Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فاضل السلطاني ينجز ترجمة تاسعة لـ"الأرض اليباب" مرفقة بدراسة

قارن المترجم بين الترجمات السابقة وصوب أخطاءها بروح علمية واستعان بمراجع حديثة

الشاعر البريطاني ت. إس. اليوت (دار المدى)

في السنة المقبلة تحل الذكرى المئة على ولادة قصيدة "الأرض اليباب" أو "الأرض الخراب" للشاعر الاميركي- البريطاني  "تي اس إليوت"، فهي صدرت عام 1922 عن دار "بوني وليفررايت" بعدما نشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه في مجلة "دايل"، ولكن خلوها من الهوامش التي وضعها لها الشاعر، التي تصعب قراءتها من دونها.

لم ينتظر الشاعر العراقي فاضل السلطاني هذه المناسبة، بل استبقها ليصدر ترجمته الجديدة لـ"الأرض اليباب" (دار المدى) مصحوبة بدراسة ومراجعة نقدية لستّ ترجمات عربية سابقة، صدرت في فترات متتالية منذ عام 1958، تاريخ نشر ترجمة مجلة "شعر" التي تشارك فيها الشاعران يوسف الخال وأدونيس، حتى عام 2017، تاريخ صدور ترجمة الشاعر توفيق الصايغ التي ظلت مخطوطة طوال عقود، في تحقيق الشاعر العراقي محمد مظلوم وتقديمه (دار الجمل).

ويبدو أن ما قام به السلطاني من نقد أو بالأحرى من تصويب للترجمات السابقة التي طالما اعتمدها القراء العرب، كان لا بد منه، وهو يندرج في سياق ما يسمى "نقد الترجمة" الذي راج في الغرب، وخصوصاً في فرنسا التي يشهد معترك الترجمة فيها حركة دائمة، سواء في النقد أو إعادة الترجمة. ويمكن الكلام في الغرب عن "المختبر الترجمي" الذي تخضع فيه الأعمال المترجمة للمساءلة والنقد وإعادة الترجمة.

واللافت أن الناقد العراقي عبد الواحد لؤلؤة الذي ترجم القصيدة عام 1980، قام بنقد الترجمات التي سبقت عمله آخذاً عليها أخطاء عدة، لكن ترجمته لم تنج من نقد السلطاني الدقيق.

شاء فاضل السلطاني أن ينضم إلى قافلة هؤلاء المترجمين، فعرّب القصيدة مقترحاً صيغة جديدة لها، متكئاً أولاً، على إجادته اللغة الانجليزية أكاديمياً، وهو كتب دراسات عدة بالإنجليزية، منها أطروحته الجامعية عن الشاعر البريطاني فيليب لاركن، وثانياً على تنقيبه في حقل الدراسات الإليوتية القديمة والجديدة، وثالثاً ذائقته الشعرية واللغوية.

وعمله التصويبي الدؤوب الذي قام به على الترجمات الستّ أفاده كثيراً وجعله يتحاشى الفخاخ التي تحفل بها هذه القصيدة، عطفاً على عمله البحثي الشخصي الذي أضافه إلى الترجمة، والذي سهل كثيراً على القارئ العربي قراءة قصيدة إليوت المعقدة و"اللامقروءة" كما وصفها المترجم والباحث الفرنسي بيار فنكلير الذي تصدى للقصيدة، ترجمة ونقداً وأصدرها في كتاب عنوانه "الأرض البائرة: التفكير في اللامقروء" (دار إيرمان 2018).

والترجمة هي الثانية في فرنسا بعد ترجمة "كلاسيكية" سابقة و"يتيمة" قام بها بيار لويس في الأربعينيات (دار سوي). وواضح أن قصيدة إليوت هذه، لم تلق صدى كبيراً في الساحة الشعرية الفرنسية، مثلما لقيت أعمال قصائد وليم بلايك وجون دون واودن وعزرا باوند (راجع قصيدةإليوت هذه وحذف منها برضاه) وييتس وشيماس هيني وسواهم.

ترجمات متوالية

منذ عام 1958، تاريخ إنجاز (وصدور) الترجمة الأولى لقصيدة "الأرض الخراب" غداة تأسيس مجلة "شعر" (1957)، انطلق الكلام عن إليوت وعن قصيدته هذه وقصائده الأخرى ومسرحياته الشعرية، وقد مثّل إليوت الثقل الأنغلوسكاسوني في الحداثة الشعرية العربية مع شعراء آخرين مثل روبرت فروست وإزرا باوند ووالت ويتمان وسواهم. لكن "الأرض الخراب" كان لها الأثر الأبرز، لا سيما على صعيد الرؤية الحضارية والبعد الخلاصي اللذين تختزنهما، وكان على شعراء مثل يوسف الخال وخليل حاوي وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وتوفيق الصايغ وسواهم، أن يستوحوا الرؤية الإليوتية كما تجلى في القصيدة، ولكن من غير تقليد أو محاكاة، خصوصاً على مستوى البناء والاستحضار الميتولوجي والفلسفي والديني المعلن و"الفج". منذ ذاك الحين أثارإليوت وقصيدة "الأرض الخراب" "شهية" المترجمين فتوالت الترجمات.

