفط بوزارة الطاقة توجيهاً بإلغاء كل أسعار الجازولين والبنزين، التي أعلنت سابقاً عبر لجنة التسعيرة، على أن تقوم شركات توزيع المنتجات البترولية، اعتباراً من التاسع من يونيو (حزيران)، بتحديد أسعارها بمحطات الخدمة بحسب آلية السوق صعوداً ونزولاً بحسب التكلفة.

وفي سياق تبريرها ذكرت الحكومة في بيان لوزارة المالية، أن القرار يأتي في إطار سياسة الدولة الرامية إلى إصلاح الاقتصاد الوطني وتأسيس بنية تمكن مؤسسات الدولة والقطاع الخاص من التعامل مع مؤسسات التمويل الدولية.

وقطع جبريل إبراهيم، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، أن الإجراءات الاقتصادية برفع الدعم عن الوقود ستؤدي في نهاية المطاف إلى استئصال ومعالجة التشوهات التي يعانيها الاقتصاد السوداني. واصفاً، في مؤتمر صحافي، تلك الإجراءات بـ"المؤلمة"، لكنها مع قساوتها تمثل "الحل الوحيد كجراحة لا بد منها حتى يتعافى الاقتصاد، ليبقى هناك أمل وضوء في نهاية النفق".

وكشف الوزير، أن الحكومة رفعت الدعم عن سلع أساسية مهمة، لكنها في الوقت نفسه أجلت الحديث عن رفع الدعم عن سلعتي (الفيرنس والقمح). وقال جبريل إن "الإجراء لن تظهر نتائجه بين عشية وضحاها. نحتاج إلى وقت كبير لظهور تأثيره على الاقتصاد".

انتقادات ومخاوف

في السياق وصف عضو اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير التيجاني حسين، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، ما حدث بأنه "ليس رفعاً للدعم عن الوقود، إنما بحث عن إيرادات على حساب المواطن".

وأوضح حسين، "عندما رفعت الحكومة في المرة السابقة سعر الوقود من 128 جنيهاً إلى 540، ذكرت أنه رفع الدعم عن الوقود، لكن عندما ظهرت موازنة 2021 البالغة إيراداتها 938 مليار جنيه، كان أكثر من ثلث تلك الإيرادات نحو 300 مليار جنيه من مصدر واحد فقط هو بيع المحروقات، مما يؤكد أنه لم يكن هناك دعم بالأصل، لأنهم يبيعون سعر المنتج المحلي من الوقود الذي يفوق الـ60 في المئة بنفس سعر المستورد وبدولار السوق السوداء مضافاً إليه 10 في المئة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف عضو اللجنة الاقتصادية، "ما يحدث اليوم هو بحث عن إيرادات أكثر منه رفعاً للدعم عن المحروقات، كما أنه يمثل في نفس الوقت استجابة لضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والإملاءات الخارجية، بدلاً من تطبيق برنامج وطني لحشد الموارد الداخلية الذي سبق وطرحته اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير الذي يعود على البلاد بإيرادات تقدر بنحو  ما بين 12 إلى 14 مليار دولار، بالتالي يغني السودان عن الاستجابة إلى الضغوط الخارجية"، مطالباً بضرورة فك الارتباط مع روشتة صندوق النقد الدولي واللجوء لبرنامج حشد الموارد الداخلية.

ويستطرد حسين، "إن ما يحدث من رفع متواصل لأسعار الوقود كانت نتيجته في المرة السابقة ارتفاع تكلفة المواصلات على الفرد في اليوم الواحد إلى 20 ضعفاً، من 40 جنيهاً نحو (0,08) دولار، إلى أكثر من 800 جنيه، ما يعادل نحو (دولارين) في المتوسط يومياً، مما يجعل العمال والموظفين يستهلكون كل رواتبهم في المواصلات".

ويختتم، "أما بعد الزيادة الأخيرة، فإن الكارثة ستكون أكبر، لأن تكلفة المواصلات على العامل أو الموظف في اليوم قد تصل في المتوسط إلى أكثر من 1200 جنيه (3 دولارات)، كما أن ارتفاع تكلفة النقل ستؤدي إلى قفزة كبيرة بأسعار كل السلع".

تحذير من الانعكاسات السالبة

في السياق ذاته، حذر أستاذ الاقتصاد بالجامعات السودانية محمد الناير، من الآثار الموجعة التي ستترتب على الزيادة الكبيرة بأسعار الوقود، التي ستكون لها انعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين وارتفاع الأسعار، وعلى دولاب الخدمة المدنية ذات الأجور المتدنية التي فقدت جدواها، إذ "لم تعد رواتب قطاع الموظفين تفي بتكلفة وصولهم إلى مواقع عملهم"، مشيراً إلى أن الأثر الآخر سيكون في "تعطيل عجلة الإنتاج الداخلي، إلى جانب زيادة العجز في الميزان التجاري الخارجي، فضلاً عن الدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات أعلى مما هي عليه الآن، والمتوقع أن يصل إلى نسبة 500 في المئة بنهاية هذا الشهر، كثاني أكبر دولة من حيث معدلات التضخم إلى جانب فنزويلا".

