Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نفاد المدخرات ولم الشمل دافعان إلى عودة نازحي السودان لمناطقهم

تواجه الأسر تحديات عدة في ظل أضرار الحرب وتراجع الخدمات الأساسية

تعود أسر إلى أحياء تغيرت ملامحها ومنازل تعرضت للتدمير أو صارت غير صالحة للإقامة (أ ب)

ملخص

تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن اتساع حركة العودة، لكنها تكشف في الوقت ذاته عن استمرار وجود ملايين النازحين داخل البلاد. ففي الفترة الممتدة بين الـ27 من أغسطس والـ30 من سبتمبر الماضيين، قدَّرت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة عدد العائدين بنحو 5.27 مليون شخص في تسع ولايات، مقابل نحو 8.59 مليون نازح داخلياً في الولايات السودانية الـ18.

بعد ثلاثة أعوام ونصف العام على اندلاع الحرب المشتعلة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، بدأت حركة عودة السودانيين تكتسب مساحة متزايدة في المشهد الإنساني، مع اتجاه أعداد من النازحين واللاجئين لمناطقهم الأصلية، خصوصاً في ولايتي الخرطوم والجزيرة، لكن الوصول إلى المنطقة التي غادرها المرء تحت ضغط الحرب لا يعني بالضرورة استعادة حياته السابقة، أو العثور على منزل صالح للسكن، أو الحصول على عمل يضمن استمرار المعيشة.

تعود أسر إلى أحياء تغيرت ملامحها، ومنازل تعرضت للتدمير أو صارت غير صالحة للإقامة، وأسواق لم تستعد نشاطها بالكامل، ومرافق خدمية ما زالت تعاني آثار الحرب. وفي حالات أخرى، يضطر العائدون إلى الإقامة مع أقارب أو في مساكن موقتة، بينما يحاولون إعادة بناء مصادر دخل فقدوها خلال سنوات النزوح.

وتكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن اتساع حركة العودة، لكنها تكشف، في الوقت ذاته، عن استمرار وجود ملايين النازحين داخل البلاد. ففي الفترة الممتدة بين الـ27 من أغسطس (آب) والـ30 من سبتمبر (أيلول) الماضيين، قدرت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة عدد العائدين بنحو 5.27 مليون شخص في تسع ولايات، مقابل نحو 8.59 مليون نازح داخلياً في الولايات السودانية الـ18. وشكل العائدون من النزوح الداخلي نحو 82 في المئة من إجمال العائدين، مقابل 18 في المئة عادوا من خارج البلاد.

تحولات ديموغرافية

تفيد التقارير بأن عودة النازحين لمناطقهم في الآونة الأخيرة لا تتحرك بدافع واحد، فبينما يرتبط بعضها بتحسن نسبي في الأوضاع الأمنية ولم شمل الأسر، تدفع الضغوط الاقتصادية ونفاد المدخرات ومحدودية الموارد في مناطق النزوح أسراً أخرى إلى الرجوع، حتى في ظل استمرار التحديات بمناطقها الأصلية. وتشير هذه المعطيات إلى ضرورة التمييز بين العودة بوصفها حركة سكانية، والعودة بعدِّها عملية استقرار طويلة الأمد، فالوصول إلى منطقة الأصل لا يعني بالضرورة استعادة المسكن أو مصدر الدخل أو الخدمات الأساسية، إضافة إلى أن تراجع أعداد النازحين لا يمثل وحده دليلاً على انحسار الحاجات الإنسانية.

جمال الدين مصعب الباحث في الديموغرافيا والنزوح قال إن "أرقام العودة تقرأ في سياق التحولات الديموغرافية التي أحدثتها الحرب، وليس بعدِّها مؤشراً منفرداً على انتهاء النزوح. فارتفاع أعداد العائدين قد يعكس تحسناً نسبياً في الظروف الأمنية ببعض المناطق، لكنه قد يرتبط أيضاً بتآكل قدرة الأسر على مواصلة النزوح، واستنفاد مدخراتها، وتراجع فرص العمل ومصادر الدعم في أماكن وجودها"، وأضاف مصعب "من الناحية السكانية، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات، حركة العودة، واستعادة الإقامة الفعلية، وتحقيق الاستقرار، فالمستوى الأول يقيس انتقال الأفراد إلى مناطقهم الأصلية، والثاني يرتبط بقدرتهم على الإقامة فيها بصورة منتظمة، أما الثالث فيتجاوز ذلك إلى امتلاك مقومات الاستمرار، بما يشمل السكن الملائم، والأمن، والخدمات الأساسية، ومصادر الدخل"، وزاد أن "أهمية هذا التمييز تكمن في أن العودة قد تكون جزئية أو موقتة، فقد يعود رب الأسرة وحده لمعاينة المنزل أو البحث عن عمل، بينما تبقى بقية أفراد الأسرة في مناطق النزوح، وقد تضطر أسر أخرى إلى مغادرة مناطقها مجدداً عندما تكتشف أن الظروف المعيشية لا تسمح لها بالبقاء"، وواصل "لذلك، لا ينبغي التعامل مع خفض أعداد النازحين أو ارتفاع أعداد العائدين بوصفه دليلاً تلقائياً على تحسن الأوضاع الإنسانية، فالمؤشر الأكثر دلالة هو قدرة الأسر على البقاء في مناطقها بعد العودة، واستعادة الحد الأدنى من أنماط الحياة الطبيعية، من دون الاضطرار إلى الاعتماد المستمر على المساعدات أو مواجهة خطر النزوح مرة أخرى"، وختم الباحث في الديموغرافيا والنزوح حديثه بالقول إن "قياس العودة المستدامة يتطلب متابعة الأسر على فترات زمنية متباعدة، وربط بيانات الحركة السكانية بمؤشرات السكن والأمن الغذائي والعمل والتعليم والصحة، إضافة إلى رصد حالات النزوح المتكرر، فالأرقام لا تكتسب معناها الحقيقي من عدد الذين عادوا فحسب، بل من معرفة ما إذا كانوا تمكنوا من البقاء".

