Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التماثيل في الخليج... هدايا الأسلاف "المحجوبة"

تواجه هذه الدول جدلاً حول جواز عرض المجسمات في الأماكن العامة

"متع إل، كبر إل بن متع، عاصي" هذه الأسماء للملوك الثلاثة لمملكة لحيان التي تعود للعصر البطلمي، إذ وجدت آثارهم ضمن سلسلة التماثيل الضخمة المكتشفة في السعودية، وهم يرتدون الزي السبئي الصحراوي "الزي التهامي" الشائع في اليمن، ويقفون في وقفة مهيبة توازي المكتشفات في جميع دول العالم.

هذه الثروة التراثية التي تمتلكها السعودية لم تجد طريقها إلى العرض في متاحف عامة إلا بشكل خجول ومتردد، بعد أن انشغلت بجدل التحريم والتحليل.

وفي الوقت الذي دعا علماء آثار في السعودية إلى عرض التماثيل وزيادة العمل للتنقيب عنها، وألا تكون حبيسة الأماكن المغلقة أو صديقة للمتاحف العالمية في جولاتها الدولية فقط، مشيرين إلى أن السعودية بها ثروة ضخمة من الآثار، وهذا يبدو جلياً عند النظر إلى أغلب هذه التماثيل الضخمة التي تم إخفاؤها اليوم، ومجسمات الصقور فوق بوابات قصور العلا الصخرية التي باتت بلا رؤوس بعد أن حطمها عابثون بحجة التحريم غالباً.

1000 سنة قبل الميلاد

ويحكي أستاذ الآثار بجامعة الملك سعود الدكتور سليمان الذييب، تاريخ هذه المكتشفات في السعودية، عندما يقول "تمكن الفريق الذي ترأسته سنوات عدة من الكشف عن نقوش آرامية ودادانية ولحيانية ونبطية وثمودية، ومعثورات معدنية وحجرية وغيرها، وقد عكست هذه المكتشفات غنى المجتمع اللحياني ودوره الواضح في الجدار الحضاري، ليس في شبه الجزيرة العربية وحسب بل في خارجها، وتوطدت علاقاتها الاقتصادية مع جميع شعوب المنطقة مثل ممالك جنوب الجزيرة العربية والمدن الحضارية في شرقها، وكذلك الممالك في سورية الكبرى (الآراميين والفينيقيين) والمصريين، وشعوب بلاد الرافدين وغيرهم كثير".

وقال الذييب إن مملكة دادان أدت دوراً حضارياً مميزاً، وتحديداً في ما بين القرنين السابع إلى الرابع قبل الميلاد، لكن عمقها التاريخي يعود بحسب الدراسات إلى العصر الحجري القديم، فقد بينت الدراسات عن مجموعة من المواقع ذات الاستقرار المؤقت تعود إلى ذلك العصر.

وتعد منطقة العلا واحدة من المواقع التي تعاقبت عليها الممالك العربية القديمة، أقدمها تسمى مملكة دادان خلال 1000 سنة قبل الميلاد، وآخرها تسمى الأنباط.

واتخذ الثموديون من العلا (شمال السعودية) عاصمة لهم ليبنوا حضارات لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم، من مساكن وتماثيل، حيث نحتت المملكة قصورها في الجبال.

 

إلا أن التنقيب عنها لم يكن مسموحاً كما يقول عالم الآثار والباحث السعودي البروفيسور عبدالعزيز بن سعود الغزي، والرئيس السابق لقسم الآثار بكلية السياحة والآثار في جامعة الملك سعود، "قبل سنوات قليلة لم يكن من المسموح التنقيب عن التماثيل، وحالياً تقوم الحكومة بعمليات التنقيب بنفسها في المنطقة التي تقع بمحافظة العلا، والتي كانت ضمن مملكتي "دادان" و"لحيان" وتاريخ ما قبل الميلاد".

وأشار إلى أنه في العام 2004، "بدأ قسم الآثار بجامعة الملك سعود عمليات التنقيب بالموقع، ونتج منها الكشف عن المعبد الرئيس للمدينة الذي هيمن عليه المعبود (ذو غيبة)".

وقال الغزي، "المجسمات والتماثيل جزء من ثقافات المجتمعات القديمة، وهي نوعان، ثابت ومنقول"، كما أنها تتنوع في مادة صناعتها وموضوعاتها وأحوالها، كما أن مادة صناعتها متنوعة بين الحجر والصلصال والمعادن والخشب".

 

وأضاف أن التماثيل وجدت في أماكن مختلفة في جزيرة العرب، فبعضها "وجد في المدافن وبعضها وجد في المستوطنات، والبعض الآخر نحت على واجهات الجبال".

وذكر الغزي أن كثيراً من هذه المجسمات بقيت على حالها مثل الوعول والغزلان والأسود والنسور والصقور، التي تزين واجهات مدافن الخريبة في العلا ومدافن الأنباط في مدائن صالح ومدافن مدين في مغائر شعيب، ولم يتعدى عليها أحد لآلاف السنين.

