سجال الشعر والفلسفة

الفيلسوف نفسه إذا ما طرق باب الشعر، فأن عقليته الفلسفية سوف تمتزج بحس وجداني رقيق

تمثال للفيلسوف اليوناني أفلاطون (بيكسباي) 

إن الشعر أقدم وجودًا من الفلسفة بزمن طويل، إذ يعود إلى بدايات تكوين الحضارات الإنسانية. وأن ملحمة "كلكامش" (حوالي 2000 ق.م) في نينوى في العراق، وملحمة "أقهات" في سوريا (منتصف 1300 ق.م).

وكذلك الملحمتين: "الإلياذة" و"الأوديسي" للشاعر اليوناني هوميروس (القرن الثامن ق.م)، والملاحم الهندية الكبرى الثلاث: "ماهاباراتا" (مابين 400 إلى 200 ق.م) و"رامايانا" التي تتألف من 24 ألف بيت شعري، و"بوراتاس" التي امتد تأليفها إلى سنة 1000 ميلادية؛ أقول كل تلك الملاحم وغيرها، هي أدلة جلية على عمق الشعر بالوجود الإنساني.

وكما هو معروف، إن الشعر ينطلق من الأحاسيس والوجدان والشعور في الوصف والتعبير لأي شيء. ولذلك مهما تفلسف بعض الشعراء في قصائدهم، فإنهم بصورة أو أخرى لا يخضعون إلى الفلسفة تمامًا. أعني كمنهج والتزام بمبادئها العقلية والمنطقية، لأن التقلبات النفسية يدركها العقل دونما أن يكون باعثًا لها.

وفي كتاب: "الجمهورية" ينص أفلاطون (427-347 ق.م) قائلًا: "إن الشعر يقودنا إلى الشعور العميق بأحزان والآم الآخرين، وعليه فإنه يصغر نفوسنا ويضعف عزائمنا ويبعدنا عن أداء مهام واجباتنا. وإذًا يجب أن يكون الشعر مختصاً بتسابيح الآلهة فقط". لأن عملية إصلاح النفوس، بحسب رأيه، أمر ليس هينًا بالمرة.

وإذا أجاز أفلاطون من الشعر تقريظ علّية القوم والأعمال الشريفة التي يبرز فيها دور الشعر وشأنه بين الناس، لكنه يرفض: "هيسود وهوميروس، وشعراء آخرين أيضًا، لأنهم ألّفوا وذكروا الخرافات الزائفة ذات الصلة بالبشرية، وما زالت صلتهم بها... فعندما الشاعر، في تأليفه، يُظهر تمثيلاً سيئًا لطبيعة الآلهة والأبطال، فإنه كما يرسم الرسام صورة لا تشبه على الإطلاق ما كان يعتزم رسمه". (الطبعة الانجليزية). 

أمَّا الفلسفة عند أفلاطون فهي منهج الحياة القويمة، وفيها تقوم سعادة البشرية جمعاء، إذ من خلالها يكون معرفة "الخير" و"العدل" على أُسس عقلية متينة تؤدي بالفرد إلى بلوغ درجة الكمال في المجتمع. فبالنسبة إلى أفلاطون كلما ازدادت معرفتنا الفلسفية، ازداد فينا النضج العقلي، وبذلك يقل ويضمحل "الشر" من نفوسنا.

وعليه فإن عمل الفلسفة أهم وأرقى نفعًا من عمل الشعر، وإن منزلة الحاكم الأعلى في الدولة تليق بالفيلسوف، كونه الأكفأ والأقدر من الشاعر أو السياسي أو غيره. ورغم إن أفلاطون نبغ في الشعر الغزلي والتمثيلي وكتب المسرحيات، فضلا عن مشاركته في عدد من المعارك وتعرض للأسر وتم بيعه كالعبيد، إلا إنه اعتنق مبادئ أستاذه سقراط (468-399 ق.م)؛ ولذلك فقد فضّل الفلسفة على الشعر، أو العقل على القلب.

