Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اضربونا... لن نترك طاولة التفاوض

تعتقد دوائر التفكير في طهران بضرورة اللجوء إلى مبدأ الصبر الاستراتيجي في مواجهة الاعتداءات

قالت إيران إن الحادث فرصة لتطوير عمليات التخصيب وتسريعها بالاستعاضة بالأجهزة المدمرة بأخرى أكثر تطوراً (أ ف ب)

رسالة طمأنة وجهها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إلى مجموعة دول 4+1 والولايات المتحدة الأميركية، من أن بلاده لن تترك أو تنسحب من طاولة المفاوضات، لإعادة إحياء الاتفاق النووي بعد العملية التخريبية التي تعرضت لها منشأة نطنز الاستراتيجية لتخصيب اليورانيوم.

رسالة طمأنة الهواجس الأوروبية لم تمنع ظريف وقيادات النظام الإيراني من وصف هذه العملية بالإرهاب النووي، الذي تتحمل مسؤوليته الحكومة الإسرائيلية التي تبذل كل جهودها لإفشال المفاوضات، والإبقاء على حصار إيران والعقوبات المفروضة عليها، وقطع الطريق أمام أي تفاهم بينها وبين واشنطن في المستقبل.

آليات الرد الإيراني

التمسك بالتفاوض وتقديم شكوى إلى مجلس الأمن ضد إسرائيل، واتهامها بالمسؤولية عن التخريب، تشكل جزءاً من الرد الإيراني على الاعتداء الذي استهدف للمرة الثانية درة البرنامج النووي، وإحدى أهم حلقاته الاستراتيجية، إضافة إلى رد آخر أشار إليه ظريف بتحويل الاعتداء وما نجم عنه من تدمير لأجهزة طرد مركزي من الجيل الأول IR1 إلى فرصة، لتطوير عمليات التخصيب، وتسريعها من خلال الاستعاضة بالأجهزة المدمرة بأجهزة جديدة أكثر تطوراً من الجيل السادس IR6، وما فوق.

عملية التخريب التي طاولت أنظمة التزود بالكهرباء، أدت إلى تدمير منظومات من أجهزة الطرد المركزي عالية الحساسية التي تخرج عن الخدمة، وتصبح غير صالحة عندما تتوقف عن الدوران، وفق ما قال مهندس إيراني يعمل في برنامج طهران النووي، ومن غير الواضح مدى الأضرار التي لحقت بمنظومات أجهزة الطرد المتطورة الأخرى التي أعلن عن تشغيلها في الأيام الأخيرة، التي إن تعطلت فإنها تعد ضربة قاسية ومكلفة اقتصادياً ومادياً، وحتى معنوياً للبرنامج النووي، خصوصاً أن عملية استبدالها قد تستغرق مدة زمنية لا تخدم الطموحات الإيرانية بتحويل التخصيب لإحدى أهم الأوراق على طاولة التفاوض، إضافة إلى أنها تأتي بعد عملية التفجير التي وقعت في المنشأة في الثاني من يوليو (تموز) 2020، واستهدفت القسم الذي تجري فيه عملية تجميع هذه الأجهزة وتجهزيها قبل تركيبها.

وقد سببت هذه العملية الجديدة إحراجاً كبيراً لأجهزة الأمن الخاصة بالمنشآت النووية، التي تتبع مباشرة مؤسسة حرس الثورة، المسؤولة عن أمن البرنامج النووي بالكامل، بحيث تجعل هذه المؤسسة معنية مباشرة بآليات الرد على هذا الاعتداء الذي يجمع كل الأطراف في إيران على المسؤولية الإسرائيلية عنه، خصوصاً أنه يأتي بعد أيام على ضربة أخرى تعرضت لها هيبة هذه المؤسسة التي تتولى الجزء الأعظم من عملية تسويق النفط الإيراني، عندما أعلنت تل أبيب ضرب إحدى الناقلات الإيرانية في البحر الأحمر، بحيث أصبح حرس الثورة مطالباً بالرد العملي المباشر على الجهة المسؤولية وعدم الاكتفاء بالاحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين.