تراجع الموارد

لا تعني عودة السودانيين من دول اللجوء بالضرورة انتهاء رحلة النزوح، إذ تحكم قرار العودة عوامل متداخلة، تشمل الضغوط الاقتصادية وتراجع فرص العمل وارتفاع كلف المعيشة في دول الاستضافة، إضافة إلى الرغبة في لم شمل الأسر واستعادة الحياة في الوطن، غير أن الوصول إلى السودان يضع العائدين أمام تحديات جديدة تتعلق بالأمن والسكن والخدمات ومصادر الدخل.

في هذا الصدد أوضح المتخصص في مجال الهجرة واللجوء مازن مصطفى أنه "لا يمكن تفسير عودة اللاجئين السودانيين من الخارج بعدِّها مؤشراً منفرداً على تحسن الأوضاع داخل السودان، إذ تتداخل في اتخاذ القرار عوامل تتعلق بظروف بلد اللجوء، والقدرة الاقتصادية للأسرة، والتطورات الأمنية والخدمية في منطقة الأصل"، وتابع مصطفى "قرار العودة قد يكون نتيجة تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية، أو رغبة في لم شمل الأسرة واستعادة الروابط الاجتماعية، لكنه قد يرتبط أيضاً بتراجع الموارد المالية، وارتفاع كلف المعيشة، ومحدودية فرص العمل، والضغوط المرتبطة بالإقامة، وفي هذه الحالة، لا تكون العودة بالضرورة اختياراً بين وضع مستقر وآخر أفضل، بل قد تكون مفاضلة بين ظروف صعبة في بلد اللجوء وظروف غير مضمونة في بلد الأصل"، وأضاف "تبرز هنا أهمية التمييز بين العودة الطوعية والعودة التي تحكمها الضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية أو القانونية، فوجود قرار بالسفر لا يكفي وحده لإثبات أن الأسرة تمتلك الظروف التي تسمح لها بالعودة والاستقرار، إضافة إلى أن الرغبة في الرجوع إلى الوطن لا تعني بالضرورة القدرة على إعادة بناء الحياة فيه"، وبين أنه "من منظور الحماية، ينبغي تقييم العودة وفق مجموعة من المعايير، تشمل سلامة المنطقة، وإمكان الوصول إلى المسكن والممتلكات، وتوافر الخدمات الأساسية، وعدم التعرض لأخطار أمنية أو انتهاكات، فضلاً عن قدرة الأسرة على تأمين حاجاتها المعيشية، وينبغي مراعاة الفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة"، وحذر المتخصص في مجال الهجرة والنزوح من إحدى الإشكاليات الأساسية في أن "بعض الأسر قد تعود من دون امتلاك الموارد اللازمة للاستقرار، فتجد نفسها أمام احتمالات النزوح مجدداً أو الاعتماد على شبكات الدعم العائلي والمساعدات الإنسانية، لذلك، فإن تقييم نجاح العودة ينبغي ألا يتوقف عند مغادرة بلد اللجوء والوصول إلى السودان، بل يجب أن يمتد إلى متابعة أوضاع العائدين بعد الوصول، وقياس قدرتهم على البقاء واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تأمين الحاجات

تواجه الأسر العائدة من النزوح الداخلي تحديات تتجاوز الوصول إلى مناطقها الأصلية، إذ ترتبط العودة بقدرتها على استعادة مساكنها وممتلكاتها ومصادر دخلها، في ظل أضرار الحرب وتراجع الخدمات الأساسية.

