Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مركز بومبيدو" الباريسي يكرس حداثة الرسام المغربي فريد بلكاهية

ابتدع جماليات جديدة وحاور التراث الأمازيغي والأفريقي منفتحا على ثورة العصر

الرسام المغربي الرائد فريد بلكاهية (الخدمة الإعلامية للمعرض)

ينال الفنان التشكيلي المغربي فريد بلكاهية (1934 ــ 2014)، أخيراً، التكريم الذي يستحقه في باريس، من خلال المعرض الذي ينظمه حالياً له "مركز بومبيدو" بالتعاون مع "المتحف العربي للفن الحديث" (الدوحة).

معرض ضخم يلخص عنوانه، "فريد بلكاهية، من أجل حداثة أخرى"، ما سعى هذا الفنان إليه طوال حياته ونجح في إنجازه، ويشكل في مضمونه الغني وطريقة ترتيبه خير تعريف واحتفاء بأحد أبرز وجوه الحداثة المغربية، والعربية عموماً.

مسيرة بلكاهية الفنية نموذجية على أكثر من صعيد، خصوصاً في ما يتعلق بشروط ونتائج انبثاق جمالية عربية جديدة بعد مرحلة الاستعمار. فإضافة إلى قيمتها الفنية الأكيدة، تتميز الأعمال التي توقع مراحلها بتصور صاحبها فيها لحداثة أخرى، حداثة تتغذى من حوار ثابت مع التقليد الفني الشعبي، وتناقض بالتالي تطلعات الطلائع الغربية التي وضعت كشرط أول لحداثتها التخلص من كل ما سبقها.

مسيرة يتوقف معرض بلكاهية الحالي عند أبرز مراحلها، ولكن أيضاً عند منطق تمفصل هذه المراحل، بدءاً بالتعبيرية التي طبعت أعماله الأولى، مروراً بالثورة التي أحدثها في التعليم الفني أثناء شغله منصب مدير "كلية الدار البيضاء للفنون الجميلة"، عبر بلورته لحداثة تربط الإرث الأفريقي والأمازيغي والعربي والأوروبي، وانتهاء بخيار النحاس ثم الجلد كركيزتين لفنه. وأبعد من البعد التاريخي لتطور عمله، يشكل المعرض أيضاً فرصة لولوج حميميته والتآلف مع شعريته الخاصة.

ابن رسام

عشق بلكاهية الرسم وتعلمه باكراً في كنف والده. ومنذ سن الخامسة عشرة، أنجز لوحات بأسلوب تعبيري حافظ عليه أثناء دراسته الفن في "كلية باريس للفنون الجميلة"، ثم لدى استقراره في براغ عام 1959، حيث تميز عمله بأشكال متعددة.

وخلال السنوات الثلاث التي أمضاها في هذه المدينة، دشن ثلاث ورشات عمل متمايزة: في الأولى، جعل من الوجه البشري ركيزة لتوجيه أسلوبه التعبيري نحو بدائية في التمثيل. في الثانية، انطلق في تحديد "ربرتوار" أو ذخيرة من الأشكال الجوهرية. وفي الورشة الثالثة، قارب موضوع التزاوج بخط متموج.

الذات المتحررة

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بدائية بلكاهية في التصوير آنذاك لا تنبع فقط من رغبته في توكيد ذاتية محررة، إذ قادته أيضاً إلى تعبيرية فجة تقع على هامش الفن الخام وتحمل شحنة سياسية واضحة: نقد الإمبريالية الأميركية أو الاستعمار الفرنسي، كما في لوحة "كوبا نعم" أو في سلسلة "تعذيب".

تعبيرية ما لبث أن ربطها بأشكال مختزلة تحضر على شكل أبجدية "هيروغليفية" وتستحضر إلى أذهاننا أعمال بول كلي الذي شكلت مصدر وحي ثابتاً له. ولا عجب في ذلك، ففي مسعى هذا الأخير، ثمة حدة جدلية واضحة بين تصوير بدائي وتجريد رمزي تعبيري. وضمن سعيه إلى وضع جردة بالأشكال والنماذج التي سيعتمدها ويطورها لاحقاً في عمله، الذي يظهر جلياً في لوحة "جردة" (1961)، فصل بلكاهية هذه الأشكال والنماذج عن بعضها بعضاً لتحريرها من أي وظيفة تمثيلية، فاجتاحت الرموز والشذرات التصويرية والعلامات الأخرى فضاء لوحاته، عاكسة حواراً ثابتاً بين شكل صاف وآخر رمزي، يشكل نواة شعريته.

وثمة موضوع آخر نضج في براغ وأصبح مركزياً في عمله، ونقصد طاقات الجسد الحيوية، كما في لوحة "تزاوج" (1960)، التجريدية على الرغم من عنوانها، إذ نشاهد فيها خطوطاً متشابكة يتعذر فكها تحضر على شكل عقدة أو عربسة، وتدشن لمرحلة تشكيل بخط متاهي أفضى إلى رسوم ولوحات تبدو وكأنها أحلام يقظة شكلية وتدور حول موضوع الشجرة أو الفجر أو الرقص.