 أما الترجمة الثانية فكانت مصرية وقد أنجزها الكاتب المصري لويس عوض خريف عام 1968، ثم تلتها ترجمة الكاتب السوري يوسف سامي اليوسف 1975. ثم صدرت ترجمة الناقد العراقي عبد الواحد لؤلؤة عام 1980، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وطبعت مراراً. وفي عام 2013، أصدر الكاتب المصري ماهر شفيق فريد ترجمته في القاهرة. أما ترجمة توفيق الصايغ التي تعد الأولى والأقدم  تاريخياً، فأنجزها الشاعر عام 1953 في كيمبردج، وكان بدأ ترجمتها في بيروت قبل عامين. لكنها ظلت مخطوطة نائمة في الأدراج، وقد حصل عليها لاحقاً الشاعر محمود شريح،  ثم انتقلت إلى الشاعر محمد مظلوم فحققها وأرفقها بدراسة مستفيضة.

ولكن ثمة ترجمات أخرى يمكن فعلاً تجاوزها ومنها ترجمة الكاتب المصري نبيل راغب وعنوانها "أرض الضياع" (1987 ) وترجمة موزونة ومقفاة قام بها الشاعر اليمني محمدعبد السلام منصور عام 2001، وبدت شديدة التصنع  والتكلف، وجاء في مطلعها على ما أذكر،" أقسى شهر نيسان، مخاض..".

الشاعر فاضل السلطاني لم يكتف إذاً بترجمة القصيدة كاملة للمرة التاسعة عربياً، بل شاء عمله عليها شاملاً، ممهداً الطريق أمام القراء العرب كي يكتشفوا أسرار القصيدة أو ألغازها ويلجوا عالمها الباطني. ومما قام به  في هذا القبيل، شرحه لأجزاء القصيدة كاملة فصلاً فصلاً، وتطرقه إلى مضامين الفصول، ما يسهل فهم القصيدة. ثم قدم نبذة تاريخية عن القصيدة مستنداً إلى إحدى الدراسات الإليوتية الجديدة للناقدين كريستوفر ريكس وجيم ماكيو.

ثم تطرق إلى ما يسميه "تأثيرات وتضمينات" في فصل على حدة. عطفاً على ترجمة الهوامش الخمسين التي وضعها إليوت نفسه للقصيدة، والتي لا بد منها ترسيخاً لقراءتها وفهمها، مع أن هذه الهوامش شكلت مأخذاً على القصيدة في نظر بعض النقاد والشعراء، وجعلتها تبدو كأنها بحث في الفلسفة والدين والتاريخ والدراسات التوراتية والأساطير.

وفي سياق هذه الهوامش تحضر التوراة والإنجيل والأسطورة الآرثرية والكأس المقدسة والغرال والنصوص القروسطية وبودا  وأغوسطينوس وأوفيد ودانتي وشكسبيروجيرار دو نيرفال وبودليروسواهم. وهذا ما أتاح للشاعر أن يستخدم جملاً وأبياتاً شعرية عدة باللاتينية والإغريقية والفرنسية والإيطالية والألمانية ، ترسيخاً للطابع "المنمني" للقصيدة الشاملة.

هوامش إليوت

هذه الهوامش ودلالاتها جعلت قراءتها عبوراً في أرض مزروعة بالفخاخ، وأسقطت عن هذه القراءة طابع المتعة والتمتع ولذة الاستسلام للدفق الشعري. لكن نقاداً كثراً يرون في خلفية الهوامش فرادة تميز بها إليوت في صنيعه القائم على المثاقفة و"التناص" والوعي التاريخي العميق، ولو أن هذه الهوامش أسهمت في "تقطيع" أوصال القصيدة وقطع أنفاسها حتى بدت كأنها خاضعة للعبة لصق أو "كولاج" أو مركبة مقطعاً مقطعاً.

ولعل إليوت عمد إلى هذه الطريقة في البناء ليجسد حال "الكاووس" (الفوضى) الذي يهيمن على العالم المعاصر. واعتمد رمز الأرض الخراب (أو اليباب) في بعده الفلسفي والديني، دليلاً على رحلة بحثه عن الخلاص، عابراً أرض العصر المقفرة وصحراءه الخاوية التي تحلق في سمائها غربان القدر.