التماثيل في السعودية ليست أصناماً

إلا أن هذا التاريخ الملموس ضاع بين جدالات استخدامها قديماً، إذ كرست بعض الخطابات المتشددة ضرورة التخلص منها لكونها معبودات قديمة، وهو ما يرد عليه أستاذ الآثار الدكتور أحمد العبودي، "من المحتمل أن الواجهات الصخرية في العلا ليست مقابر كما يقول البعض، وإنما مساكن بعدة دلائل قرآنية ونبوية وأيضاً معلومات عثر عليها، وإنما قبور لمن نقشت أسماؤهم على واجهاتها".

وطالب أستاذ اللغات السامية والكتابات القديمة والآثار، الدكتور سالم طيران، بإبراز التماثيل في السعودية وإخراجها من المتاحف، مشيراً إلى منشور لمجمع البحوث الإسلامية بـ "عدم تحريمها لزوال علة عبادتها وتقديسها، ووعي الناس إلى أنها لا تنفع ولا تضر، بل مجرد أشكال وصور وآثار".

وقال طيران، "الفرق بين التماثيل والأصنام هو أن التماثيل تجسد شخصيات حاكمة من ملوك وشخصيات بارزة من الحضارات القديمة، أما الأصنام فهي تمثل شخصيات دينية وتستخدم قرابين للإله".

وأشار إلى أن معظم التماثيل "تم تخريبها إما من عصور سابقة بسبب التحريم أو العصور الحديثة"، مدللاً بأن "معظم التماثيل فقدت راسها أو أجزاء منها نتيجة طلقات من الرصاص، وفي الواجهات الصخرية في العلا نلاحظ بأن الصقور من دون رؤوس".

وحول دوافع تحطيم الرؤوس يقول عضو الجمعية الفقهية وأستاذ العلوم الشرعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الدكتور سعود الحنّان، إن فتوى قطع الرأس وتحطيمها في التماثيل تبيح عرضها واستخدامها. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن الباحث الشرعي الشيخ عبدالله المهنا حرّم إبراز التماثيل بالمطلق، وقال "التماثيل محرمة في جميع الصحاح استناداً إلى حديث (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل)، وأما إبراز الآثار على شكل البشر فحكمه محرم".

وأضاف المهنا أنه حتى وإن فقدت التماثيل رأسها "تظل محرمة، ولو لم يكن الغرض من عرضها العبادة".

الموقف من التماثيل في الخليج

وفي البحرين والتي تضم مقبرة ضخمة تدعى مقبر عالي من حضارة دلمون، عثر المنقبون فيها على تماثيل لها مكانة دينية في نظر أصحابها، كما وجدوا مقابر عدة منها معابد بار بار، وعرضت المحتويات الأخرى مثل الأواني النحاسية والفخارية، بينما التماثيل ظلت حبسية المتاحف ولم يسلط الضوء عليها.

 

بينما بنت الإمارات تمثالاً للشيخ زايد مؤسسة الدولة الموحدة لكن في الجيزة بمصر، في حين لا يملك القائد التاريخي أي تمثال له في أبوظبي أو أحد إمارات البلاد.

تمثال عبدالله السالم في الكويت

وفي عهد ليس ببعيد، حاولت الكويت المشي على ركب الدول التي تكرم قادتها التاريخيين، ففي العام 1971 رغب الراحل عبدالعزيز المساعيد مالك صحيفة الرأي العام، بأن يؤسس عملاً يخلد فيه شخصية أمير الكويت الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح، كاتب الدستور وباني المؤسسات الحديثة في البلاد.

وصمم مستعيناً بفنانين مجسماً للشيخ السالم المدعو بأمير الاستقلال، وهو يجلس على كرسي الحكم وتحت يده الدستور، في مشهد يشبه التمثال الشهير للرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن في العاصمة واشنطن، إلا أن موجة تشدد ضربت البلاد أجبرته على وضعه في ساحة داخلية مغلقة في مبنى الصحفية، وما زال في موقعه حتى يومنا هذا، على الرغم من أنه تعرض للتخريب فترة الغزو بضربات رصاص أطلقت على وجهه.

قطر تزيل تمثالاً بعد الجدل

وتواجه دولة قطر في الفترة الحالية جدلاً واسعاً بعد استقبالها تماثيل صنعت حديثاً، حيث لاقت ردة فعل رافضة إثر محاولتها تزيين شوارعها لاستقبال كأس العالم 2022 بتمثال "نطحة زيدان"، الذي قام ببنائه الفنان الفرنسي الجزائري الأصل عادل عبدالصمد، لتضطر إلى إزالته بعد جدل واسع أثير في مواقع التواصل الاجتماعي.

 

واعتبر بعض المحافظين من رجال الدين أن التمثال الذي كان منصوباً على الكورنيش يشجع على عبادة الأصنام.

ولم يكن هذا الجدل الوحيد الذي واجهته الدوحة، إذ تلقت هدية من جمهورية اليونان تتمثل في نسخة من تمثال "سائق العربة من دلفي"، الذي تم وضعه في محطة مترو مطار قطر الدولي، وواجه الجدل ذاته بوصفه "صنماً إغريقياً".