Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"القايمة" عند المصريين... مفتاح الزواج وباب الطلاق

المال والعرض في "الترند" بعدما باتت كلفة القران تقصم كاهل الجميع

الزوج في الشريعة الإسلامية ملزم بتجهيز منزل الزوجية من دون أدنى التزام بالمشاركة من قبل الزوجة أو والدها (أ ف ب)

زقزقت العصافير وطارت الفراشات وتفتحت الزهور وأينعت الأشجار وعم الحب وهيمن الوئام واختفت القوائم وتبخرت الخلافات. حتى "نيش السفرة" أيقونة كل بيت وسبب العديد من فشل زيجات وطلاق زوجات وتشريد أبناء لم يعد موجوداً.

إنه الواقع الافتراضي الذي اهتزت أركانه وتزلزلت قواعده وتصدعت منصاته أمام جملة مقتضبة لكن عميقة المغزى تقول "من يؤتمن على العرض لا يُسأل عن المال. اتقِ الله في كريمتنا"، كتبها أبو العروس بحسن نية وصفاء ذمة في ورقة كان يفترض أن تكون قائمة المنقولات المعروفة باسم "القايمة"، التي تحررها الأسر قبل زواج الابنة ضماناً لحقها في الأثاث الذي أسهمت به في عش الزوجية، إن وقع خلاف أو طلاق.

دغدغة مشاعر

كتب الأب الجملة التي دغدغت مشاعر الملايين ليس فقط في الدقهلية (شمال شرقي الدلتا)، التي شهدت الواقعة، بل في كل المحافظات المصرية ومنها إلى العالمية، وهو يظن أن الأمر لن يعدو مجرد لفتة شخصية جميلة وتوصية عائلية حميمة في احتفال خاص تنم عن ثقة عميقة في زوج الابنة يوم زفافهما. لكن في عصر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، لا توجد لفتات شخصية أو احتفالات خاصة أو توصيات حميمة. فقط لفتات شخصية على منصات التواصل الاجتماعي.

هذه المرة تحولت اللفتة الشخصية من عبارة متداولة بين الأسرتين في حفل صغير، إلى عبارة متداولة بين الملايين ومنهج مقترح لقلب موازين الزواج في مصر رأساً على عقب.

عقب خروج صورة "قائمة المنقولات الزوجية" (القايمة) إلى نور التواصل الاجتماعي، تحولت المسألة في الساعات الأولى إلى احتفاءات هائلة، وتبجيلات، هادرة ومطالبات من قبل كثيرين – ربما كانوا ملايين - إلى الاقتداء بالأب. فكلفة الزواج في مصر تقصم كاهل الجميع. فبين طلبات أهل العروس من مهر وشبكة ومؤخر وقائمة منقولات باسم الزوجة وشقة تمليك وغيرها، وطلبات أهل العريس من مشاركة النصف بالنصف في شراء الشقة أو سداد إيجارها وتأسيسها وغيرها، وأسعار الشقق الملتهبة والإيجارات المشتعلة والمشغولات الذهبية المحتقنة وكلفة إقامة احتفال وشهر عسل إلى آخر القائمة التعجيزية، بات الزواج أمراً بالغ الصعوبة في مصر المعاصرة.

أمل للخائفين والمتشككين

لكن في مصر المعاصرة تجد عبارة مثل "من يؤتمن على العرض لا يسأل عن المال" نفسها وقد تحولت إلى غاية المنى والأمل، وطوق نجاة للذكور الراغبين أو الخائفين أو المتشككين في مسألة الزواج الذي تقصم كلفته الظهور وتفرغ الجيوب وتراكم الديون. تواترت التدوينات والتغريدات والتعليقات المؤيدة للجملة وما تحمله من معان تعاود بث الحياة في عبارة "نحن نشتري رجلاً" المندثرة منذ زمن، وكيف أن والد الزوجة المحترم يجب أن يكون نموذجاً يحتذى ونبراساً يقتدى به وقانوناً وعرفاً معمولاً به وتوقفت قائمة الـ"يجب" ما إن سئل هاني علاء (58 عاماً) عن العرض والمال والائتمان في زواج ابنه المرتقب، فرحب وهلل وأيد. وبسؤاله عن تعميم التجربة طالما هي إيجابية وجميلة وعظيمة وقت زواج ابنته المخطوبة حالياً، تلعثم وتردد وتحجج بأنه يضمن ابنه ويعرفه كما يعرف نفسه. أما خطيب ابنته وزوج المستقبل فالمعرفة ليست وثيقة والثقة ليست عميقة!

عمق فكرة المال والعرض والائتمان وصل إلى بر السيدات والشابات اللاتي انقسمن فرقاً وأحزاباً. حزب المتمتمات بـ"جزاه الله خيراً" و"ما شاء الله أب عظيم وحما (والد الزوجة) ملاك"، اصطف خلفه الرجال والشباب المهللين لعظمة الفكرة. لكن الواقعية والمنطقية ظللتا ردود الفعل النسائية بعيداً عن الثقة في العريس والائتمان على النفس والمال إلى آخر قائمة المؤتمنات.

