Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما تصبح لقاحات كورونا أداة للنفوذ السياسي

أزمات "أسترازينيكا" الإنجليزي مع أوروبا رفعت رصيد "سبوتنيك – في" الروسي

الأزمات السياسية بين الدول بسبب اللقاحات تؤكد الاهتمام بالمصالح الخاصة فقط (أ ف ب)

إنها حرب اللقاحات العالمية. وهي ليست صامتة أو خفيّة بل تدور في العلن وبضجيج مرتفع في كثير من الأحيان بسبب الاتهامات المتبادلة بين الدول المصنّعة عقاقير كورونا من جهة، وبينها وبين الدول التي تريد الحصول بشدّة على هذه العقاقير في أنحاء العالم. وتتمظهر هذه الحرب على شكل تخزين اللقاحات في بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية، ومنع التصدير المتبادل لها بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، واتهام الصين وروسيا باستخدام لقاحيهما كأداة للنفوذ السياسي، وكذلك إعلان أن هذا اللقاح أو ذاك غير صالح للاستخدام، بسبب تأثيراته الجانبية، فتتدخل منظمة الصحة العالمية لنفي الإشاعات، ثم تعيد المفوضية الأوربية تأكيد أن لا مشكلة باللقاح محل الاتهام وهكذا دواليك.

حرب غير واضحة

ما يؤكد أنها حرب لا ترحم هو مدى تبدّل الرأي لدى الحكومات المعنية من يوم إلى آخر، فالباحث في موضوع اللقاحات والتلقيح سيقرأ في خلال أسبوع واحد خبراً ثم نقيضه في اليوم نفسه أو في اليوم التالي، فترتفع بورصة لقاح معين وتنخفض أخرى، لينقلب الأمر بشكل مفاجئ في وقت قصير. وهذا كله يعود إلى حجم هذه السوق المستجّدة من جهة، وللطلب الكبير على العقاقير من قبل كل دول العالم تقريباً، الذي لا تتمكن المختبرات والمصانع من تلبيتها في الوقت المحدد.

واللقاحات باتت معروفة أسماؤها والدول التي تصنّعها لدى كل البشر، وعلى رأسها "فايزر" و"جونسون أند جونسون" و"موديرنا" و"نوفافاكس" من الولايات المتحدة الأميركية، و"أسترازينيكا" الإنجليزي - الأوروبي، و"سبوتنيك – في" الروسي، و"سينوفارم" الصيني.

هذه العقاقير تعمل بطريقة متشابهة عموماً على جسم متلقيها، ولو أن النسبة المئوية في تحقيق التحصين تتراوح في ما بينها. لكن الأمر لم يعد مجرد تعامل مع دواء أو وسيلة للوقاية، بل مع أدوات قد تكون سياسية واقتصادية، تحديداً الصراع الذي تناول لقاحين هما "سبوتنيك – في" الروسي و"أسترازينيكا" الإنجليزي. فالاتحاد الأوروبي في مواجهة سياسية واقتصادية مع بلديّ تصنيع هذين اللقاحين، إنجلترا بعد بريكست، وروسيا بشكل دائم.

الصراع مع روسيا والصين

في القسم الروسي من الأزمة تراوح الأمر بين اتهامات سياسية لروسيا واتفاقات جانبية لدول أوروبية معها لشراء اللقاح. في البداية وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتهامات ضد روسيا والصين، أثناء القمة الأوروبية المنعقدة في بروكسل الشهر الماضي بـ"استخدام اللقاحات لأغراض سياسية وكأدوات للنفوذ السياسي على المسرح الدولي". وجاء رد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف بأننا "لا نوافق إطلاقاً على اتهام روسيا والصين باستخدام الجائحة والإشكالية التي تطرحها اللقاحات كأدوات نفوذ". وبعد هذا السجال طالب خبراء المختبرات بضرورة "الجنوح إلى التهدئة والتعاون للخروج من الأزمة الصحية التي تجابه العالم. لكي يعم السلام في كل العالم لا الحرب".

أما سبب هذا الاتهام السياسي فقد بدأ مع إجبار روسيا للمجر وسلوفاكيا بالموافقة على استخدام لقاح "سبوتنيك – في"، وهو ما أثار أزمة سياسية في سلوفاكيا. أما الصين فإنها تصدّر لقاحها "سينوفاك" لدول في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية. كما أعلنت أخيراً عن سياسة تأشيرات جديدة للزوار الذين تحصَّنوا بلقاح "سينوفاك".

لكن على رغم الاتهام الفرنسي لروسيا والصين، فإن الأمور تبدّلت بعد عدة أيام من ذاك الاتهام، فأجرت المستشارة الألمانية أنغيلا مركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الروسي فلاديمير بوتين مباحثات بشأن لقاح "سبوتنيك - في". وقال متحدث الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت، إن المحادثات بين القادة الثلاثة، التي جرت عبر الفيديو، تضمنت النقاش بشأن اللقاح الروسي. وبحسب الكرملين، ناقش القادة الثلاثة "عمليات تسليم محتملة وإنتاج مشترك" لهذا اللقاح في دول الاتحاد الأوروبي. وتعتزم شركة الأدوية الروسية "آر فارم" إنتاج العقار في مدينة إلرتيسن البافارية من يونيو (حزيران) أو يوليو (تموز) 2021.

جبهة "أسترازينيكا"

على جبهة "أسترازينيكا"، اللقاح الإنجليزي، ازداد الخلاف بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حول إمدادات اللقاح، خصوصاً أن أوروبا تعاني بطئاً شديداً في توزيع اللقاحات على رغم كل الجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي لتقديم اللقاح في المواعيد المحددة إلى مواطنيه. وكان الاتحاد الأوروبي الذي يصنّع لقاح "أسترازينيكا" في مختبراته قد قرر وقف تصدير العقاقير إلى الدول التي ترفض تصديرها مثل بريطانيا، وقال المفوض الأوروبي تييري بريتون إنه "ما من جرعة واحدة ستعبر بحر المانش إلا إذا زاد الإمداد أو غيَّرت بريطانيا موقفها من تصدير اللقاح". ما دفع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى التحذير من "حرب وشيكة على لقاحات كورونا، تضع بريطانيا في مواجهة أوروبا".

والسياسة الحمائية الأوروبية الجديدة تعتبر مخالفة عموماً لسياسات المفوضية الأوروبية، وهي الجناح التنفيذي للاتحاد الأوروبي التي كانت تدعو دائماً إلى فتح الحدود أمام التجارة الحرة. أما السبب في اعتماد أوروبا هذه السياسة الجديدة التي فرضتها الجائحة، فهو تبني بريطانيا مع حكومة المحافظين، والولايات المتحدة مع الرئيس السابق دونالد ترمب، سياسة تجارية جديدة وقاسية أَمْلَتْها حاجة المواطنين إلى اللقاحات وعزم حكوماتهم على توفيرها بأي وسيلة. فقد اعتمدت لندن وواشنطن على تعاقدات سرية مع مُصنِّعي العقاقير، واعتمدت واشنطن تحديداً على السلطات التي يمنحها "قانون الإنتاج الدفاعي" لفرض حظر فعلي على تصدير اللقاح.