أمَّا تلميذه أرسطوطاليس (384-322 ق.م) فقد ركز بكتابه الموسوم "في الفن الشعري" على إن "شعر الملحمة والمأساة، وكذلك شعر المَلهَاة والاسطورة، ومعظم العزف على الناي وعزف القيثارة، يُنظر إليها كلها، أنماط محاكاة تقليدية. لكنها في الوقت نفسه تختلف عن بعضها البعض بثلاث طرق، إمَّا باختلاف النوع من وسائلها، أو باختلاف في المواضيع، أو بطريقة محاكاتها التقليدية". (الطبعة الانكليزية).

هذا يعني أن الملاحم الشعرية، عند أرسطو، بكل أنواعها الأسطورية والمأسوية والفكاهية، ورغم ما يصاحب بعضها من عزف القيثارة والناي، فإنها جميعًا ليست أكثر من "صيغ محاكاة". علاوة على أن الاختلافات الموجودة بين بعضها بعضًا يكون إمَّا في النوع أو المعنى أو الأسلوب ليس إلا. ومن هنا، يؤكد أرسطو على أن المحاكاة الشعرية بمختلف صورها تكون متصلة أو ذات قرابة فيما بينها. كما هو الحال مع قصائد سوفوقليس تجاه أشعار هوميروس. وكذلك بالنسبة إلى قصائد أرسطوفان، الذي يكتب على نمطهم أيضًا. أي إن الشاعر يُقلد ويُحاكي لا أكثر.    

إن هذا التشخيص الفلسفي للشعر، يُراد منه إبراز مفهوم الواقع على أساس المفهوم العقلي له. بمعنى آخر، إن الواقع بكل أشيائه وظواهره يمكن إدراكه بالعنصر العقلي لا بعنصر أدنى منه. وبناءً على هذه القاعدة، ركز فلاسفة اليونان على أولوية الفلسفة بالحياة الإنسانية دون الشعر. كما وإن هذه الأولوية جعلت أفلاطون أن يُنصّب الفيلسوف حاكمًا مثاليًا يتربع على رأس السلطة الهرمية المثالية، بينما الشاعر مهما أجاد "فن التقليّد" وحاكى الواقع، فإن منزلته تبقى أدنى وأقل.

وإذا كان موقف أفلاطون في جمهوريته هو هكذا، فإن أبي نصر محمد الفارابي (870-950)، الذي تأثر بالفيلسوفين أفلاطون وأرسطو على حد سواء، فإن كتابه "المدينة الفاضلة" يساوي فيها، من حيث المبدأ المعرفي، بين منزلة الفيلسوف ومنزلة النبي. بيد أن الأول يسعى جاهدًا في تحصيل المعرفة، بينما الثاني يتلقاها مباشرةً من اللوح المحفوظ؛ حيث ينذر بما سيكون ويخبر بما هو آتٍ من الجزئيات. وهذا "الإنسان" في أكمل مراتب الإنسانية وأعلاها في درجة السعادة.

وعلى هذا النهج، كذلك سار أبو علي الحسين أبن سينا (980-1037) مقتفيًا الفارابي وأرسطو. إلا أن قصيدته "العينية" التي نظمها على خطى أفلاطونية رغم فلسفته الأرسطية، إذ يصف فيها نزول النفس من العالم الإلهي لتسجن في جسد الإنسان الفاني، كأنها حمامة في قفص هذه الطبيعة، والتي تشتاق إلى عالمها الأزلي. أقول إن هذه القصيدة أستوقفت الكثير من الباحثين والدارسين، لأن أبن سينا قد خرج فيها عن طور فلسفته؛ كأنها جوهرة مميزة في كنزٍ سيناوي. يقول في مطلعها:
هبطت إليكَ من المحل الأرفَعِ       
ورْقاء ذَاتُ تعَزَزٍ وتَمَنّعِ
محجوبةٌ عن كل مُقْلةِ عارفٍ         
وهي التي سَفرَتْ ولم تَتَبرقعِ
وصلتْ على كُرهٍ إليكَ ورُبما               
كرَهتْ فراقَكَ وهي ذَاتُ تَفَجّعِ  
أنفَتْ وما أنسَتْ فلما واصَلتْ         
ألفتْ مُجاورةَ الخَرابِ البَلقَعِ
وأظنّها نسيَت عُهودًا بالحمى
ومَنازِلًا بفَراقها لم تَقْنّعِ

