Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غانس صانع الـ"نابوليون" الأشهر في تاريخ السينما

خمسون عاماً من الإبداع المدهش وخمسون أخرى من الشكوى والألم

مشهد من فيلم "نابوليون بونابرت" لآبيل غانس (موقع الفيلم)

لوعاش آبيل غانس بضع سنين أخرى هو الذي رحل عن عالمنا مقارباً المئة عام من عمره، هل كان سيبدي شيئاً من الرضا خلال سنواته الأخيرة ويكف عن اعتبار نفسه مظلوماً؟ فالحال أن غانس كان خلال ما لا يقل عن خمسين عاماً من سنوات عمره يشكو من أن السينما وأهلها ظلموه، وأن ما انتهى إليه أمره "في هذه المهنة لم يكافئني على جهودي الإبداعية التي كنت بذلتها خلال النصف الأول من سنوات حياتي". ومن المؤكد أنه حين كان يتحدث عن الجحود الذي كان من نصيبه، كان يفكر في ثلاثة أفلام حققها أيام السينما الصامتة فاعتبرت تحفاً تجديدية في عالم الفن السابع، حتى وإن كانت عجزت عن أن تؤمن له استمراراً في المهنة يوازي الخلود الذي أمنته له هي "نابوليون" و"العجلة" و"إني أتهم". وربما يكون علينا أن نتوقف هنا عند فيلم واحد من تلك الثلاثة لنعود إلى ما بدأنا به هذا الكلام.

صمت إمبراطوري

الفيلم هو "نابوليون" الذي حققه غانس صامتاً في عام 1927 وخاض فيه تجريبية فنية أدهشت العالم ولا تزال تدهشه. ولئن عجز هذا الفيلم عن تأمين استمرارية مهنية لغانس. فالتجريبيون عادة لا يلقون من النجاح الجماهيري والتجاري ما يرضيهم، في المقابل حقق الفيلم من النجاح النقدي والفني ما لا يزال ملموساً حتى اليوم، ولعل آخر مظاهره ذلك الاحتفال الضخم الذي أقامه مهرجان سينمائي كبير في مدينة ليون في فرنسا قبل ثلاث سنوات وتميز بعرض نسخة مرممة ومموسقة من الفيلم أمام نحو ألفي متفرج راحوا يشاهدون شريطاً يزيد طوله على ثلاث ساعات على وقع موسيقى خاصة معاصرة كتبت له. ومن المؤسف أن صاحب الفيلم كان غائباً هو الذي رحل عن عالمنا قبل ذلك الاحتفال بعقود عدة. ومع ذلك، وفي خطوة مشابهة قدم المخرج الأميركي فرانسيس فورد وفي حياة غانس عرضاً مماثلاً للفيلم مرمماً أيضاً جعله تكريمياً لزميله الفرنسي، ولكن كذلك للموسيقي كارمينو كوبولا والد فرنسيس التي تولى قيادة الأوركسترا بنفسه. وكان ذلك قبل رحيل غانس بعامين ولا نعرف تماماً كيف كان رد فعله تجاه التكريم الأميركي يومها!

الأفضل بين مئات الأفلام

لقد كُرم "نابوليون" كثيراً... بل إن تكريمه الأكبر كان حين اعتبر وظل يعتبر واحداً من أهم الأفلام التي حققت عن الإمبراطور الفرنسي التاريخي، علماً بأن في الإمكان إحصاء ما لا يقل عن مئتي فيلم ومثلها من الأعمال التلفزيونية حققت عن نابوليون منذ سنوات الفن السابع الأولى، منها نحو دزينتين من تحف فنية يُحسب من بينها عادة فيلم مصري عربي وإن كان بتمويل فرنسي، هو "وداعاً بونابارت" من إخراج يوسف شاهين وتمثيل باتريس شيرو وميشال بيكولي.

لكن "نابوليون" آبيل غانس كان شيئاً آخر تماماً، ليس بموضوعه وإنما بتجريبيته التي اشتغلت ضده على أية حال. فمنذ وقت مبكر رأى غانس أن عليه أن يوجد ابتكارات تقنية تليق بسمعة الإمبراطور ومجده التاريخي. وهكذا توصل إلى ذلك التجديد المدهش حين صور الفيلم بثلاث كاميرات ثم ولّف ما صوره على ثلاث شاشات عملاقة نصبت إلى جوار بعضها البعض لتصبح لدينا مشاهد تاريخية عملاقة قد تكون أخفقت تقنياً حيث أن التقنيات السينمائية كانت لا تزال في طفولتها، لكنه بحساب النوايا وبالمقارنة مع كل التجديدات التي كانت قائمة على قدم وساق، بدت عجائبية وتكشف عن نوايا فنية سيحق لمبدعها أن يواصل فخره بها طوال حياته، وشكواه من عدم "انعكاسها" على تلقي أعماله التالية التي كانت كثيرة على أية حال ولكن لسنوات محدودة.