ووصف الناير، القرارات بأنها "صادمة وتعبر عن الانخراط الكامل في تطبيق شروط صندوق النقد الدولي، والتعويل المفرط على وعود الدعم الخارجي الذي قد لا يأتي كل المعلن منه، أو قد يتأخر، ولا يأتي في الوقت المناسب، مما يضع الدولة في وضع حرج، بدلاً من الاعتماد على برنامج وطني باستغلال موارد السودان الطبيعية الداخلية".

إجراءات لا تتناسب مع المؤشرات

وانتقد الاقتصادي المتخصص، إقدام الحكومة على مثل هذه السياسات في ظل مؤشرات الاقتصاد الراهنة غير المستقرة، إذ إن الوضع الطبيعي هو أن تتخذ مثل هذه الإجراءات في ظل استقرار اقتصادي ومالي، لا سيما في سعر الصرف ومعدلات التضخم في مستويات جيدة، ومعدل نسبة الفقر، ثم التفكير في بدائل وخيارات معالجات آثار رفع الدعم، لتخفيف وقعها السالب على المواطن.

ويضيف الناير، "ما حدث الآن هو زيادة مضاعفة في سعر المحروقات، من خلال ما يعرف برفع الدعم من دون أن يصاحبه استقرار سعر الصرف، إذ كلما تدهور سعر الصرف أكثر سيتولد دعم جديد، ما يعني دوامة مستمرة من الزيادات في السعر"، مبيناً أنه بالنسبة إلى السودان هناك عدة عوامل تؤثر في زيادة سعر المحروقات وليس السعر العالمي وحده، أبرزها "تغير سعر العملة، وهو الذي يتسبب في الفجوات الكبيرة جداً التي حدثت في الأسعار".

المواطنون بين الدهشة والحيرة

أما على صعيد المواطن العادي، فحاله ما بين الدهشة والحيرة، إزاء الزيادات غير المحتملة في أسعار الوقود التي يعتقد أن يكون لها أثرها السالب العميق على تفاصيل احتياجات حياته اليومية، ومع رفضهم الزيادة عبر عدد كبير من المواطنين عن حيرتهم في كيفية مجاراة ارتفاع أسعار السلع الذي نجم بصورة فورية عن رفع الدعم عن الوقود، بخاصة أن زيادات مشابهة كانت قد طبقت في وقت قريب لا تزال آثارها قائمة عليهم.

يقول المواطن جلال عبد الله إبراهيم، الموظف بالدرجة الأولى في القطاع العام، "يبلغ أجري الشهري نحو 24000 جنيه (57 دولاراً)، وهو يكفي لتكلفة بنزين وصولي إلى مقر عملي مدة أسبوعين لا أكثر، ولك أن تتخيل أن لى أسرة لها احتياجات معيشية. قطعاً هذا أمر مستحيل ولا يطاق ويعبر عن مفارقة محزنة، وسؤال مؤرق، كيف سأتمكن من إعالة أسرتي مأكل ومشرب وسكن ناهيك عن تكاليف الدراسة والعلاج؟".

ويضيف عبد اللطيف أحمد عثمان، "أعتبر الزيادات التي حدثت غير محتملة، وستؤدي إلى صعوبات كبيرة في حياة المواطنين، بخاصة الموظفين وأصحاب الدخل المحدود".

ويعيش السودان أوضاعاً اقتصادية متدهورة في ظل ارتفاع الديون الخارجية التي تقارب نحو 60 مليار دولار، فضلاً عن انهيار معظم البنيات التحتية والقطاعات الإنتاجية والخدمية، وتسعى الحكومة الانتقالية الحالية التي تسلمت السلطة عقب سقوط البشير في أبريل (نيسان) 2019، إلى معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، بعد أن نجحت في إعادة السودان إلى المنظومة الدولية، برفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وانفتاح القنوات مع مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها البنك وصندوق النقد الدوليين.

وكان مؤتمر باريس لدعم التحول الديمقراطي في السودان آخر المحافل التي فتحت الباب أمام إعفاء ديون السودان، غير أن الحكومة الانتقالية لم تتمكن حتى الآن من إحداث اختراق في مجال معالجة الأزمات المعيشية التي يعيشها المواطن.