هل أصبح العنف يهدد توازن المجتمع التونسي؟

الأسباب تعود إلى ما عاشته البلاد من تغييرات اجتماعية بعد عام 2011

التونسيون يسيرون في شارع حبيب بورقيبة قرب موقع هجوم انتحاري يوم 28 يونيو 2019 في العاصمة تونس (أ.ف.ب)

تنتج كل مجتمعات العالم العنفَ سواء كان رمزياً أو مادياً، وهو نتيجة حتمية للعيش المشترك وما يفرزه من صراعات سياسية وفكرية وثقافية. لكن أن يزيد هذا العنف عن المنسوب العادي ويصبح ظاهرة تؤرّق الناس وتهدّد حياتهم ويتخذ مسارات دموية تنتهي بإزهاق أرواح البعض، عندها لا بد للدولة بمفهومها المادي وعبر أجهزتها، أن تتحرك لتحول دون اختلال التوازنات المجتمعية والحفاظ على القدَر الضروري من الأمن والسّكينة الاجتماعية لاستمرار التعايش السليم بين الناس.

فقدان الإحساس بالأمان

في تونس استفحلت ظاهرة العنف خلال السنوات الأخيرة، إلى درجة فَقَد فيها جزء من التونسيين الإحساس بالأمان والاطمئنان على حياة أبنائهم في الشارع أو في المدرسة أو في وسائل النقل. ولم يعد العنف اللفظي وحده ما يؤرق التونسيين، بل تعدّاه إلى العنف المادي إذ يستفيق التونسيون كل يوم تقريباً على شكل جديد من الإجرام، كالاغتصاب والقتل العمد والعنف المسلّط على المرأة والأطفال.

حادثة مقتل الشاب "آدم" ابن الـ 23 عاماً، حيث كان يحتفل مع والده وأصدقائه بعيد ميلاده، أعادت إلى الواجهة ضرورة التفكير بعمق في تغلغل ظاهرة العنف المفرط ونزوعه صوب الدموية في مجتمع يُفترض أنه يقدّر الذات الإنسانية.

كما أصبح العنف عقيدة شقّ آخر من التونسيين، الذين يستخدمونه كوسيلة للتعبير خصوصاً في فضاءات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك الأكثر استخداماً في تونس، والذي أصبح في أحيان كثيرة فضاء للتشويه والشتيمة وممارسة العنف الرمزي بمنسوب مرتفع، وفي غياب كلي لمظاهر التعايش السلمي والحوار البنّاء.

مظاهر شتّى من الجريمة والعنف تثير تساؤلات عدة عن أسبابها ومؤشراتها وإمكانات التصدّي لها، في بلد يعيش تحوّلات اجتماعية وسياسية وثقافية.

ضعف الدولة

وحول أسباب تنامي ظاهرة العنف والجريمة في تونس، أكد أستاذ علم الاجتماع محمد نجيب بوطالب في تصريح لـ "اندبندنت عربية"، أن "الأسباب تعود إلى ما عاشته تونس من تغييرات مجتمعية بعد عام 2011 اتّسم خصوصاً بضعف أجهزة الدولة، وهي ظاهرة خطيرة على الرغم من أننا في مجتمعات موسومة بأنها متدينة وتتعايش في سلم".

وأضاف أنه "في السنوات الأخيرة تطوّر منسوب العنف إلى حد أصبحنا نخشى تطبيعاً مع الظاهرة، باعتبار أنه يكاد يكون مقبولاً في الشارع الذي بات يلتزم الحياد ولا يشعر انه مجبر للتدخل للحد من العنف، ربما خوفاً من الأذى".

وحمّل بوطالب المسؤولية للدولة، إلا أنه رجّح أن تكون لها مبرراتها في ظل هذا الظرف التاريخي في تونس، كقلة الإمكانيات وضعف الوسائل اللوجيستية الكافية للحيلول دون تنامي العنف والجريمة، لكن غير المبرّر هو تراخي أجهزة الدولة في التتبع وفي حفظ الأمن والتأخر في التدخل الحاسم والرّادع.

تراجع أداء المؤسّسات التربوية

وشدّد من جهة أخرى، على أن منظومة حقوق الإنسان تطوّرت ولم تراع الجانب المجتمعي، إذ لم تشهد قيم التسامح والحوار والتعايش تطوراً ورسوخاً في المجتمع، حيث تتحصّن فئة كبيرة من التونسيين بالعشيرة والعائلة والأصدقاء هرباً من العنف المسلّط عليهم، بدَل طلب الحماية من أجهزة الدولة والقضاء، ما أجبر جزءاً كبيراً من التونسيين على البحث عن أساليب خاصة للتأمين الذاتي.

ويبرّر بعض "منتجي العنف" أفعالهم أحياناً بالحرية التي وفرتها الثورة، داعين إلى الثأر أو القصاص أو المحاسبة عبر آليات غير مشروعة، ولا تعترف أحياناً بالقوانين كالدعوة إلى تطهير بعض المؤسّسات ممّن يسمّونهم بالفاسدين، عبر الطرد أو تشريع ممارسة العنف بحقهم بدعوى العنف الثوري المبرر.

بالإضافة إلى ذلك، يعتبر تراجع أداء الأسرة والمدرسة في الإرشاد والنصح حول أسباب تنامي الظاهرة في المجتمع لأن هذه المؤسسات، وخصوصاً المدارس والجامعات أصبحت تكتفي بالحد الأدنى من أدوارها في غياب استراتيجيات واضحة لتونس ما بعد الثورة.

تسريب العنف عبر وسائل الإعلام

كما يُعتبر التحرر المبالَغ فيه من كل القيود، سواء في المشهد الإعلامي من خلال البرامج الحوارية المتلفزة والإذاعية حيث تظهر الصراعات الإيديولوجية، أو المشهد السياسي والتلاسن تحت قبة البرلمان، وهي تمثل كلها شكلاً من أشكال التطبيع مع ممارسة العنف، وهو أمر خطير قد يهدّد باختلال التوازنات في المجتمع.

الشرخ القاعدي في الشخصية التونسية، هو أيضاً من أسباب تنامي ظاهرة ممارسة العنف، الذي يعتبر شكلاً من أشكال التصعيد للكم الكبير من الضغط الذي يعيشه التونسي اليوم، جرّاء عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وارتفاع منسوب البطالة وغلاء المعيشة، كلها عوامل تؤدي إلى ممارسة أشكال متعددة من العنف وتؤجج الحقد الطبقي لاتساع الهوّة بين طبقة واسعة مفقّرة بشكل حادّ وطبقة ثرية ضيقة.

مقاربة تشاركيّة للحدّ من الظاهرة

وللوصول إلى ما يسمّيه عالم الاجتماع الألماني ماكس فييبر "مجتمع اللاّ عنف"، لا بد من أن تسترجع الدولة هيبتها وتمارس "العنف الشرعي" على "منتجي العنف" من أجل إعادة التوازن إلى المجتمع وإرساء المنظومة التشريعية لتتلاءم مع موجة التحرّر التي أعقبت ثورة 2011، بالإضافة إلى الاستفادة من علماء الاجتماع وتفعيل دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام، لخلق شعور بأهمية المقاربة التشاركية للتصدّي للعنف والحدّ من منسوبه المتزايد.