 

قصة قصيرة حزينة

وراجت قصة قصيرة حزينة على منصات التواصل الاجتماعي مفادها أن شاباً توجه وأخوه إلى بيت العروس ليطلب يدها من أبيها، فطلب الأب 100 ألف جنيه مصري (نحو 6400 دولار أميركي) مؤخر صداق لابنته. غضب الأخ وهم بالانصراف متهماً الأب بطلب تعجيزي. خشي العريس أن يفقد حبيبته، فطلب من أخيه أن يتركه يتصرف في المشكلة بمعرفته، فوافق الأخ، وعاد العريس إلى والد حبيبته وأبلغه أنه باق على ابنته وطلب منه أن يكتب 200 ألف جنيه مؤخر صداق وليس 100 ألف ليبرهن له على نيته في الحفاظ على ابنته وأن نيته خير وصفاء ووفاء، وأن طلاق ابنته من رابع المستحيلات. صعق الأب، وشعر بالحرج لطلبه التعجيزي الأول، وما كان منه إلا أن احتضن زوج ابنته المستقبلي وقال له: لست أكرم مني. وكتب في خانة المؤخر عشرة جنيهات مصرية (أقل من دولار أميركي واحد). ويقول صاحب القصة إنه وحبيبته التي أصبحت زوجته انفصلا بالطلاق قبل خمسة أعوام، وأن طليقته كلما رأت والدها قالت له "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بابا!".

من "بابا" إلى "ماما"

ومن "بابا" الذي ائتمن على العرض فتخلى عن المال إلى "ماما" أو بالأحرى آلاف الأمهات "المتلطمات" الحائرات الضاربات أخماس كلفة الحياة ومصروفات الأولاد في أسداس تهرب الطليق من دفع النفقة وإعالة الأبناء وادعاء الفقر. تقول الأرقام الواردة من المجلس القومي للمرأة، إن 70 في المئة من إجمالي الدعاوى المقدمة أمام محاكم الأسرة في مصر خاصة بالنفقة. كما أن الغالبية المطلقة من الشكاوى التي ترد للمجلس تتعلق بالنفقة أيضاً.

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2020)، فإن معدلات الطلاق في مصر شهدت زيادة كبيرة عام 2019، إذ تقع حالة طلاق كل 2.11 دقيقة، وذلك بزيادة 8 في المئة مقارنة بعام 2018.

تقول شيرين علي (40 عاماً) إنها منذ طلاقها من زوجها قبل سبعة أعوام وهي تسعى في أروقة المحاكم للحصول على نفقة مناسبة للإنفاق على الأبناء. وعلى الرغم من أن تأسيس محاكم الأسرة عام 2004 هدف إلى سرعة التقاضي في مثل هذا النوع من القضايا التي لا تحتمل الانتظار، فإن ساحات محاكمها تتحدث عن مآس يومية، من ضمن سماتها الرئيسة أم مطلقة تسعى إلى الحصول على نفقة ومؤخر وحقوق مادية وزوج يتنصل ويتهرب، وإما يدعي الفقر أو يعانيه فعلياً، وإن كان الأخير لا يمنع البعض من الزواج بأخرى مع عدم سداد حقوق الأم المطلقة.

الزوج المليونير

زوج شيرين علي "مليونير"، بحسب قولها، في إشارة إلى قدرته المالية للإنفاق على الأبناء. وعلى الرغم من ذلك، قدم "مستندات رسمية" إلى البنك يثبت بها أنه لا يستطيع الإنفاق على أبنائه إلا في حدود المستطاع. هذا "المستطاع"– بحسب ما تشرح علي - هو إلحاق الأبناء الذين كانوا في مدرسة دولية بمدرسة حكومية واستئجار شقة في منطقة الزاوية الحمراء الشعبية في القاهرة بديلاً عن شقة مصر الجديدة التي يمتلكها وباعها لموظف لديه في الشركة التي يملكها صورياً نكاية في الزوجة.

الزوجة (المصنفة باعتبارها العرض في الترند الدائرة رحاه هذه الأيام) وما لها وما عليها، دفعت دار الإفتاء إلى الدخول على خط العرض والمال والائتمان. وقالت الدار إن الشرع أعطى الزوجة حقوقاً معنوية ومادية، وجعل لها ذمة مالية مستقلة، وفرض لها الصداق وأنها صاحبة الحق في التصرف فيه. كما أعطاها الحق في أن تبيع وتشتري وتهب وتقبل الهبة وغير ذلك مِن المعاملات المالية ما دامت رشيدة، شأنها في ذلك شأن الرجل.

