Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تهاوي الدينار الجزائري وارتفاع الأسعار يضغطان على الحكومة والشارع

ما تمر به العملة المحلية ناتج من نظام الصرف المتبع

وفرة المنتوجات مقابل ارتفاع الأسعار جعل أسواق الجزائر خاوية (التلفزيون الجزائري)

يواصل انهيار العملة الجزائرية قلق المواطنين الذين تدهورت قدرتهم الشرائية، بخاصة أمام الارتفاع "الفاحش" للمواد الاستهلاكية، غير أن الوضع لا يبدو أنه يشغل بال الحكومة، بعد تصريح وزير المالية بأن "الدينار في طريقه لاستعادة عافيته، وليس هناك انهيار مثلما يقوم البعض بتصوير ذلك".

تهاوي أو "تعويم"

في المقابل، بلغ سعر صرف الدينار خلال شهر فبراير (شباط) 2021، مستوى 132 ديناراً مقابل الدولار، و161 ديناراً مقابل اليورو، بحسب بيانات بنك الجزائر المركزي، فيما خسرت العملة أكثر من أربعة دنانير أمام الدولار مطلع أبريل (نيسان) 2020 مع بداية الأزمة الصحية، إذ بلغ سعر الصرف 127.02 دينار للدولار بعدما كان عند 123، وكذلك قفزت العملة الأوروبية "اليورو" من 135 ديناراً خلال مارس (آذار) الماضي، إلى 137 ديناراً في أبريل 2020.

ويرجع مراقبون خسارة العملة المحلية قيمتها إلى خيارات الحكومة التي فضلت اعتماد سياسة "التعويم" لمواجهة تبعات تراجع عائدات النفط وكبح فاتورة الواردات وحماية احتياط الصرف الأجنبي، إضافة إلى امتصاص جزء من التضخم المنتظر أن يصل خلال السنة الحالية إلى أربعة في المئة.

توقعات واقتراحات

وبحسب توقعات خبراء اقتصاديين، فإن قيمة الدينار ستنخفض خمسة في المئة وفق موازنة 2021، مقارنة بسعر 2020، مما يرفع سعر الصرف في المتوسط السنوي إلى 142.20 دينار للدولار في 2021، و149.31 في 2022، و156.78 في 2023.

وأمام الوضع غير الواضح للعملة المحلية، اقترحت الكونفدرالية الجزائرية لأرباب العمل تحويل 10 دنانير إلى دينار واحد، أي إلغاء صفر من العملة، وهو أحد الحلول التي يلح عليها الخبراء كل مرة لاسترجاع "الدينار" جزءاً من قيمته المفقودة في السوق.

القرار البيروقراطي

في السياق ذاته، يرى رئيس منتدى الاستثمار وتطوير المؤسسات، يوسف ميلي أن الدينار يعاني تحكم البيروقراطية الإدارية وليس السوق، موضحاً أن انخفاض قيمته شيء إيجابي لتقوية التصدير، ولكنه من ناحية القدرة الشرائية أمر مضرّ، مضيفاً أن ارتفاع الأسعار لا يمكن التحكم فيه من طريق قرارات بيروقراطية، بل يجب فتح المجال من أجل تقوية الاقتصاد عبر تحرير المبادرة وإبعاد البيروقراطية.

وأوضح ميلي أن القرار البيروقراطي ممثلاً في البنك المركزي هو من يتحكم بقيمة الدينار في إطار الموازنة العامة، مشيراً إلى أن قيمة العملة الجزائرية مرتبطة بمداخيل صادرات النفط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأردف أن الحكومة تواجه ضغط نقص مداخيل النفط، وأن تأثير ذلك كبير على أسعار السلع والمواد الأولية، ومنها المنتجات المحلية الواسعة الاستهلاك، خاتماً أن الأمر يتجه إلى وضع كارثي.

تضارب

من جانبه، يعتبر الباحث في الاجتماع السياسي، أسامة لبيد، أن الجزائر تواجه واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية، في ظل التراجع الرهيب لقيمة الدينار، وارتفاع التضخم وانهيار الاحتياطات الأجنبية وتوقف بعض الشركات عن النشاط، إلى جانب انخفاض عائدات النفط وتأثيرات جائحة كورونا.

وقال إن رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد اعترف في مناسبات عدة بأن "الجزائر تعيش وضعاً اقتصادياً صعباً غير مسبوق، نتج من أزمة هيكلية للحكومات السابقة، إضافة إلى انهيار أسعار النفط وأزمة كورونا".

وواصل لبيد أن الآراء تضاربت حول ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، فثمة من ربطها بانهيار قيمة الدينار وانعكاسات جائحة كورونا، وهناك من ربطها بزيادات غير مبررة يقف وراءها التجار والمضاربون، غير أن المتفق حوله أن المواطن الجزائري يواجه الفقر المدقع.

