Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أمهات فقدن أبناء قاتلوا إلى جانب "داعش" في سوريا يروين معاناتهن

"بكيت ليال كثيرة وأذكر كيف مشيت في شوارع المدينة وأنا أشعر بأنني مجرد نصف إنسانة"

خلفت تجربة "داعش" مآسي عديدة لعائلات في الغرب، من أشدها فقدان الأبناء (من ألبوم نيكولا بن يحيى)

لا تعلم نيكولا بن يحيى كيف توفي وحيدها أو أين بالتحديد. ويتمثّل كل ما تعرفه في أن الوفاة حصلت في مكان ما على الحدود السورية العراقية البالغة 599 كيلومتراً.

وفي حديثها مع "اندبندنت"، تفيد السيدة بن يحيى بأنهم "لا يعطونك معلومات كثيرة لأن المرحلة فيها تقلّبات جمة. لا بد من أن داعش نفّذت عمليات كثيرة، لذلك لم يريدوا المخاطرة بإفشاء أي معلومات".

لقد تغيرت حياتها إلى الأبد عندما علمت بأن وحيدها رشيد (19 سنة) توفي بعد ذهابه إلى القتال مع تنظيم "داعش" عام 2015. ومذاك، أسّست منظمة تُدعى "أُسَرْ مدى الحياة" Families for Life بهدف دعم العائلات التي توجّه أبناؤها نحو التطرف، إثر اعتقادها بأن الأمهات قادرات على لعب دور قوي في إيقاف تلك العملية. 

وتضيف الأم لخمسة أولاد "أعمل مع عائلات كثيرة إما فقدت شخصاً أو لديها شخص في السجن في المملكة المتحدة. أريد الأمل للناس. طالما تكتشف الأمر بالسرعة الكافية، ليس من الضروري أن يؤول إلى هذه النهاية".

لكن للأسف، فات الأوان طبعاً بالنسبة إلى السيدة بن يحيى وزوجها، إذ ارتبطت بزوجها 30 عاماً، ثم انفصلا فترة وجيزة، بل عاشا منفصلين طيلة شهرين بعد معاناتهما "مشكلات زوجية"، قبل اختفاء رشيد المفاجئ من منزلهما في برمنغهام. وتخشى السيدة بن يحيى أن ذلك [الانفصال] قد يكون سبب اضطراب ابنها.

وتضيف: "اعتقدت أن حياتنا الأسرية عادت إلى مجراها لكنني رأيت بعض التغييرات فيه [الابن]. بدل أن يكون ذلك الشخص الحيوي والحماسي، أصبح انطوائياً. وكذلك صار صعب المراس بعض الشيء، لا سيما معي، وذلك سلوك لا يشبهه على الإطلاق. عندما يذاع نبأ عن سوريا أو أي خبر يتعلق بالظلم أو بالنزاعات على نشرة الأخبار، يمكنك أن ترى تلك الحماسة فيه. ذلك الشعور فيه. شيء ما قد اتَّقد في داخله".

وصفت السيدة بن يحيى ابنها الذي كان يعمل في شركة هندسة بأنه "شخص رقيق" يمكن التأثير في قلبه "بسهولة"، مضيفة أن الشخص الذي ورّطه مع "داعش" استغل شعوره الكبير بالتعاطف.

"غالباً ما نركّز على نقاط الضعف لكن قد تشكّل المشاعر الإيجابية كرغبة أحدهم في إحداث تغيير، النقطة التي يستغلها المتطرفون في تحقيق مآربهم الخاصة. لا يعلم الشباب تماماً ما هي المخاطر أو عواقب الأمور". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشارت السيدة بن يحيى التي لديها أربع فتيات كذلك، إلى أن رشيد أكمل تدريباً مهنياً في الهندسة في الجامعة بعد نجاحه في 12 مادة من مواد شهادة الثانوية العامة ["جي سي أس إي" GCSE]، ووصفته بأنه ولد "ذكي ومصمّم" ونال محبة أصدقاء كثيرين.

