Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جدل في تونس حول التعيينات على رأس المؤسسات الإعلامية

بن يونس يؤكد أن الإعلام العمومي بحاجة للإصلاح وتكليفه برئاسة وكالة أنباء البلاد يفتح أبواب الولاءات السياسية

تمكن بن يونس من دخول مقر الوكالة يرافقه أفراد من الأمن بالرغم من صراخ الصحافيين والاحتجاج المتواصل (رويترز)

فشلت الحكومات المتعاقبة التونسية في إدارة الإعلام العمومي، واتهِمت بمحاولة وضع اليد على القطاع المموّل من قبل الدولة، ودخلت في أكثر من مناسبة في مواجهة مع هياكل المهنة، التي ترفض في كل مرة التعيينات المحسوبة على الأحزاب الحاكمة. وتعود أسباب المواجهة، إلى عدم وجود آليات موضوعية، ومعايير علمية لحوكمة التعيينات على رأس المؤسسات الإعلامية، بينما تطالب هياكل المهنة بالنأي بها عن التعيينات القائمة على الولاءات السياسية، التي تهدد حياد الإعلام العمومي باعتباره مرفقاً عاماً.

الحكومة تحتكر التعيينات

وأثار تعيين الحكومة للصحافي كمال بن يونس في 6 أبريل (نيسان) الجاري على رأس وكالة "تونس أفريقيا للأنباء"، وهي الوكالة الرسمية الوحيدة، احتجاج الصحافيين وكل العاملين في المؤسسة، واعتبروه تعييناً حزبياً.

وتمكن اليوم المدير العام المعين حديثاً من الدخول إلى مقر عمله بعدما منعه صحافيون يحتجون على هذا التعيين "السياسي". وينفذ العشرات من الصحافيين العاملين في وكالة تونس أفريقيا للأنباء احتجاجات متواصلة منذ تعيين كمال بن يونس مطلع الشهر الحالي من قبل الحكومة ومنعوه من الوصول إلى مكتبه الثلاثاء.

لكن بن يونس تمكّن من دخول مقر الوكالة يرافقه أفراد من الأمن على الرغم من صراخ الصحافيين والاحتجاج المتواصل، على ما أفادت وسائل إعلام محلية ونقابة الصحافيين. وأظهر مقطع فيديو نشر على مواقع التواصل الاجتماعي أحد المحتجين يصرخ في وجه المدير العام الجديد المحاط بقوات من الأمن، قائلاً "بهذه الطريقة تريدون تسيير الوكالة".

في المقابل، أدانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، اليوم الثلاثاء 13 أبريل (نيسان) 2021، اقتحام عناصر أمنيّة للوكالة، واعتبرت أن تدخّل الأمن في الشأن الإعلامي هو تجاوز خطير ومرفوض على الإطلاق. وحذّرت النقابة، في بيان، من "أن سياسة المواجهة المفتوحة مع الإعلام ستزيد من الاحتقان والتوتر الاجتماعي وانعدام الثقة"، داعية إلى "الاستعداد للإضراب في الوكالة المقرر في 22 ابريل (نيسان) 2021 .

من جهة ثانية، أكد العاملون في الوكالة، رفضهم القاطع التعامل مع المدير العام الجديد، "لما في سجله الشخصي، قبل الثورة، من انتهاكات لحرية الصحافة والتعبير والعمل النقابي الحر، وامتهان للدعاية للديكتاتورية"، بحسب البيان، الصادر عن فرع النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، والنقابة الأساسية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل.

كما اعتبر البيان أن هذا التعيين "يهدد بجدية استقلالية الوكالة، كمرفق إعلامي عمومي ممول من دافعي الضرائب، ومحمول على الحياد التام، إزاء كل الحساسيات السياسية والاجتماعية في البلاد"، ودعت النقابات كل الأطراف المتدخلة في ملف الإعلام، إلى "حَوْكَمة التعيين في منصب الرئيس المدير العام لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، الذي ما زالت تحتكره رئاسة الحكومة، من دون سواها، كما كانت الحال في عهد الديكتاتورية".

وقد شغل كمال بن يونس، مسؤوليات إعلامية داخلية وعالمية متعددة، منها، مستشار خبير للمدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، ومدير عام شركة إذاعة الزيتونة المصادَرة، كما عمل صحافياً مراسلاً ومحللاً في جريدة "الشرق الأوسط" اللندنية، ومراسِلاً إقليمياً في تونس وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا في "بي بي سي".

"اندبندنت عربية" اتصلت بالمدير العام المعين كمال بن يونس لعرض موقفه مما يجري في الإعلام التونسي، ورفض صحفيي الوكالة وأعوانها تعيينه، إلا انه امتنع عن التصريح، لافتاً إلى أن الوضع في الإعلام العمومي يتطلب الإصلاح.

الحكومة لن تتراجع عن التعيين

وفي تعليقه، على ما أثاره هذا التعيين من جدل في الساحة الإعلامية، أكد رئيس الحكومة هشام المشيشي أنه "لن تتم إعادة النظر في تعيين المدير العام الجديد لوكالة تونس أفريقيا للأنباء"، وذلك بعد تلويح العاملين بهذه المؤسسة بالدخول في إضراب عام، في حال لم تتراجع الحكومة عن تعيينه.

وأضاف المشيشي خلال تدشينه للمستشفى الميداني بولاية القيروان، أمس، أن "التعيين لا يتم بالانتخاب بل بالتكليف، وهو الأمر الذي تم بالمؤسسة إدارياً ومالياً". لافتاً إلى أن "الخط التحريري من اختصاص صحافيي الوكالة وهم الذين يحددونه ويقومون بعملهم بكل استقلالية، بعيداً من التدخلات".