الناشط في العمل الإنساني عبدالله علي قال "لا ينبغي قياس العودة من النزوح الداخلي بمجرد انتقال الأشخاص من مناطق إقامتهم الموقتة إلى مناطقهم الأصلية، لأن هذا الانتقال قد يحدث في ظل غياب مقومات الحياة الأساسية، فهناك فرق بين أن يصل النازح إلى منطقته، وأن يتمكن فعلياً من استعادة مسكنه وممتلكاته وممارسة حياته بصورة آمنة"، وتابع أن "العودة المستدامة تتطلب توافر مجموعة من الشروط المتكاملة، في مقدمها سلامة المنطقة من الأخطار الأمنية ومخلفات الحرب، وإمكان الوصول إلى السكن والمياه والرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن وجود فرص تساعد الأسرة على تأمين حاجاتها دون الاعتماد الدائم على المساعدات"، ولفت إلى أن "من القضايا المهمة أيضاً التمييز بين العودة الطوعية والعودة التي تفرضها الظروف، فقد يقرر بعض النازحين الرجوع بسبب تحسن الأوضاع في مناطقهم، بينما تدفع كلف الإقامة المرتفعة أو تراجع المساعدات أو فقدان مصادر الدخل في أماكن النزوح آخرين إلى المغادرة، حتى وإن لم تكن مناطقهم الأصلية قد استعادت الحد الأدنى من الخدمات والاستقرار"، ورأى الناشط في العمل الإنساني أن "استعادة الممتلكات تمثل جانباً أساساً من الحماية، خصوصاً للأسر التي فقدت وثائقها أو تواجه صعوبات في إثبات ملكيتها، ومن دون معالجة هذه المسائل، قد يجد العائدون أنفسهم أمام نزاعات جديدة تزيد من هشاشتهم وتحد من قدرتهم على الاستقرار، لذلك، فإن مسؤولية الاستجابة الإنسانية لا تنتهي عند تسجيل وصول العائدين، بل تمتد إلى متابعة أوضاعهم بعد العودة، ورصد الأسر التي لا تستطيع السكن في منازلها أو تأمين حاجاتها، وتحديد الحالات التي قد تضطر إلى النزوح مجدداً، فالعودة التي لا تضمن الحد الأدنى من الأمان والكرامة قد تتحول إلى حل موقت لا ينهي الأزمة، بل ينقلها إلى مكان آخر".

اختبار الاستقرار

لا تنتهي رحلة العودة بمجرد الوصول إلى المنطقة الأصلية، فالبقاء فيها يتطلب توافر مقومات الحياة الأساسية، من السكن والخدمات إلى فرص العمل والتعليم، بما يتيح للأسر استعادة حياتها من دون التعرض لخطر النزوح مجدداً.

المتخصص في الاقتصاد والتنمية هيثم محمد قال "يمكن النظر إلى العودة بعدِّها بداية لمرحلة اقتصادية جديدة تتحمل فيها الأسرة أعباء إعادة بناء ما فقدته خلال النزوح، فالعائد لا يعود لبيئة اقتصادية مستقرة بالضرورة، بل قد يجد نفسه أمام منزل يحتاج إلى إصلاح، وسوق عمل محدودة، وأسعار مرتفعة، وخدمات لا تعمل بصورة منتظمة"، ورأى محمد أن "المشكلة تكمن في أن كثيراً من الأسر تكون استنفدت مدخراتها خلال فترة النزوح، سواء في الإيجار أو الغذاء أو العلاج أو التنقل بين المناطق، وعند العودة، تواجه نفقات إضافية تتعلق بإصلاح المساكن وشراء الأثاث وتعويض الممتلكات المفقودة، في وقت لا تتوافر فيه بالضرورة فرص عمل كافية لتغطية هذه الكلف"، وتابع أن "تعافي الأسواق المحلية لا يرتبط بعودة السكان وحدها، بل يحتاج إلى عودة النشاط التجاري والإنتاجي، وتوافر التمويل والسلع، واستعادة شبكات النقل والإمداد، فعودة المستهلكين لمنطقة ما، من دون استعادة قدرتهم الشرائية أو توفر فرص العمل، لا تكفي لإعادة تنشيط اقتصادها"، ونوه بأن "معالجة هذه الفجوة تتطلب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى برامج تساعد الأسر على استعادة مصادر دخلها، بما في ذلك دعم المشروعات الصغيرة والأنشطة الزراعية والتجارية، وتوفير فرص العمل وإعادة تأهيل الأسواق المحلية، ويمكن للمساعدات النقدية وبرامج إصلاح المساكن أن تسهم في تخفيف الأعباء الأولية عن العائدين"، ومضى المتخصص في الاقتصاد والتنمية في القول "يجب ألا يقاس التعافي بعدد المنازل التي أعيد بناؤها أو السكان الذين عادوا فحسب، بل بقدرة الأسر على تغطية حاجاتها الأساسية، واستمرار مصادر دخلها، وخفض اعتمادها على المساعدات الإنسانية، فهذه المؤشرات هي التي تساعد على التمييز بين عودة سكانية موقتة واستقرار اقتصادي واجتماعي قابل للاستمرار".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير