"منتدى الاقتصاد العربي": تحدياتنا تحفيز النمو وإيجاد فرص عمل

بيروت الرازحة تحت أعباء اقتصادية استضافت الدورة الـ 27 للمؤتمر

رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري متحدثاً في "منتدى الاقتصاد العربي" في بيروت (رويترز)

في ظلّ الحروب الاقتصادية والتجارية الدائرة بين دول العالم الكبرى، تلقي التغيرات السياسية المتسارعة في العالم العربي بثقلها على دوله النامية، التي تجهد من أجل الصمود بوجه التحديات الكبيرة، خصوصاً لجهة تسريع النمو وتنويع مصادره وخلق فرص العمل.

وبينما يعيش لبنان أزمة اقتصادية قد تكون الأصعب في تاريخه، استضافت بيروت "منتدى الاقتصاد العربي" بدورته السابعة والعشرين، الخميس في الثاني من مايو (أيار)، وذلك برعاية رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وحضور ضيف الشرف رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، على رأس وفد مصري رفيع ضمّ عدداً من الوزراء، والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، إضافة إلى أكثر من 600 شخص من 23 دولة، بينهم سياسيون ورؤساء مصارف ورجال أعمال من مختلف أنحاء البلدان العربية.

إصرار لبناني لمواجهة التحديات

وخلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى الذي أقيم في فندق فورسيزونز، رأى الحريري أنّ "التحدّي الأبرز المشترك بين دولنا (الدول العربية) اليوم هو كيفية تحفيز النمو وتنويع مصادره لإيجاد فرص عمل لشبابنا"، مؤكّداً أنّ هذا الأمر لا يمكن تحقيقه من دون تنفيذ إصلاحات من شأنها تطوير اقتصادات الدول العربية وتحديثها.

وشدّد الحريري في كلمته على ضرورة تحديث الدول العربية، ولبنان خصوصاً، إجراءاتها وقوانينها وإداراتها وتعزيز الحوكمة والشفافية فيها، والتخلّص من الهدر والفساد، كي يتمكّن القطاع الخاص من تحقيق إمكاناته، وإلّا لن تشهد هذه الدول "لا نمواً ولا ازدهاراً ولا استثمارات".

 

وفي ما يتعلّق بلبنان، قال الحريري إنّ بلاده تواجه تحديات كبيرة، مؤكّداً في الوقت ذاته إصراره ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب على القيام بالإصلاحات المطلوبة، وأضاف أنّ الحكومة تنفّذ خططاً إصلاحية "تصبّ في النهاية في مصلحة الوطن وتطوير الاقتصاد وتوفير فرص عمل للشباب"، مشدّداً على أهمية الاستفادة من التجربة المصرية خلال السنوات الماضية في مجالات الكهرباء والاتصالات والغاز والبترول وغيرها من القطاعات.

وتمنّى الحريري أن تمتدّ "عدوى" التطوّر التي "بدأت ربما في الخليج، حيث هناك تغييرات وانفتاح، واليوم نراها في مصر" إلى العالم العربي أجمع، "حتى نكون جميعاً فريقاً واحداً نعمل سوية".

مصر تلمس أولى نتائج إصلاحاتها

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الذي حلّ بلده ضيف شرف في المنتدى، رأى بدوره أنّ الدول العربية "تحتاج إلى تنسيق الجهود الاقتصادية العربية، ودمج القطاع الخاص بصورة أكبر في مشروعات التنمية".

وأشار مدبولي أيضاً إلى أهمية الاستثمار في رأس المال البشري الذي تتمتّع به المجتمعات العربية مع ازدياد نسبة الشباب فيها، وذلك في مجالي التعليم والرعاية الصحية، وإلى أهمية الاستفادة من أنشطة الاقتصاد الجديد القائم على تكنولوجيا المعلومات والمستجدات الرقمية.

وفي التجربة المصرية، عرض مدبولي الإصلاحات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتحقيق النموّ الشامل والمستدام وزيادة القدرات التنافسية وإعادة ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري وتحفيز النمو الاقتصادي الذي يقوده القطاع الخاص، مشيراً إلى أنّ الحكومة أطلقت "استراتيجية التنمية المستدامة: رؤية مصر 2030" في فبراير (شباط) عام 2016، لتكون الإطار العام المنظّم لبرامج العمل خلال السنوات المقبلة.

 

وأكّد مدبولي أنّه "على الرغم من صعوبة التحديات، إلا أنّ مصر بدأت بالفعل تجني بعض الثمار والنتائج الإيجابية للإصلاحات والجهود المبذولة خلال الفترة الأخيرة، وجاء أهمّها في تحقيق الاقتصاد المصري أعلى معدّل نمو سنوي منذ عشر سنوات، بلغ 5,3 في المئة خلال العام المالي 2017-2018"، إضافة إلى نمو الصادرات غير البترولية وتحقيق فائض في ميزان المدفوعات وارتفاع حجم احتياطيات النقد الأجنبي وانخفاض معدلات البطالة.

التنمية باب الاستقرار

أمّا الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط فاعتبر أنّه من دون التنمية والنجاح الاقتصادي اللذين يأخذان المنطقة "إلى أفق جديد من النمو والازدهار"، ستظلّ المجتمعات العربية "بعيدة من الاستقرار الحقيقي، وسيبقى أمننا مُهدداً، إذ إنّ التنمية هي خط الدفاع الحقيقي للحفاظ على تماسك المجتمعات واستقرارها".

وقال أبو الغيط إنّ "الشباب هم قلب التنمية العربية"، لكنّهم لا يزالون "طاقة كامنة تنتظر من يوظفها"، مشيراً إلى أنّ خلق الوظائف وحده غير كاف، بل ينبغي "خلق الوظائف الملائمة لتعليم الشباب وخبراتهم، إذ إن نسب البطالة ترتفع بشدة في أوساط شباب متعلمين".

وتابع الأمين العام للجامعة أنّ الاقتصاد الجديد "يرتكز في الأساس على الإبداع والابتكار كمولد للقيمة المضافة، والمدن العربية مدن شابة وبإمكانها أن تكون مدناً مبتكرة"، لافتاً إلى أنّ ذلك "يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية جوهرية في نظم الاقتصاد العربية من أجل إطلاق المنافسة وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة وجذب الاستثمار في المجالات الإنتاجية التي تُساعد على نقل التكنولوجيا والخبرات، وليس فقط تحقيق الأرباح السريعة. وإنّ غايتنا المنشودة هي منتج عربي يحمل قيمة مضافة معتبرة، وقابل للتصدير والمنافسة عالمياً".

تحديات النمو

وفي اختتام الجلسة الافتتاحية للمنتدى، الذي نظّمته "مجموعة الاقتصاد والأعمال"، كُرّم كلّ من الحريري ومدبولي وأبو الغيط ورئيس اتحاد مصارف الكويت عادل الماجد والأمين العام التنفيذي لمنظمة "إسكوا" د. رولا دشتي.

وتخلّل برنامج المنتدى خمس جلسات حاكت تحديات النمو ودور المصارف في دعم النمو وتعزيز استقطاب البلدان العربية للاستثمارات، وخصّصت الجلستان الأخيرتان لبحث الآفاق الاقتصادية في كلّ من مصر ولبنان.

الليرة اللبنانية "مستقرّة"

وفي سياق متّصل، أكّد حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة أنّ الليرة اللبنانية مستقرة وستظلّ مستقرة، وذلك بعيد لقائه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون الخميس في قصر بعبدا.

 

وعلى ضوء أزمة سكنية يواجهها الشباب اللبناني لغياب القروض المدعومة المخصّصة لهذه المسألة، كشف سلامة أنّ "المصرف المركزي سيدعم قروضاً سكنية و(قروضاً) للقطاعات الإنتاجية"، متمنياً أن تكون الموازنة المرتقبة "على المستوى الذي تأمله السوق".

يذكر أنّ الحكومة اللبنانية تبحث في جلسات مستمرّة مشروع قانون الموازنة المقدّم من وزير المال، بغية إحالته إلى المجلس النيابي لإقراره، وذلك تحت ضغوط اقتصادية كبيرة ودين عام بلغ نحو 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبنان. ويضع هذا الواقع الحكومة أمام تحدٍّ كبير لخفض الإنفاق وزيادة المداخيل، تلبية لشروط "مؤتمر سيدر" الذي وعد العام الماضي بتقديم قروض ميسّرة إلى بيروت وفق شروط محدّدة، شملت اتخاذ الحكومة سلسلة إصلاحات لخفض العجز والإنفاق.

المزيد من العالم العربي