ومن جهته، نفى القيادي في حركة النهضة، عبد اللطيف المكي، أن يكون كمال بن يونس مقرباً من الإسلاميين، وأكد أنه تم تعيينه من أجل كفاءته وخبرته في مجال الإعلام.

واتهم القيادي في النهضة الصحافيين الذين يرفضون تعيين بن يونس، بأنهم في الماضي كانوا من مساندي نظام بن علي، ويرون أن المناصب حكراً عليهم" بحسب قوله.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رفض تعيين على رأس إذاعة مصادرة

بالتوازي مع ذلك، يواصل العاملون في إذاعة "شمس أف أم"، وهي إذاعة مصادَرة، اعتصامهم في مقر الإذاعة منذ شهر، رفضاً لتعيين مديرة عامة للمؤسسة من قبل الحكومة، مطالبين بالتراجع عن تعيين وصفوه بــ"الـمُسقط "على رأس المؤسسة من دون مراعاة لمعايير الكفاءة والمهنية.

وطالب فرع النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، والنقابة الأساسية بالإذاعة، "بتعيين متصرف إداري، متفرغ وكفء قادر على تقديم تصور لإنقاذ المؤسسة، وإعادة هيكلتها المالية.

كما عبر ائتلاف "صمود" (مجتمع مدني) في بيان، عن مساندته وتضامنه مع وكالة "تونس أفريقيا للأنباء" وإذاعة "شمس أف أم"، وندد بما تتعرض له المؤسستان، من "محاولات للتدجين والتركيع، بخاصة أنهما تميزتا بالحياد وعُرِفتا بالوقوف على المسافة نفسها من مختلف مكونات المجتمع السياسي"، داعياً قوى المجتمع المدني والأحزاب التقدمية إلى مزيد الانخراط في الدفاع عن استقلال الإعلام.

وتجدر الإشارة إلى أن إذاعة "شمس أف أم" هي إذاعة مصادَرة كانت مملوكة لسيرين بن علي ابنة الرئيس السابق زين العابدين بن علي، وتمت مصادرتها مباشرة بعد 2011.

وعبرت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، في بيان لها، عن رفضها لما اعتبرته "تعيينات مُسقطة"، من دون الرجوع إليها منتقدة تمادي الحكومة في تعيين الرؤساء المديرين العامين على رأس المؤسسات الإعلامية السمعية والبصرية المصادرة، "في غياب تام للشفافية".

في المقابل، تعهد رئيس الحكومة هشام المشيشي، بتجاوز الإشكاليات المطروحة في الإذاعة في أقرب الآجال، معبراً عن تفهمه لمطالب الصحافيين، والعاملين في المؤسسة. في غضون ذلك، تعيش مؤسسة الإذاعة التونسية، منذ أكثر من سنتين، من دون مدير عام ويتولى إدارتها بالنيابة، المدير العام للتلفزة التونسية.

الحل في مجالس الإدارة المستقلة

فما هي الآلية الأنسب للتعيين على رأس المؤسسات الإعلامية العمومية؟ من أجل تفادي مأزق التعيينات بالولاءات.

سؤال طرحناه على الباحث والخبير المعتمد لدى منظمات عربية ودولية في مجال الإعلام السمعي البصري، والذي أصدر أخيراً كتاباً حول "أزمة الإعلام العمومي في تونس"  ماهر عبد الرحمن، الذي دعا الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا)، إلى ممارسة صلاحياتها، بخصوص إذاعة "شمس أف أم"، التابعة للإعلام العمومي، بعد أن تمت مصادرتها، من خلال الرأي المطابق في تعيين مدير عام هذه الإذاعة.

والرأي المطابق هو مبدأ الاتفاق بين الحكومة، والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، على شخصية ذات كفاءة بعد إجراء محادثة وتقديم مشروع للمؤسسة المعنية.

ويرى عبد الرحمن أن تركيز مجالس إدارة مستقلة لإدارة المؤسسات الإعلامية يمكن أن تحميها من التدخلات الحزبية والولاءات السياسية.

تمثيل المواطن في مجلس إدارة المؤسسة

ودعا إلى توحيد مؤسستي الإذاعة والتلفزة التونسيتين، ووضع مجلس إدارة مغاير لما هو موجود، يتركب من ممثلين لـ"أصحاب المصلحة" وهو مفهوم اقتصادي، يعني أن كل من له مصلحة في المؤسسة، لا بد أن يكون له تمثيل في مجلس إدارتها، يوازي نسبة مساهمته في رأس المال أو في المصاريف السنوية.

واعتبر أن تجربة الرأي المطابق المعتمدة في تونس بالتعيينات على مدى ثماني سنوات أثبتت فشلها، داعياً إلى اختيار المدير العام من قبل مجلس إدارة المؤسسة. وبخصوص الأزمة الراهنة في وكالة "تونس أفريقيا للأنباء"، شدد عبد الرحمن، على ضرورة تغيير تركيبة مجالس الإدارة لهذه المؤسسة، لافتاً إلى ضرورة تمثيل المواطن التونسي في هذه المجالس من أجل الدفاع عن حقوقه في مرفق إعلامي عمومي، وهو الذي يسهم في تمويله من خلال فاتورة الكهرباء بحسب القانون التونسي.

حالة من الجمود تسود المشهد الإعلامي العمومي في تونس وسط غياب سياسات عمومية واضحة لإدارة هذا القطاع، الذي بقي يعاني إرث ما قبل 2011، من تشريعات وآليات تسيير بالية، وفاقمت وضعه الأزمات المتتالية للحكومات المتعاقبة، التي عجزت عن حوكمة قطاع حيوي في الديمقراطيات.

المزيد من العالم العربي