تداعيات الاعتداء

قد يكون للتداعيات المباشرة لعملية التخريب الجديدة هذه تأثير على مسار المفاوضات غير المباشرة التي من المفترض تجري بين إيران وواشنطن هذا الأسبوع في فيينا بواسطة من مجموعة 4+1، إذ ستمنح الجانب الأميركي، الذي سارع للإعراب عن قلقه من هذه العملية، فرصة أكبر للضغط على الجانب الإيراني الذي فقد إمكانية استخدام ورقة التخصيب في الأشهر المقبلة على أقل تقدير، ما يعني أن المفاوض الإيراني لم يعد يتمتع بالوضع الذي كان لديه قبل هذه العملية، بالتالي فإنه قد يذهب إلى اعتماد ليونة أكبر في التعامل مع هو مطروح على الطاولة من الأطراف الدولية، خصوصاً إمكانية اللجوء إلى معادلة الخطوة مقابل خطوة، وأن يعيد تعديل شرط مصداقية التزام واشنطن برفع العقوبات إلى الحد الزمني الأدنى من خلال حسم الجدل الداخلي حول مدته التي قد لا تتعدى في هذه الظروف يوماً واحداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبدو أن دوائر التفكير الاستراتيجي والدبلوماسي في طهران تعتقد بضرورة لجوء إيران لاعتماد مبدأ الصبر الاستراتيجي في مواجهة هذه الاعتداءات التي تقوم بها إسرائيل، وتفويت الفرصة على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يسعى لضرب المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن، وأن يدفع بايدن لعدم التعاون مع المطالب الإيرانية ورفع العقوبات الاقتصادية عنها، نتيجة المخاوف الكبيرة لدى القيادة الإسرائيلية من عودة طهران إلى استخدام ورقة التفاوض والتخلص من العقوبات لزيادة دورها ونفوذها وتأثيرها في دول المنطقة، وما يعنيه ذلك من آثار سلبية على الاستراتيجية الإسرائيلية في الإبقاء على إيران محاصرة ومعزولة.

الاستمرار في التفاوض

إن المعركة التي من المتوقع أن تحتدم داخل إيران بعد الاعتداء على نطنز بين فريق يطالب باستمرار التفاوض وآخر يدعو إلى الانسحاب من لقاءات فيينا، قد تنتهي لصالح الفريق المؤيد لاستمرارها مع تغيير في الشروط والتعامل، لأن المبدأ الذي تتحرك في ظله قيادة النظام يقوم على سحب الذرائع من الطرف الأميركي وعدم إعطائه ورقة مجانية للاستمرار في سياسته المعادية ضدها، وأن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على عدم رفض مبدأ التفاوض الذي لا يتعارض مع عقيدة النظام والدولة، لأن التفاوض يشكل وسيلة دبلوماسية، وهي لا تعني أن يكون النظام والحكومة ملزمين بالنتائج والأهداف التي يريدها الطرف الآخر.

وهو ما يعني أن الهدف الإيراني هو الاستمرار في التفاوض للوصول إلى إلغاء جميع العقوبات وعدم الانزلاق تحت ضغط التطورات إلى القبول بمبدأ تقسيم رفعها على مراحل الذي تريده واشنطن من خلال الحديث عن حقب زمنية لها تعود إلى عقوبات أوبامية، وأخرى ترمبية، وأخرى خاصة بالاتفاق النووي، أو تلك المتعلقة بالجانب النووي. وهذه الاستراتيجية ونجاحها يعتمدان على قدرة إيران على رفع منسوب القلق الأميركي باستخدام ورقة الاعتداءات التي تتعرض لها والتلويح بتمسكها بحقها في الرد على الجهة التي اعتدت عليها وما يمكن أن تؤدي إليه من تداعيات تنقل المنطقة إلى مواجهة وحرب مفتوحتين قد تجبر واشنطن وآخرين على التورط فيها.

المزيد من تحلیل