Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أشخاص سلوى بكر يوقظونها من نومها مطالبين بحقوقهم

"مسرح زوبة" مجموعة قصص طالعة من الطبقات الفقيرة والمحبطة

الروائية المصرية سلوى بكر (صفحة الكاتبة على فيسبوك)

يصف جيرار جينيت الشخصية السردية بأنها شخصية "ورقية" من صنع خيال الكاتب مهما كانت أوجه التشابه بينها وما يناظرها من شخصيات حقيقية، بحيث يظل الجدل مستمراً بين هذين المستويين: الحقيقي والخيالي. وهذا ما توظفه الكاتبة سلوى بكر في مجموعتها القصصية "مسرح زوبة" (الهيئة المصرية العامة للكتاب)، فشخصياتها ـ دائماً ـ مستمدة من الواقع الراهن أو من التاريخ. وبهذا فهي تتجاوز فكرة الشخصية الورقية المصنوعة لتصبح شخصيات من لحم ودم تشعر أنك تصادفها كثيراً في الواقع؛ سواء كانت منتمية إلى الطبقات الفقيرة المقهورة أو إلى الطبقة المتوسطة الراغبة في الارتقاء الاجتماعي والمحبطة دائماً.

ولا تكتفي سلوى بكر بهذا التماهي بين الخيالي والواقعي، بل تستحضر أبطال قصصها ورواياتها في قصة "دمعة تسيل على خدي"، وهي آخر قصص المجموعة، كأنها لحن الختام الحزين بعد رحلة طويلة بين الواقع والإبداع. فنجد "أم شِحْتة" التي فجرت ثورة الجياع سنة 1977، و"كريمة" في قصة "إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء"، و"عزيزة" و"عظيمة" و"جمالات" في رواية "العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء".

يجتمع هؤلاء وغيرهم في إحدى غفوات الكاتبة مطالبين بحقوقهم حيث يرون أنهم سبب شهرتها. وهنا تأخذ القصة شكلاً مسرحياً من خلال تحديد المكان وتوظيف الحوار وتحديد الشخصيات وانفعالاتهم؛ حين تقاطع "سيدة" بطلة قصة "كل ذلك الصوت الجميل" ـ على سبيل المثال ـ الكاتبة بقولها "لكن بصراحة أنا متضايقة منك لأنك لم تتركيني أغني في نهاية القصة مثلما كنت أتمنى، بصراحة ما زلت أتمنى أن أغني".

المرأة المهمشة

يأخذ الغناء بعداً إنسانياً عاماً بوصفه تعبيراً عن آمال "الذات" وآلامها، وكم تمنت الكاتبة أن ترفع "سيدة" صوتها وغناءها لكن الجميع رفضوا سماعها: البقال والزوج والطبيب، فكيف كانت ستصدح بالغناء من دون آذان تصغي إليها. و"سيدة"، بهذه الوضعية هي نموذج للمرأة المهمشة التي لا يصغي أحد لمواجعها وأشواقها، وهي في ذلك تتجاوب مع تلك الشخصية التي تقدمها الكاتبة في القصة الأولى من "قصص قصيرة جداً".

هذه الشخصية التي "لم تكن غنية أو جميلة أو متزوجة من رجل مهم ولم تحصل على أي شيء"، ومع ذلك فإن الكاتبة تنصفها وتجعلها أكثر تحققاً من الذين "حصلوا على كل شيء"؛ لأنها "عندما تطل عليهم كانت غُصة تنحشر في حلوقهم، تشعرهم بمرارة مَن ينقصه كل شيء".

والحقيقة أن هذا طرح فلسفي عميق يناقش مفهوم "التملك" ويجيب عن سؤال: من الأكثر حضوراً ورضا، من يملك "ذاته" أو من تملكه "الأشياء"؟ والقصة تجيبنا على هذا بأن هؤلاء الذين حصلوا على كل شيء ما زالوا يشعرون بمرارة من ينقصه كل شيء؛ على عكس هذه المرأة التي امتلكت ذاتها وكان في ذلك غناء لها عما افتقدته.

آلية المفارقة

ويزداد هذا المفهوم وضوحاً مع القصة الرابعة التي تصور صراع الجميع حتى الموت للحصول على "المال"، وعندما يتقابلون يقول بعضهم لبعض "الفلوس ليست كل شيء في الحياة".