هذا ويُعتبر أبو العلاء أحمد المعري (973-1057) من أقوى شعراء العرب فلسفةً، لا لكونه صاحب نظرية عقلية خاصة، أو منهج فلسفي واضح ومتكامل؛ بل لكونه قد تفلسف بالإنسان والطبيعة والوجود والماورائيات، تفلسفًا شعريًا مسهبًا ومميزًا. ولذلك يطلقون عليه لقب "شاعر الفلاسفة" أو "فيلسوف الشعراء". غير أن تقلباته النفسية الحادّة، التي تجتاحه بسبب عاهته المستديمة وحظه العاثر والصراعات السياسية المتوالية بين الحمدانيين والبيزنطيين؛ بالإضافة إلى الاضطرابات الفكرية والنزاعات المذهبية بين فِرق المسلمين، جعلت فلسفته الشعرية ذات صبغة تشاؤمية قاتمة، سبق فيها فلسفة التشاؤم عند آرثر شوبنهاور (1781-1860)، وعدميٌ أقدم من عدمية الوجوديين أمثال: مارتن هيدجر (1889-1976) وجان بول سارتر (1905-1980) وغيرهما. يقول المعري في بعض أبياته المتفرقة:
حياةٌ ثم موتٌ ثم بعثٌ:                 
حديثُ خرافةٍ يا أمَّ عمرو
لعمري لقد أعيا المقاييس أمُرنا  
فحدسُنا عند الظهيرة مظلمُ
في العُدم كنّا وحُكمُ الله أوجدنا    
ثم اتفقنا على ثانٍ من العَدَمِ
نمرُّ سراعًا بين عُدمين ما لنا     
لبًاّثٌ كأنّا عابرون على جسرٍ

ورغم إن هذا النفي بوجود ميعاد آخروي يخالف فيه ما ينصّ عليه الدين الإسلامي، إلا إن الحقَ، والحقُ يقال، بأن المعري مهما كانت تقلباته السلبية تجاه أمور الدين والمجتمع والحياة، فإنه سرعان ما تنتابه شحنة تفاؤلية يُعيد فيها أدراجه نحو الإيمان:
أُؤَمّل عفو الله والصدر جائش     
إذا خلجتني للمنونٍ الخوالج
ليشغل بذكر الله عن كل شاغل     
فذلك عند اللب خير كلام
أأخشى عذاب الله والله عادل       
وقد عشت عيش المستظام المعذب؟

والعجز الأخير أعلاه، يعكس جانبًا من حقيقة حياة المعري المُرّة، سواء كانت فكرية أو تتعلق بمباهج الدنيا، التي حُرّمَ من نعيمها منذ طفولته. بالاضافة إلى إنعدام حظه تجاه أي شيء يبغيه: "الله أكبرُ ما أشتريت بضاعةً، إلا وأدرك سوقها الإكسادُ". وهذا ما يدفعنا إلى القول، إن فلسفة الشاعر تتلظى بجمرات خلجاته وهواجسه أكثر من يقين العقل والرأي القاطع.

صفوة القول، إن الشعر عند المعري أو نُظمُه عند أبن سينا، يبقى منفردًا بمنزلته الأدبية العالية. وهذا يعود طبعًا إلى عمق اللغة، وقواعد نحوها الدقيق والمُعقد، والذي تطور مع تطور العقل العربي الإسلامي، وإسهاماته بمختلف الأصعدة الفلسفية والفكرية والاجتماعية الخ.

وهنا، نود أن نشير إلى إن الفيلسوف نفسه إذا ما طرق باب الشعر، فأن عقليته الفلسفية سوف تمتزج بحس وجداني رقيق قد تصبغ أفكاره بألوان من غير حقلها. وهذا الأمر، بالذات، قد جعل فردريك نيتشة (1844-1900) أن يتدارك ويقول عن موقفه الفكري "التفلسف بالمطرقة"، وذلك عندما أيقن تلكؤ عقله حيال بعض المسائل والمشكلات الفلسفية. وفي إحدى قصائده في كتابه: "هكذا تكلم زرادشت" (الطبعة الانكليزية) يقول:
هل أنت طالبُ حقيقة؟
لا! أنت شاعرٌ وحسبْ،
تتكلم بالاستعارة والتشابه،
المفعمة شعرًا، لا حقيقة لها
غير القناعُ ذاته،
ما أنت إلا مجنون! ما أنت إلا شاعر!