اختفى رشيد من غير سابق إنذار في مايو (أيار) 2015. وبعد إبلاغ الشرطة عن اختفائه بيومين، تلقّت السيدة بن يحيى رسالة منه على تطبيق "واتساب". وجاء في تلك الرسالة، "إعلمي أرجوك أنني لم أكن لأضع أي أحد في هذا الموقف لو لم أعلم ما هي المكافأة. أسأل الله أن يحميك ويكافئك بأعلى درجات الجنة. لا تقلقي أرجوك. أحبك أكثر من أي وقت مضى وأنا آسف، مجدداً".

وطلب رشيد من والدته عدم الذهاب إلى الشرطة أو الإعلام وحذّرها من أنهم سيقلبون "حياتها جحيماً" [إذا فعلت ذلك]، وأخبرها أيضاً بأنه لن يمتلك هاتفاً طيلة 30 يوماً. بعد شهرين ونصف تقريباً، تلقّت اتصالاً منه عبر "واتساب" أخبرها فيه أنه في سوريا. 

وتذكر السيدة بن يحيى: "كانت فترة خمسة أو ستة أشهر مذهلة من التواصل المستمر. تواصلت معه بأكبر قدر ممكن عبر "واتساب" والاتصالات كي أشكّل صورة عن الحياة هناك، إذ تمثّلت الطريقة الوحيدة التي استطعت التفكير فيها من أجل إخراجه من هناك، في الحصول على أكبر قدر من المعلومات منه. لقد حاولت أن أجعله يغيّر رأيه، ويرى الخطأ في هذا الموضوع".

وبدأت تلاحظ "تغييراً" في سلوكه. ولكن، بعد مرور أسبوعين أو ثلاثة على ذلك، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، تلقّت اتصالاً هاتفياً من أحد المقاتلين معه يخبرها فيه بأن رشيد تعرّض لانفجار قنبلة.

"ذلك المقاتل كان معه حين قُتل. لم تستغرق المكالمة أكثر من خمس دقائق. سألته أين حصل ذلك. وأخبرها أن ذلك حدث في مكان ما على الحدود السورية العراقية، لكن قد يكون ذلك في أي مكان. التزمنا الصمت حيال الموضوع سنة كاملة لأننا خفنا من رد فعل الناس".

وتنقل السيدة بن يحيى أنها لم تخبر شقيقها أو شقيقتها بوفاته [رشيد] سوى بعد مرور ستة أشهر، قبل أن تتجه إلى الإعلام وتعلن عما حصل بعد مرور سنة على تلك الحادثة.

"لم يودّعنا عندما ذهب. فقدنا كل لحظات الوداع، ما عقّد الحزن أكثر. تصيبك حالة من عدم التصديق، وتفكر لا بد من أنه موجود في مكان ما حتى الآن. أذكر كيف كنت أسير في شوارع المدينة وأشعر بأنني نصف إنسانة، وموجودة فحسب".

في حكاية مماثلة أخرى، انقلبت حياة يارا* حين قُتل ابنها بعد مغادرته بريطانيا للالتحاق بـ"داعش" في سوريا. 

وقد تحدثت إلى "اندبندنت"، مشيرة إلى أن "ابني كان صغير السنّ. لم أشكّ بشيء. اختفى. وأخبرني ابني الثاني أنه تلقّى رسالة منه يذكر فيها أنه في سوريا وانضم إلى داعش. لم أتمكّن من الاتصال به".

وتستكمل يارا بالإشارة إلى أنها شعرت "بالصدمة" و"الغضب" و"الحزن" عندما علمت بأنه ذهب للالتحاق بـ"داعش"، موضحةً أن كل ما أرادته هو مجرد أن يعود إلى حضنها.

"لماذا انضمّ إلى جماعة كهذه؟ من الواضح أنه تعرّض لغسيل دماغ. ابني كان صغير السن وقد استهدفوه. بكيتُ ليالٍ كثيرة. بعد فترة، رأى أحدهم في محيطنا منشوراً على فيسبوك حول وفاة ابني، وأتى إلى منزلي كي يخبرني ذلك".

"تحطّمتُ. خسرتُ ابني، ولدي، طفلي. عارٌ على من أخذه مني. بكيتُ كثيراً. أنا حزينة جداً لكني اضطررتُ إلى البقاء قوية من أجل أبنائي الباقين. لا يجب أن يمرّ أي شخص آخر بهذه التجربة. لو علمت ما الذي يجب أن ألاحظه، ربما كنت قدرت على إنقاذه".

