Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تزداد نسب العنف في تونس؟

أثرت الأزمات السياسية والاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية في المزاج العام

عناصر من الشرطة التونسية (أ ف ب)

في آخر تقرير له حول نسب العنف في البلاد، أكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ارتفاع العنف الإجرامي عام 2020 بنسبة تزيد على 63 في المئة عما كانت عليه عام 2019.

ويتصدّر هذا النمط من العنف المتمثل في القتل، والاعتداءات، والسرقات، والتعنيف، الأنواع الأخرى المسجلة في تونس، ويليه العنف الانفعالي ثم الجنسي.

كورونا كشف عن هشاشة المنظومات

ومثّل الأطفال والقُصّر والنساء الفئات الأكثر تضرّراً من هذا العنف، وفي ما يتعلق بالتوزيع الجغرافي لنسب العنف عام 2020، استأثرت ولايات تونس العاصمة وسوسة والقيروان، بما يناهز نصف الحالات المرصودة.

واعتبرت نجلاء عرفة، منسّقة المرصد الاجتماعي التونسي، التابع للمنتدى في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن جائحة كورونا كشفت عن مشكلات بنيوية تعود إلى أرضية مهيّأة جاهزة لتفشي الظواهر العنيفة، وأرجعت تزايد منسوب العنف إلى ما تعيشه المنظومة التربوية العامة والمنظومة الصحية من تهميش.

وأضافت أن المعطيات التي قُدّمت هي نتيجة عملية رصد، يقوم بها المرصد الاجتماعي، لافتة إلى صعوبة الحصول على أرقام رسمية حول تنامي ظاهرة العنف، وأشارت عرفة إلى أن العنف ضد المرأة، تضاعف بدوره ثماني مرات خلال عام 2020، بسبب الحجر الصحي، وتحدثت عن ضرورة وضع سياسات عامة لمعالجة الظاهرة، وفق مقاربات شاملة سوسيولوجية واقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية.

حالة من التردد وعدم الثقة

وأثّرت حالة الإرباك السياسي، التي تعيشها تونس، في المزاج العام للتونسيين، وساد مناخ من عدم الثقة والعنف، وأصبح ردّ الفعل العنيف هو الأقرب في الحياة اليومية.

وأكد محمد الجويلي، المتخصص في علم الاجتماع والمدير السابق للمرصد الوطني للشباب، أن الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد، بما فيها من صراعات وتجاذبات، أثّرت بشكل مباشر في المواطنين وفي طريقة تعاملهم مع واقعهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشدد على أن الوضع الاقتصادي المتدهور، خلق حالة من التردد وعدم الثقة، جعلت التونسي في موقف دفاعي لشعوره الباطني بالتهديد، وأصبح رد فعله عنيفاً حتى على إثارة بسيطة، معتبراً ذلك حالة عاطفية، فيها الكثير من اللايقين، ما خلق هشاشة نفسية واجتماعية، يشعر الفرد خلالها بالضعف والتهديد، في أي لحظة، فيكون ردّ فعله عنيفاً تجاه الآخرين، أو حتى تجاه نفسه، وقد يدخل في مرحلة تدمير الذات، من خلال اللجوء إلى السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، كالانتحار أو استهلاك المخدرات.

من جهة أخرى، رأى الجويلي أن الشعور بضعف الدولة ومؤسساتها وتفشّي ظاهرة الإفلات من العقاب، يدفع الشخص إلى التعويل على الذات في استرجاع الحقوق أو في الدفاع عن النفس، معتبراً ذلك أمراً خطيراً لأنه ينسف مقومات البنية المجتمعية الطبيعية ويؤسس للفوضى.

دولة القانون والمؤسسات

ودعا الجويلي إلى ضرورة استرجاع مؤسسات الدولة أدوارها، من المدرسة إلى المعهد إلى الجامعات، إلى مكوّنات المجتمع المدني، معتبراً ذلك قاطرة التأسيس لمشروع مجتمع يقوم على القانون والمؤسسات.

وأكد أن المقاربة السياسية من خلال هيبة الدولة، والفعل السياسي المتوازن والهادف والخالي من العنف، هي الحل نحو تنقية المشهد من شوائب العنف، كما اعتبر أن عودة الحركة الاقتصادية تدريجاً بعد التعافي من جائحة كورونا ستقلّص من نسب هذه الظاهرة، بعد الانصراف إلى العمل وتحصيل القوت.

حوار وطني واستقرار سياسي

من جهته، قال بالعيد أولاد عبد الله، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية إن المجتمعات المتوازنة هي التي تنتشر فيها ثقافة العمل والاجتهاد والمثابرة، بينما في تونس يتم تبخيس جهود الابتكار والتجديد، مقابل الترويج لثقافة التواكل، داعياً إلى إعادة النظر في دور المؤسسة التربوية وتنقية محيطها من خلال توفير الأمن، ومعتبراً أن المدرسة لم تعُد مساهِمة في الرقي الاجتماعي، كما كانت من قبل، وطالب بإطلاق حوار وطني من أجل الاستقرار السياسي، ودفع عجلة الاقتصاد لتقليص نسب الجريمة التي باتت تهدّد الجميع، وشدّد أولاد عبد الله على أن حالة الانفلات الأمني وعدم الشعور بالأمن الاجتماعي والاقتصادي، يدفعان إلى تنامي ظواهر العنف والجريمة.

تحسين ظروف المؤسسة الأمنية

في المقابل، نوّه الأستاذ المحاضر في التاريخ المعاصر في الجامعة التونسية، والمتخصص في التاريخ الأمني والعسكري فيصل الشريف، بجهود المؤسسة الأمنية في التصدي للجريمة، داعياً إلى تحسين ظروف عملها، وتزويد المراكز الأمنية بالتجهيزات الضرورية واللائقة للعمل، علاوة على تأطير عناصرها وتأهيلهم لمواكبة تطورات الجريمة في العالم، واعتبر أن عنصر الأمن هو الخط الأخير لمواجهة من يمارس العنف، ودوره هو الردع، مشيراً إلى أن المسؤولية الكبرى تعود إلى الخط الأول، أي العائلة، ثم الشارع فالمدرسة.

وأرجع الشريف تزايد الجرائم في تونس إلى التصحّر الثقافي الذي تعيشه مؤسسات الدولة من مدارس ومعاهد وجامعات، التي يفترض أن تكون ورشات للتفكير والابتكار والتجديد، لافتاً إلى ظاهرة غريبة، وهي التطبيع مع مظاهر القتل والعنف، إذ تتواتر صوره في مختلف المنصات الاجتماعية ووسائل الإعلام.

المزيد من تقارير