مرحلة استعادة العافية

وفي خضم الجدل حول تهاوي قيمة "الدينار"، نفى وزير المالية أيمن بن عبدالرحمن صحة الحديث عن وجود انهيار في العملة المحلية، مؤكداً أن الحكومة بصدد العودة إلى أداة تقييم العملة بحسب قدرات الاقتصاد المحلي، واعتبر أن إعادة إطلاق المشاريع في وقت قريب سينعش الدينار الجزائري، مشدداً أنه سيستعيد عافيته وقوته الاقتصادية في حدود نهاية السنة الحالية.

وتابع أن "العملة هي مرآة الاقتصاد، والعملة الجزائرية ليست في مرحلة انهيار كما يصور بعضهم، بل هي في مرحلة استعادة عافيتها".

تصريحات استغربها الشارع الذي اتخذ مواقع التواصل الاجتماعي مسرحاً للسخرية والاستهزاء والتساؤل، في حين اعتبرها رئيس منتدى الاستثمار وتطوير المؤسسات، يوسف ميلي، صحيحة لأن الدينار يتحكم فيه البيروقراطي وليس الاقتصاد أو السوق.

ارتفاع الأسعار... وتبريرات

في المقابل، شهدت أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعاً كبيراً استدعى تدخل المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك، التي حذرت من حدوث الأسوأ بسبب هذا الوضع، مشددة على أن ارتفاع الأسعار ليس مرده قاعدة العرض والطلب فقط، ولكن جزء منه مرده تدني قيمة الدينار، ودعت إلى إلغاء بعض الرسوم المفروضة على المنتجات واسعة الاستهلاك لدفع تسعيرها نحو مستوياتها السابقة.

كما أبرز المدير العام الأسبق للرقابة وقمع الغش بوزارة التجارة، عبدالحميد بوكحنون، أن الارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية مس خصوصاً المستوردة، أو التي تعتمد على مواد أولية مصدرها الخارج، مرجعاً بعض أسباب الارتفاع إلى كُلف الشحن من النقل البحري التي تضاعفت سبع مرات.

ثلاثة حلول

من جهة ثانية، أشار أستاذ الاقتصاد هارون عمر إلى أن الأزمة التي يمر بها الدينار الجزائري عادية ومتوقعة وناتجة في الأساس من نظام الصرف المتبع من بنك الجزائر والمعروف بالمرن المقيد، أي" أننا في الجزائر نحدد قيمة الدينار في مجال معين لا يخرج عنه، وهذا النظام ينجح فقط في حال تحديد حالات الحصول على العملة الصعبة، فلا يمكن أن تكون متاحة لمن يريد، بل فقط لحالات محددة وبمبالغ محددة، وهي السفر والعلاج والاستيراد من الخارج".

وأضاف أن كمية احتياطات العملة الصعبة هي القادرة على دعم هذا النظام، وبما أن الجزائر تستورد حوالى 35 مليار دولار من حاجاتها وهو مبلغ كبير نسبياً، فإن كل المواد المستوردة سواء كانت نهائية أم مواد أولية سيرتفع ثمنها.

وأضاف عمر أن "الحكومة ونحن على أبواب شهر رمضان، مطالبة بالمسارعة في ايجاد حلول لغلاء الأسعار"، لأن تحسن قيمة الدينار في المرحلة الحالية بالآليات الاقتصادية مستبعد، بخاصة أن الصادرات خارج المحروقات لم تتجاوز ملياري دولار، والسياحة الخارجية متوقفة، وهي الآليات التي إن تم الرفع منها تحقق للدينار وثبة.

وختم أن الحكومة أمام خيارات أولها استمرار الحال على ما هو عليه وإبقاء الدعم للدينار، وفي هذه الحال سنكون في مواجهة أزمات مرحلية تنتهي بتعافي أسعار النفط، مما يحتم علينا الذهاب لموازنة تكميلية نغير فيها قيمة برميل النفط لتكون في حدود 50 عوضاً عن 40 دولاراً.

أما الحل الثاني فيكون بالتحرير التدريجي للدينار من دون الإعلان عن الأمر، مما سيخلق اضطرابات اجتماعية قوية، لكنه سيمهد لبناء اقتصاد قوي، ليبقى الحل الثالث والأخير متمثلاً في زيادة حجم الاقتصاد المحلي ورفع الطلب على الدينار، وهو ما سيجعل قيمة العملة ترتفع بشكل آلي، ولكن يبقى هذا الحل صعباً وبعيد المنال.

في سياق متصل، دفع الوضع "المرتبك" الرئيس تبون للتدخل وتخصيص مساحة واسعة ضمن مجلس الوزراء الأخير، لمناقشة ملف ارتفاع أسعار السلع والقدرة الشرائية للمواطن، وألزم الحكومة بضرورة حمايتها ضمن آليات واضحة تكون بدايتها بتفعيل قانون المنافسة لوضع حد للاحتكار الذي جعل بعض المتعاملين يمسكون برقاب الجزائريين، ويتحكمون في قوتهم بإقرار زيادات عشوائية شملت حتى المواد المدعومة.