وفي قصيدة أخرى، يروي فيها وضعه في الصحراء، وهو جالسٌ تحت سعف النخيل يُراقب هزاتها والتوآتها كراقصة مغرية فيها بهجة دائمة. لكن الوضع الجسدي الهادئ لا ينفصل عن الوضع النفسي المضطرب، فتنعكس بداخل نيشته رغبات شريرة ومجنونة:
كأني مثل هذه التمور عند الظهيرة
تتطاير من حولها الهوائم الصغيرة
وتجول في نفسي رغبات كثيرة
أقل من هذه المجنحات الوفيرة
لكنها أشدُّ جنونًا منها وشريرة.

أمَّا الشاعر والفيلسوف جورج سنتيانا (1863-1952)، الذي شيد صرح أفكاره على هيكل فلاسفة اليونان. فقد أخذ من ديمقريطس (460-370 ق.م) مفهوم الذرة المادية، ومن أرسطو مبدأ الأخلاق، مفضلا إياها على مفهوم الأخلاق عند عمانوئيل كانت (1734-1804)، لأن الأخير ينص على إن الأخلاق تكون مطبوعة بطابع الواجب، بينما سنتيانا عندما يسلم بالأخلاق اليونانية القائلة: "أفعل هذا لأنه يؤدي إلى سعادتك"، فإن هذا المنطق يدعم بشكل كبير فلسفة الذرائع الأميركية التي اعتنقها ودافع عنها.

وإذا ترك سنتيانا تفسير ماهية المادة إلى علماء الذرة في سبر غورها، إذ يكفيه أن "يسميها مادة" وحسب. وإذا تخطى المفهوم الديني لأنه، وفق ما يعتقد، لا يضيف شيئًا إلى العالم حينما نقول: إن له خالق يتمثل في "الله". فإن سنتيانا، رغم موقفه الإلحادي، يُظهر في شعره خلاف أفكاره الفلسفية حيث يقول:
العالم بلا ربوبية، هو
عالمٌ موحشٌ لا متعة
فيه، ولا لذة.

إن سنتيانا عبر رؤيته الشعرية المتفلسفة للأشياء، لم يُقدم فيها نظرية جديدة تخدم وروح العصر الذي يحيا فيه، بل إنه فضل فلسفة القدماء على الحديثين والمعاصرين. ويرى سنتيانا أيضًا، إن الفلسفة فنٌ للتعبير عن الرؤى في القضايا والمسائل الانسانية الكبرى.

في الواقع، إن الفلاسفة الشعراء أمثال: نيتشة وسنتيانا وغيرهما من الذين يُسيّرون الفلسفة على حساب الشعر، أو الشعراء الفلاسفة مثل: المعري وغيره، حيث تمشية الشعر على الفلسفة، فإن أفكارهم لا بدّ وأن تتضارب بين الجانبين الحسي والعقلي، بين المادي والروحي؛ وإن "عينية" أبن سينا خيّرُ دليل. وعليه، فإن المعري، رغم مناصرته وتبيانه لأهمية العقل، حتى قال عنه: "فأسلنه فكل عقل نبي". إلا إننا لا نستطيع أن نصفَ المعري بالفيلسوف العقلي، وذلك لقلة التزامه المفاهيم الفلسفية للعقل. وكذلك لا نستطيع أن نقول بحق سنتيانا، إنه فيلسوف طبيعي، رغم قوله: "إني في الفلسفة الطبيعية مادي صميم". لأن بعض قصائد سنتيانا، تنم عن نكهة روحانية في هذا العالم. وهكذا يبقى الأمر سجالاً بين الشعر والفلسفة.   

المزيد من آراء