Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف حاول وزير الخزانة البريطاني إرضاء جميع الأطراف؟

إعلان الموازنة قد لا يشجع التعافي الاقتصادي بقوة بتمديد بعض الدعم ورفع بعض الضرائب

في ثاني إعلان للموازنة له منذ توليه منصبه العام الماضي، طرح وزير الخزانة البريطاني ريشي سوناك مزيجاً من الدعم للاقتصاد في مواجهة تبعات أزمة وباء فيروس كورونا، وحرصاً على عدم الإسراف في الإنفاق بالاقتراض للحد من الارتفاع الهائل لعجز الموازنة، وأيضاً إشارات على زيادة الضرائب بقدر ما لتمويل العجز في السنوات المقبلة.

وقال سوناك أمام مجلس العموم (البرلمان) البريطاني الأربعاء، الثالث من مارس (آذار)، "أمر غير مسؤول أن نتوقف عن الإنفاق لدعم الاقتصاد، لكن من غير المسؤول أيضاً أن نستمر في الاقتراض مع عجز غير قابل للاستدامة"، ووصف وزير الخزانة إعلان الموازنة بأنه السبيل الأفضل للاستدامة بحماية الوظائف والأسر ضعيفة الدخل من دون فرض ضرائب عالية لسدّ العجز، وفي الوقت نفسه تشجيع بناء الاقتصاد الجديد.

وبدأ سوناك إعلان خطط الإنفاق على دعم الاقتصاد، ثم الضرائب، ثم تشجيع الاستثمار في الاقتصاد الجديد.

الضرائب

كان الإعلان الوحيد عن زيادة الضرائب هو على أرباح الشركات، وفصّل الوزير أنه في النهاية لن تدفع تلك الزيادة سوى نسبة 10 في المئة من الشركات، أي الأعمال الكبيرة عالية الربح، وتضمنت الموازنة رفع نسبة الضريبة على أرباح الشركات من 19 في المئة حالياً إلى نسبة 25 في المئة، ولن تبدأ الزيادة قبل نهاية العام المقبل، بل في 2023 مع التعافي الاقتصادي.

وتفادياً لزيادة الضرائب على الدخل، تضمنت الموازنة تجميد الزيادة السنوية في المخصص المعفى من الضريبة ليظل عند أكثر من 17 ألف دولار (12.5 ألف جنيه استرليني)، وكذلك تجميد زيادة مستوى الدخل للشريحة الأعلى من الضريبة (40 في المئة) ليظل عند نحو 70 ألف دولار (50 ألف جنيه استرليني)، ومع زيادة الرواتب السنوية استناداً لمعدلات التضخم، سيزيد العائد الذي تحصله الخزينة العامة من دون الحاجة لرفع نسبة لضريبة أو تعديل شرائحها.

في المقابل، تضمّن إعلان الموازنة عدم زيادة الرسوم السنوية على مبيعات الكحول والبنزين للعام الثاني على التوالي.

كما أعلن سوناك تخفيض ضريبي لتشجيع الشركات على الاستثمار، بأن تبلغ نسبة الإعفاء الضريبي للشركات على رأس المال الذي تستخدمه في استثمار جديد نسبة 130 في المئة.

وأكد وزير الخزانة ما سبق وأعلن بالفعل عن برنامج بقيمة نحو سبعة مليارات دولار (خمسة مليارات جنيه استرليني) لدعم الشركات والأعمال الأكثر تضرراً من إغلاق الاقتصاد للحد من انتشار وباء كورونا، مثل المحلات الصغيرة والمقاهي والحانات والنوادي وصالات الرياضة وصالونات الحلاقة، وتتحصل تلك الأعمال على منح بقيمة تزيد على ثمانية آلاف دولار (ستة آلاف جنيه استرليني) لكل منها، إضافة إلى تخصيص 726 مليون دولار (520 مليون جنيه استرليني) لمساعدة تلك الأعمال على تحديث برامج الكمبيوتر وتدريب العاملين.

الإنفاق لدعم الاقتصاد

وبعدما استعرض تقديرات مكتب مراقبة الموازنة حول الإنفاق الحكومي لدعم الاقتصاد في مواجهة أزمة كورونا، وما أرقام الاقتراض العام والعجز نتيجة لذلك، أعلن سوناك تمديد بعض برامج الدعم التي بدأت العام الماضي.

وتضمّن إعلان الموازنة تمديد برنامج دعم حماية الوظائف، إذ تتحمل الخزينة العامة نسبة 80 في المئة من مرتبات العاملين الذين تعطلت وظائفهم بسبب كورونا، التي كان يفترض أن تنتهي آخر هذا الشهر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، على أن يكون ضمان نسبة 80 في المئة من قبل الخزينة العامة حتى يوليو (تموز)، ثم تبدأ الأعمال والشركات التي تعود للعمل في المساهمة في البرنامج بنسبة 10 في المئة، واستفاد من برامج حماية الوظائف حتى الآن أكثر من تسعة ملايين بريطاني.

إضافة إلى تقديم منح مباشرة لحوالى 600 ألف من أصحاب المهن الحرة الذين لم يستفيدوا من برامج الدعم السابقة، ويحصل هؤلاء على أكثر من 10 آلاف دولار (7500 جنيه استرليني) كمنحة دعم مباشرة، وأشار سوناك إلى أن الدعم الحكومي لأصحاب المهن الحرة تجاوز بالفعل ثمانية مليارات دولار (ستة مليارات جنيه استرليني) حتى الآن.