هذا التقابل بين الحقيقة والادعاء يدعم آلية المفارقة التي نجدها كذلك في القصة الثانية التي تتحدث عن هؤلاء الذين يفخرون بأن أصولهم تركية أو فارسية أو يونانية في حالة من التماهي مع مَن استعمروا مصر، وينعتون الشعب بأنه جاهل متخلف لكنهم ـ وهنا مكمن المفارقة ـ يحتلون المقاعد البرلمانية باسم هذا الشعب الذي يرون أنه لا يجوز أن يحكم إلا بالسوط أو الخديعة.

وتستمر ثنائية "التملك" و"الفقد" أو "الثراء" المادي تحديداً و"الفقر"، فاعلة في قصة "النفطي" التي تحكي قصة سفر "حكيم" إلى إحدى دول الخليج بعد أن جرى هنا وهناك وجعل "خده مداساً لكل من يسوى ولا يسوى حتى اقتنص عقد عمل"، بينما كان زملاؤه "يقطعون أنفسهم في المظاهرات ويمضون أجمل سنوات عمرهم بالسجون". وعندما يعود من سفره الطويل يفكر في عمل مشروع ويرى أن المنطقة تخلو من محل "حانوتي" / حفار قبور، فيشرع في إنشائه وتحدث المفاجأة  التي كانت أمراً متوقعاً طبقاً لقانون القصة، حين يكون هو أول زبون لهذا المحل "لم تمر شهور قليلة على جلسته المغربية هذه إلا وكان محل الأكفان قد بدأ تشغيله لكن الزبون الأول لهذا المحل الذي لزمه الكفن كان هو نفسه".

ملح الأرض

وفي قصة "ربما صورته على نصف صفحة"، تحكي الكاتبة عن "عويس" البواب وزوجته وسكناهما في حجرة أرضية في مدخل العمارة، وعمله ـ إضافة لهذا ـ في توزيع الجرائد على سكان الحي. وفي أيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني) يقتحم بعض الشباب هذه الحجرة ويسرقون "تلفزيون توشيبا الذي لم ينته عويس من تسديد أقساطه، ولم تستكمل زوجته الفرجة على بقية حلقة من حلقات مسلسل هوانم غاردن سيتي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه الإشارة إلى نساء غاردن سيتي (الحي الراقي في وسط القاهرة) تحيل إلى واقع مغاير لما يحياه عويس وزوجته، وهي تيمة تحرص الكاتبة دائماً على إبرازها. وعندما يموت "عويس" لا تلتفت أي جريدة من الجرائد التي كان يوزعها لخبر موته، فتنعاه الكاتبة بقولها إنه "لو قدر له ذات يوم الالتحاق بناد من نوادي الرياضة، لنشرت صفحات الرياضة خبر موته وصورته وكتبت تحتها: خسارة رياضي كبير".

إن "عويس" وأمثاله هم ملح الأرض الذين يأتون ويذهبون دون أن يلتفت إليهم أحد. وفي قصة "الجزمة" تعكس الكاتبة النظرة الدونية للمرأة من خلال نصائح الأخ الأكبر لأخيه المقبل على الزواج من امرأة مطلقة حين يقول له "عليك أن تدقق بشدة وأنت ناوٍ على أمرين: شراء جزمة والارتباط بواحدة لأنك في الحالتين ستدفع ثمناً غالياً جداً إذا لم ترتح سواء مع الأولى أو مع الثانية".

وتبدو النوستالجيا أو الحنين إلى الماضي تيمة متكررة في هذه المجموعة؛ سواء كان هذا الماضي مؤلماً كما في قصة "ألف باء"؛ حين تتذكر الفتاة والدها المتوفى. أو كان ماضياً سعيداً كما في قصة "دور" حين تستدعي الكاتبة على لسان إحدى الشخصيات ذلك "المسحراتي" (موقظ النيام للسحور في شهر رمضان) الذي يأتي في موعده كل عام، على الرغم من تحول الزمن الذي جعل نداءه يثير الأسى بدلاً من الفرح؛ لأنه لا أحد من سكان الأبراج العالية سوف يستمع لذلك النداء.

المزيد من ثقافة