ويجب انتظار عودته إلى وطنه عام 1962، وتعيينه مديراً لكلية الفنون الجميلة في الدار البيضاء، وكان في سن الثامنة والعشرين، كي يصقل بلكاهية قناعة بأن الحداثة لا تكمن في الانفصال التام عن التقليد، كما حددتها الطلائع الغربية، بل في إعادة تملكه.

قناعة تعززت إثر ملاحظته أن نزوع فنه إلى التجريد يقربه من هذا التقليد في بعديه الشعبي والتزييني، ودفعته إلى التقرب من مواطنيه الفنانين محمد شعبة ومحمد المليحي وتأسيس معهما "مدرسة الدار البيضاء" الفنية التي تماثلت في حركة "باوهاوس" وحفظت منها خصوصاً انعدام أي اختلاف جوهري أو تراتبية بين الفنان والحرفي. ولا شك في أن قناعته هذه هي التي تفسر أيضاً تبنيه النحاس آنذاك مادة لعمله وتسجيله بواسطته قطيعة حاسمة مع فن الرسم الغربي. خيار غير اعتباطي نظراً إلى حضور هذه المادة بقوة في التقليد الحرفي المغربي.

أما رسمه الذي يتميز بخطوطه المتموجة، فما لبث أن بلغ بفعل اختزاله شكل أبجدية، كما في "تخطيط" (1966) أو في أعمال أخرى، حيث تدخل العلامات في حالة انخطاف تتجاوز فيها وظيفتها الدالة. وفي الوقت نفسه، انطلق في غرف أشكاله من الفن الحرفي الغني بالنماذج المحلية (سقوف المساجد، الحلي، السجاد الأمازيغي...) فأعاد تملكها كما هي، من دون هاجس "تحسينها" فنياً بواسطة الرسم.

تجريب فني

وفي عام 1975، وإثر تخليه عن إدارة "كلية الفنون الجميلة" ومعانقته مجدداً عزلة محترفة، عمق بلكاهية تجذر عمله في التقليد الحرفي باستبداله النحاس بجلد الماعز أو الغنم، أو بتشريكه أحياناً المادتين في عمل واحد، كما للتدليل على أن الاثنين يندرجان في سياق مشروع واحد.

وما لبث خيار الجلد أن قاده إلى خيار آخر: استبدال الألوان بالأصباغ، ليس فقط لأن الجلد لا يمسك بالألوان الاصطناعية كما يمسك بالمواد الطبيعية الملونة، كالحناء والزعفران والكوبالت، بل لأن هذه الأخيرة تنتمي بدورها إلى التقليد الحرفي المحلي، ولأن الفنان أراد أيضاً الحفاظ قدر المستطاع على الخصائص العضوية للجلد التي تفسدها الألوان الاصطناعية.

وبخلاف النحاس، يتمتع الجلد المصبوغ أيضاً بصفات مشابهة للقماش، إذ يشكل بدوره ركيزة مرنة، ويمكن شده على إطار، كما يمكن لسطحه أن يحمل رسوماً ملونة، لكنه يتفوق على القماش ببعده العضوي الذي يستحضر الجسد ضمن توتر بنيوي بين حياة وموت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي سياق عمله على أبجديته البصرية، طور بلكاهية خلال العقود الثلاثة الأخيرة من حياته موضوعات ونماذج تشهد على حركية خطه، كإشارات الاتجاه التي تحضر بقوة في بعض لوحات ورسوم تلك المرحلة وتعكس تأثره بعمل بول كلي وأيضاً تصوره لهذه الأعمال كحقول حيوية، وبالتالي رغبته في تجسيد الحركة واهتمامه من هذا المنطلق بموضوعات الرقص والانخطاف وطقوس الغناوة.

وفي أعمال أخرى، تتخذ النماذج المرتبطة بالحركة طابعاً جيولوجياً، كما في لوحة "الانجرافات القارية" (2004)، أو جغرافياً، كما في لوحة "من بغداد إلى مراكش" (2004)، أو حتى كونياً، كما في السلسلة التي رصدها لموضوع "الفجر" ويشكل الفجر فيها مسرح حركة تصاعدية، حركة الشمس التي ترتفع فوق خط الأفق.

باختصار، ينتظرنا في معرض بلكاهية الحالي "ربرتوار" كامل من العلامات والأشكال والنماذج الهندسية البسيطة (مثلثات، دوائر، صلبان، رقع شطرنج، خطوط مستقيمة أو متقطعة أو متوازية...) التي لا تحضر فقط كمفردات تشكيلية شخصية ذات شحنة شعرية أكيدة، بل أيضاً كلغة فنية تقليدية يتوجب الترويج لها ولقيمتها التلقيحية، وحث الفنانين بالتالي على إعادة استثمارها. وفي هذا السياق، يأخذ موضوع "الارتقاء" الذي تشهد عليه عناوين أعمال كثيرة للفنان، كل معناه، إذ يتعلق الأمر بالارتقاء بمفردات هذه اللغة من أجل تحويلها إلى قواعد فنية شاملة. قواعد لطالما حلم الفنانون الحداثيون ببلوغها.

المزيد من ثقافة