توجّه نحو 900 مواطن بريطاني إلى سوريا والعراق كي يلتحقوا بتنظيم داعش. وتوفي مئات منهم هناك. ويقدّر عدد العائدين إلى المملكة المتحدة منذ ذلك الحين بـ450 شخصاً.

تعمل ساجدة مغال، المسلمة الوحيدة من بين الناجين من تفجيرات لندن في 7 يوليو (تموز) 2005، مباشرة مع الأمهات في المملكة المتحدة من أجل مكافحة الإرهاب.

وقد ذكرت السيدة مغال، مديرة منظمة "جان ترست" (JAN Trust) الخيرية التي تدعم النساء المهمشات وتعزّز الوعي بشؤون التطرف، أنها علمت فوراً "أن أفضل مكان للانطلاق في العمل" يكون مع الأمهات.

وتروي تلك العاملة الخيرية التي تدير برنامجاً اسمه "حُرّاس الويب" (Web Guardians) يدعم أمهات أصبح أولادهن متطرفين أو أنهم عرضة للتطرف، أنها التقت أمهات في شمال لندن وبورتسموث توفّي أبناؤهن بعد ذهابهم إلى سوريا للالتحاق بـ"داعش"، وقد أخبَرنها أن أولادهن لم يكونوا ليتوفّوا لو خاضوا هذا البرنامج قبلاً.

"إن الأمر مزعج للغاية. يمكنك أن ترى تأثير الحادث فيهن. يتحدثن عن عدم وجود المقبرة والدفن، وأنهن لم يحظين بفرصة حقيقية في الحداد. لم يتسنَّ لهن الحصول على خاتمة. لقد كُنَّ محبطات للغاية ويبكين طوال الوقت. كنت ترى ذلك وتشعر بألمهنّ."

وتشير مغال إلى إن البرنامج يعلّم الأمهات كيف ينتبهن إلى التغيير في اللغة التي يستخدمها أبناؤهن أو في الأشخاص الذين يتعاملون معهم على الإنترنت ونشاطهم الافتراضي.

"أو [ينتبهن إلى] الأمور التي فقدوا اهتمامهم بها، بالمقارنة مع تلك التي أصبحت تهمّهم الآن. ثمة ما يقلقني في أن شباب آخرين معرّضون لخطر التطرف، لا سيما أثناء هذا الإغلاق، ولم يتسنَّ للأمهات المشاركة في برنامج "حراس الويب" لأنه ما عاد يحصل على تمويل".

 في الخريف الماضي، تبيّن أن عدد الأشخاص الذين أحيلوا على برنامج "بريفينت" (Prevent) المتعلق بمكافحة التطرف في المملكة المتحدة بسبب الاشتباه في أنهم متطرفون إسلامويون قد ازداد للمرة الأولى منذ أربع سنوات. خلال عام كامل، وصولاً إلى مارس (آذار) 2020، نظر "بريفينت" في 1500 حالة تقريباً على خلفية مخاوف تتعلق بالتطرف الإسلامي، ما يشكّل زيادة بـ6 في المئة عن العام السابق.

صوفيا محمود التي أسست برنامج تمكين الأمهات لمكافحة التطرف والاستقطاب تقول: "الأمهات ركائز أساسية في المنزل. إنهن يقضين وقتاً طويلاً مع أبنائهن. ويشكّل حضن الأم أول نوع من التربية يحصل عليه الطفل. وكذلك يعني تحلّي الأمهات بذكاء اجتماعي وعاطفي في التواصل مع أبنائهن وفتح أحاديث معهم، [يعني] أنهن قادرات على اكتشاف أي تغيير يطرأ على تصرفاتهم بسرعة".

وتضيف السيدة محمود التي أسست منظمة مقرها في برادفورد تُسمّى "تمكين العقول" ("إمباورينغ مايندس" Empowering Minds): "يقلّل الناس من تقدير الأمهات في كل مجالات الحياة. وبالنتيجة، يظن الناس أن تحوّل المرأة إلى أمّ يؤدي إلى فقدانها المعرفة، لكنها لا تفقدها. إن الأم هي من يقود الطفل إلى النمو".

*تغيّر الاسم لإبقاء هوية الشخص سرية

© The Independent

المزيد من سياسة