وقالت دار الإفتاء كذلك إن "المرأة تشارك في إعداد البيت مستخدمة مقدم بيت الزوجية بمقدم صداقها، سواء أمهرها الزوج الصداق نقداً أو قدمه إليها في صورة جهاز أعده لبيت الزوجية. وهذا الجهاز يكون ملكاً للزوجة ملكاً تاماً بالدخول، وتكون مالكة لنصفه بعقد النكاح إن لم يتم الدخول؛ كما جاءت بذلك نصوص القرآن الكريم وسنة سيدنا رسول الله (ص)".

وتابعت الدار في فتواها "عادة ما يكون هذا الجهاز في بيت الزوجية الذي يمتلكه الزوج أو يؤجره من الغير، فيكون الجهاز تحت يد وقبضة الزوج، فلما ضعفت الديانة وكثر تضييع الأزواج لحقوق زوجاتهم رأى المجتمع كتابة قائمة بالمنقولات الزوجية (قائمة العَفْش)؛ لتكون ضماناً لحق المرأة لدى زوجها إذا ما حدث خلاف بينهما، وتعارف أهل بلادنا على ذلك".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العرف مصدر تشريع

وأشارت دار الإفتاء إلى أن العرف من مصادر التشريع الإسلامي، ما لم يتعارض ونص من كتاب أو سنة أو إجماع.

ووصفت الدار "قائمة المنقولات" (القايمة) بأنها فكرة حسنة وتحفظ حقوق الزوجة وهو ما لا يضر الزوج. كما أنها لا تتناقض ونصاً شرعياً أو قاعدة فقهية. وأضافت في فتواها "فهي ليست البدعة المذمومة المنهي عنها، بل هي بدعة مستحسنة ممدوحة، يصح أن يقال فيها وفي أمثالها كما قال عمر، رضي الله تعالى عنه: نِعمَتِ البِدعةُ".

وانضم "مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية" للجدل الدائر، مشيراً إلى أن المغالاة في المهور ليست من مقومات الزواج السعيد، لكن الصداق في الوقت نفسه من الآثار المترتبة على عقد الزواج، والواجبة على الرجل للمرأة، وأنه إذا تم الزواج فقد ثبت للمرأة الصداق المتفق عليه، وإن لم يطلق عليه اسم مهر، "فللمرأة مهر مثيلاتها من النساء، ولها أن تتنازل عنه أو عن جزء منه بعد إتمام الزواج، ولكن لا يحق لها أن تتنازل عنه بداية قبل ثبوته بالعقد؛ إذ التنازل لا يكون إلا بعد الملك".

في المقابل، يقول أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر الشريف مبروك عطية، إنه لا يوجد شيء في الدين الإسلامي اسمه "قايمة"، التي لا وجود لها إلا في عرف الناس. وأضاف أن الزوج ملزم بسداد الصداق المؤجل بالطلاق أو الوفاة، مشيراً إلى أن الزوج في الشريعة الإسلامية ملزم بتجهيز منزل الزوجية من دون أدنى التزام بالمشاركة من قبل الزوجة أو والدها بـ"طوبة واحدة".

طوبة وطوبى

فاتن م. (42 عاماً) لم تكتف بالمشاركة بطوبة بل بكل الطوب اللازم لبناء بيت الزوجية، إضافة إلى تأسيسه كاملاً بما في ذلك الأجهزة الكهربائية. تقول "حين يكون بيت الزوجية وأثاثه وتجهيزاته من مال العروس، فإن ائتمان العريس – أي عريس – عليها وعلى ما تملك من الأصل خطأ فادح. طوبى للأذكياء"! تحكي عن تجربة زواجها الأولى من شاب ائتمنته على نفسها وما تملك فسلبها كل ما تملك وطلقها، وهو ما دعاها إلى اعتبار جميع الرجال غير مؤهلين للائتمان.

وعلى الرغم من قصص وحكايات تتواتر عن زيجات ائتمانية ناجحة ودعوات إلى افتراض حسن النية، فإن الاتجاه الأقوى والصوت الأعلى للقصص والحكايات والتوجهات التي إما تميل إلى الائتمان المتأني المشوب بالحذر، أو اعتبار مسألة المال والعرض والائتمان المكتوبة في قائمة المنقولات هي والعدم سواء.

لخصت إحدى المغردات الوضع بتغريدة قالت فيها "ستؤتمن على العرض، وستُسأل عن المال، وستأخذ الزبالة (القمامة) معك وأنت نازل وستشتري حاجة حلوة (حلوى) وأنت راجع".

بقي فريق واحد في جدال المال والعرض والائتمان، وهو فريق نسوي غاضب ومتضرر ومستاء من متلازمة المرأة والعرض بمعنى الشرف أي إقامة العلاقات الجنسية ودور الرجل في الحفاظ عليه أو هتكه. هذا الفريق– وأغلبه من النساء- يرى أن عرض المرأة بغض النظر عن مكوناته سواء كان علاقات جنسية فقط أو أخلاقاً وسلوكيات عامة تحميه المرأة، وعرض الرجل يحميه الرجل، ولا وصاية على أحد لحماية عرض الآخر.