ما الذي حدث؟

ما حدث في الاتحاد الأوروبي مرتبط بالإجراءات الإدارية المعقدة لاتخاذ قرارات سريعة، وهذا ما ظهر واضحاً منذ بداية أزمة كورونا. فعلى رغم القرارات المتخذّة فإن دولاً عدة ذات "النمو المنخفض" في الاتحاد، كدول أوروبا الشرقية، ظلَّت مُنقسمة حول التكلفة الكبيرة للقاحات. وتلكأ بعضها في دفع تكلفة جرعات باهظة الثمن أنتجتها دول غنية مثل ألمانيا، فيما رفض كثير من الوكالات الصحية الوطنية التخلّي عن سلطتها على مراقبة الجودة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فكانت النتيجة فوضى على مستوى المنظمات، أدت إلى حصول الاتحاد الأوروبي على جرعات أقل بكثير من الأعداد التي توقعها. ويعود السبب إلى رهان الاتحاد الكبير على عملاق الصناعات الدوائية الفرنسي "سانوفي" الذي وعد بإنتاج لقاح. ثم تطلَّع الاتحاد إلى أن يكون لقاح "أسترازينيكا"، الذي ابتكره باحثون في جامعة أكسفورد، أرخص وأكثر فاعلية. وتحقَّقت آمال الاتحاد الأوروبي تقريباً، لكن الشركة أعلنت في فبراير (شباط) الماضي أنها ستتأخر عن الموعد النهائي المُحدد لإمداد الاتحاد الأوروبي باللقاحات. ما أدى إلى شجب المفوضية الأوروبية قرار الشركة، مُلمِّحة بقوة إلى أن "أسترازينيكا" تمد بريطانيا بجرعات اللقاح التي خُصِّصَت لأوروبا، بحسب تقرير نشرته "الغارديان".

لهذا لم يتمكن الاتحاد الأوروبي بإيفاء تعهداته للسوق العالمية، في اللحظة نفسها التي حررت لندن وواشنطن نفسيهما من هذه التعهُّدات. واستغلت الولايات المتحدة "قانون الإنتاج الدفاعي" الذي يسمح للحكومة بإجبار الشركات الخاصة على منح الأولوية للاحتياجات المحلية. بينما ظلَّت المصانع الأوروبية تنتج عشرات الملايين من جرعات اللقاح لبقية دول العالم بموجب تعاقداتها معهم.

هنا أتى دور إخفاء المعلومات لأسباب سياسية، فالاتحاد الأوروبي تردد قبل الكشف عن تصديره عشرات الملايين من الجرعات، إذ شعر بالقلق من أن تُشعِل هذه الأخبار غضب الأوروبيين الذين ينتظرون اللقاح. فيما تمتلك الولايات المتحدة عشرات الملايين من جرعات لقاح "أسترازينيكا"، التي ربما لن تحتاج إليها أبداً، بل واستخدمت احتياطها لمآرب سياسية، فمنحت جرعات اللقاح للمكسيك، بعد تنازلات من الحكومة المكسيكية، حول المهاجرين المكسيكيين عبر الحدود إلى الولايات المتحدة، في الوقت الذي لم تُقدِّم حتى الآن أي جرعات من اللقاح لحلفائها الأوروبيين على رغم طلباتهم المتكررة.

رأي البنك الدولي

هذه الأزمات السياسية بين الدول والتي تؤكد قصر الرؤية والاهتمام بالمصالح الخاصة، بينما الجائحة تعني العالم بأجمعه واقتصاده ومستقبله، لا تعني مباشرة المؤسسات الدولية التي تتناول الجانب الاقتصادي والاجتماعي للأزمة. فالبنك الدولي، على سبيل المثال، يتناول الموضوع من منطلق أممي عام، ويرى أن لا حل إلا بتعاون دولي وبمساعدة الدول الفقيرة من قبل الدول الغنية، وإلا لن نصل إلى نتيجة ذات جدوى على مستوى العالم في القريب العاجل.

وأكد رئيس البنك الدولي، أن الجائحة أحدثت أزمة صحية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، إذ أدت إلى زيادة معدلات الفقر وتفاقم أوجه عدم المساواة، وضياع ما تحقق من مكاسب إنمائية. ويتطلب السعي من أجل تحقيق تعاف عالمي برأي البنك الدولي، تقديم دعم مالي وفني متواصل ومتمايز ومُوجه للحكومات والقطاع الخاص، مع ضرورة تنسيق دولي قوي لاحتواء آثار الجائحة وتداعياتها، إضافة إلى استئناف التقدم نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للبلدان، ومواصلة العمل على نحو وثيق لدعم استجابة البلدان النامية في مواجهة كورونا.