نصف قرن من الشكوى
عاش آبيل غانس حتى قارب المئة عام من عمره واعتبر خلال نصف القرن الأخير من حياته واحداً من كبار المخرجين الذين صنعوا للسينما الفرنسية مجدها، ولكن في تلك الفترة نفسها، وسط موجة التكريم والتبجيل، لم يتمكن آبيل غانس من أن يحقق ولو فيلماً قصيراً، وهو الذي أعطى السينما الفرنسية أعمالاً لا تزال تفخر بها حتى اليوم وفي مقدمتها: "العجلة" (1921) و"نابوليون" (1927) كما أشرنا.
والحال أن المأساة التي عاشها آبيل غانس تكشف عن الأواليات القاسية لهذا الفن الذي كان فن القرن العشرين من دون منازع، لكنه كان واحداً من أكثر الفنون التي لم تتوقف يوماً عن قهر فنانينها وإحباطهم. والفن السينمائي كان - على الدوام - الفن الذي خلف من المآسي ما لم يخلفه أي فن آخر، بحيث أن السينمائيين عاشوا أحلامهم وخيبة أحلامهم أكثر مما عاشوا لحظات مجد حقيقية، بل يقال دائماً إن وصول فنان السينما إلى أعلى درجات المجد، إن هو إلا الإشارة التي لا تخطئ إلى أن العد العكسي قد بدأ بالنسبة إليه.
طوال خمسين سنة سبقت رحيله عن عالمنا (1981) كان آبيل غانس رجل متحف من الطراز الأرفع: عشرات الكتب والدراسات، من دون أن يجرؤ أي منتج على المراهنة بقرش عليه. وهذا ما جعل الكثيرين يعتقدونه ميتاً منذ زمن بعيد، حين وصلهم نبأ رحيله.

من الأدب إلى السينما
بدأ آبيل غانس حياته، رجل أدب ومسرح وشعر، ثم شرع في كتابة العديد من السيناريوهات مع السنوات الأولى لولادة فن السينما الروائية، بعد ذلك وخلال الفترة بين 1911 و1915 بدأ يخرج سيناريوهاته بنفسه وتجلت موهبته السينمائية باكراً، حيث اعتبر إلى جانب جورج ميلياس المؤسس الحقيقي للسينما التخييلية في فرنسا. وهو بعد سلسلة من الأفلام القصيرة وأفلام الحرب، وبعد أن كان من أوائل مبتكري اللقطة المكبرة ذات البعد النفساني في السينما، أتيح له في 1917 أن يحقق أفلامه الدرامية الكبيرة الأولى مثل "ماتر دولوروزا" (1917) الفيلم الذي أتى أشبه بدعوة ضد الحرب وأثار ضده نقمة العديد من الأوساط القومية. وهو في عام 1921 بدأ تحقيق فيلم "العجلة" الذي يمكن اعتباره أول فيلم مناصر للبيئة في تاريخ السينما حيث رسم التعارض بين الآلة بشتى تجلياتها، وبين الطبيعة الساحرة والهادئة. كان هذا الفيلم أشبه بـ"سيمفونية بيضاء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شاعرية متضخمة
منذ البداية انطبعت سينما آبيل غانس بقدر كبير من الشاعرية وقدر أكبر من الابتكار، حيث كان في كل فيلم من أفلامه وكأنه يخترع السينما من جديد، ولقد قاده هذا إلى أن يحقق في 1927 فيلمه الأكبر والأهم "نابوليون" الذي كان، بحق، واحداً من أكبر الاستعراضات في تاريخ السينما. وكان أول لقاء حقيقي بين السينما والتاريخ، بخاصة أن غانس حرص على أن يجدد في أسلوب العرض، من خلال استخدامه كما أشرنا طريقة الشاشات الثلاث، ما جعل فيلمه عصياً على العرض، ولكن مفاجئاً في الوقت نفسه.
وحتى اليوم لا يزال "نابوليون" يعتبر تحفة كبرى من تحف الفن السابع، ولا تزال الذاكرة تستعيد مناسبات عرضه، بخاصة أن مخرجه لم يتركه بعد ذلك، حيث رأيناه وقد أضاف إليه الصوت في عام 1934 ثم أحدث فيه تعديلات جوهرية في 1971، ولكن دائماً من دون أن يجري أي تبديل جذري في أساسه التقني.

لحظة المجد الكبرى
كان فيلم "نابوليون" لحظة المجد الكبرى في حياة آبيل غانس، إلا أنه كان أيضاً لحظة إعلان الغروب لمساره المهني، حيث نراه بعده يحقق بعض الأفلام ويعيد ضبط أفلام قديمة له من دون أن يرقى إلى لحظة المجد التي بلغها بفيلمه الكبير ذاك. مهما يكن فإن المنتجين وأصحاب السلطة في اللعبة السينمائية ظلوا بعيدين على الدوام من الاهتمام بآبيل غانس وبابتكاراته السينمائية، كما أن الجمهور نفسه لم يتابع أفلامه التالية مثل "غرام بيتهوفن" (1937) أو "لوكريس بورجيا"، أو "الفردوس المفقود" أو "فينوس العمياء" (1940). وهكذا راح آبيل غانس يخلد إلى صمت يطول أكثر وأكثر، حتى استراح نهائياً منذ أواسط الخمسينيات مكتفياً بتكريمه ووضعه في المتاحف. عندما رحل غانس عن عالمنا كان قد أضحى شبه منسي، ولكن بعد موته عاد النقاد (الإنجليز خاصة) لاكتشافه واكتشاف أعماله فأعادوا إليه مجداً، ولكن بعد فوات الأوان بالطبع.

المزيد من ثقافة