كُتب كثير عن قصيدة "الأرض الخراب" وما كتب يبدو كأنه يستعيد نفسه في معنى ما، مستنفداً شعرية القصيدة ورموزها وبنيتها وأبعادها الحضارية، حتى بدت القصيدة كأنها دخلت "متحف" الشعر المعاصر. لكن الساحة الأدبية البريطانية ما برحت تعتد بقصيدة إليوت اعتدادها بأعمال شكسبير وجيمس جويس وسواهما. ويشير السلطاني في مقدمته إلى أن الإقبال على هذه القصيدة ازداد، بحسب دور نشر بريطانية، بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، مثلها مثل رواية جورج أورويل "1984"، ويقول في هذا الصدد، "كأن الظروف التي يمر بها البلد الآن هي تقريباً الظروف نفسها التي مر بها في بداية القرن العشرين، عند نشر القصيدة عام 1922، القلق، عدم الشعور باليقين تجاه أي أمر، وأخيراً صعود التيار الشعبوي الذي لا يمكنه أن يُنتج سوى العنصرية والفاشية كما علمتنا تجربة الحرب العالمية الثانية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رواج عربي

قد يكون العالم العربي من أكثر البلدان ترحاباً بقصيدة "الأرض الخراب" وأكثرها ترجمة لها. وبعد ثماني ترجمات ارتأى فاضل السلطاني إعادة ترجمتها آخذاً بنصيحة إليوت نفسه التي تقول، إن على الأثر الأدبي أن تُعاد ترجمته كل عشر سنوات. لكن السلطاني اعتمد ترجمة قائمة على نقد الترجمات السابقة، مثلما فعل الناقد العراقي عبد الواحد لؤلؤة حين ترجم القصيدة منتقداً الترجمات السابقة. لكنه وقع هو نفسه في أخطاء يكشفها السلطاني، بدقة وموضوعية.

أما لائحة الأخطاء التي سجلها السلطاني انطلاقاً من قراءته الدقيقة للترجمات الستّ فتطلبت فصلاً كاملاً من الكتاب، وقد تصدى للأخطاء مقطعاً مقطعاً وبالتوازي، مقارناً بين الصيغ الستّ التي اعتمدها المترجمون. وقام السلطاني بتصويبه هذا من غير ادعاء بتاتاً، بل بروح نقدية ومعرفية، وقد عاد إلى مراجع لغوية ونقدية وإلى القواميس، متحاشياً ارتكاب أي تجنّ على المترجمين. والأخطاء كثيرة وجسيمة، وفي أحيان تقلب المعنى المقصود أو تعاكسه. وبدت الترجمات الست غير متناسقة في لغاتها وسياقاتها الشكلية والمضمونية، واختلف بعضها عن بعض اختلافا بيّناً. ووضع السلطاني ترجمته نفسها بين أيدي النقاد والقراء بصفتها اقتراحاً لترجمة جديدة غير معصومة من النقد أيضاً. وقد يصعب بل يستحيل، إيراد الأخطاء هنا، نظراً لكثرتها ومقابلتها بين اللغتين الإنجليزية والعربية.

أما عن العنوان الذي اختاره السلطاني وهو "الأرض اليباب" الذي اعتمده  أيضاً عبد الواحد لؤلؤة ويوسف سامي اليوسف، فيما اعتمد الآخرون "الأرض الخراب"، فيبرر السلطاني اختيار صفة "اليباب" انطلاقاً من المعنى الذي تضمره القصيدة التي برأيه ، تتحدث عن أرض قاحلة وجافة لا ماء فيها بل صخور فقط. ويرى أن الاأطورة الآرثرية التي استند إليها إليوت تشير أيضاً إلى الجدب والجفاف. وعلى سبيل المثل فإن الشاعر الفرنسي بيار لويس اختار عنواناً مختلفاً هو "الأرض الباطلة" (terre vaine) مسترجعاً الآية الشهيرة في "سفر الجامعة" التي استوحاها إليوت من التوراة، وهي تقول "باطل الأباطيل، كل شيء باطل وقبض ريح". بينما اختار المترجم الفرنسي الثاني بيار فنكلير "الأرض البائرة" .(terre inculte) 

هل تكون ترجمة فاضل السلطاني آخر ترجمة عربية لـ"الأرض اليباب" نظراً إلى جديتها ومتانتها ودقتها وسعة مرجعيتها، أم أن ترجمة أخرى ستفاجئ القراء العرب وتحمل إليهم صيغة مخلتفة؟ هذا السؤال يفترض سؤالاً آخر هو، هل ما زالت هذه القصيدة التي أضحت من كلاسيكيات الحداثة، قادرة على جذب القراء والشعراء الجدد وعلى التأثير فيهم، بعدما أصبحوا في منقلب الحداثة الأخرى، أو حداثة ما بعد "الحداثات" العربية ؟

المزيد من ثقافة