كما تم تمديد الزيادة المؤقتة في مدفوعات الضمان الاجتماعي للعاطلين من العمل ومتلقي منح أصحاب الدخل المنخفض بواقع 28 دولاراً (20 جنيهاً استرلينياً) أسبوعياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومما تم تمديده أيضاً، الإعفاء المؤقت من ضريبة الدمغة العقارية على أول نصف مليون من ثمن أي عقار حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وكان المفترض أن تنتهي آخر هذا الشهر، وبعد ذلك، يتم خفض المبلغ المعفى من الضريبة بمقدار النصف لمدة ستة أشهر، إضافة إلى خفض الدفعة المقدمة لمشتري البيوت إلى خمسة في المئة من ثمن الشراء، على أن تكون الحكومة ضامنة للقرض العقاري الذي يبلغ 95 في المئة من سعر الشراء.

كما تم تخصيص أكثر من 558 مليون دولار (400 مليون جنيه استرليني) لدعم المتاحف والمسارح وصالات العرض الفنية ومساعدتها على العودة للعمل بعد الإغلاق، وكذلك تخصيص نحو 419 مليون دولار (300 مليون جنيه استرليني) لدعم الأنشطة الرياضية، إضافة إلى ما أعلن مسبقاً عن دعم بقيمة 700 مليون دولار (500 مليون جنيه استرليني) لدعم صناعة السينما في بريطانيا.

كما تم تخصيص نحو 2.3 مليار دولار (1.6 مليار جنيه استرليني) إضافية لحملة التطعيم بلقاحات كورونا، للتوسع في التطعيم في أنحاء بريطانيا.

بناء الاقتصاد

وفي الجزء الأخير من إعلان الموازنة والمتعلق ببناء اقتصاد المستقبل، تحدث وزير الخزانة البريطاني عن تعديل التشريعات والقواعد المالية بخاصة لحي المال والأعمال "سيتي أوف لندن" بما يجعلها أكثر تنافسية في مجال الخدمات المالية.

وأعلن عن تأسيس "بنك البنية التحتية" للاستثمار في الاقتصاد الأخضر والمستدام برأسمال يصل إلى 17 مليار دولار (12 مليار جنيه استرليني)، على أن يصل حجم الاستثمار في المشروعات الصديقة للبيئة ومشروعات البنية التحتية الخضراء إلى أكثر من 55 مليار دولار (40 مليار جنيه استرليني)، كما أعلن عن طرح برنامج السندات الخضراء، والسعي لتصبح "سيتي أوف لندن" أكبر سوق في العالم لتداول خصومات خفض الانبعاثات الكربونية.

كذلك أعلن سوناك تحويل ثمانية موانئ بريطانية إلى مناطق أعمال حرة، بما يتضمنه ذلك من فترات سماح ضريبية وتقليل الرسوم الجمركية وتسهيل إجراءات البناء والتسجيل وغيرها من القيود البيروقراطية المعقدة.

الاقتراض والعجز

سبق وقدّر مكتب مراجعة الموازنة أن يصل الإنفاق على برامج أزمة وباء كورونا إلى نحو 550 مليار دولار (394 مليار جنيه استرليني) في عامي 2020 - 2021، لكن هذا الإنفاق قد يتجاوز الآن 559 مليار دولار (400 مليار جنيه استرليني) بعد ما أعلن في الموازنة من إنفاق جديد له علاقة بوباء كورونا بما يصل إلى 28 مليار دولار (20 مليار جنيه استرليني).

هذا الاقتراض الحكومي سيدفع بالدين العام إلى مستوى أكثر من 3.2 تريليون دولار (2.3 تريليون جنيه استرليني)، وسيكون على وزارة الخزانة اتخاذ إجراءات لخفض العجز على مدى السنوات الأربع أو الخمس المقبلة.

ربما يكون الرهان على نمو الاقتصاد بقوة في النصف الثاني من هذا العام، حيث يتوقع نهاية الإغلاقات تماماً وعدم العودة إليها مجدداً، وسبق أن توقع بنك إنجلترا (المركزي) البريطاني نمو الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من خمسة في المئة هذا العام.

وأعلن ريشي سوناك في بيان الموازنة أمام البرلمان أن مكتب مراقبة الموازنة يتوقع أن يصل النمو في الناتج المحلي الاجمالي هذا العام إلى نسبة أربعة في المئة، بعد انكماشه بنسبة 9.9 في المئة العام الماضي. وتزيد نسبة النمو في العام المقبل 2022 إلى 7.3 في المئة في العام التالي 2023، على أن تصبح عند 1.7 في المئة سنوياً للعامين التاليين 2024 و2025.

هكذا حاول وزير الخزانة سوناك إرضاء جميع الأطراف في موازنة قد لا تكون برأي كثيرين محفزة بشدة على التعافي القوي، لكنها في الوقت نفسه تتفادى أي إجراءات مالية تحد من قوة النمو الاقتصادي.

فبحسب نصائح صندوق النقد الدولي، هذه ظروف "اقتصاد حرب"، وتحتاج الحكومات إلى الاستمرار في الإنفاق لتحفيز النمو من دون أن تقلق من زيادة الاقتراض والدين العام، كذلك، فإن السياسة التقليدية لحزب المحافظين الحاكم بخفض الضرائب لا تتأثر كثيراً برفع ضريبة الشركات بقدر ضئيل، كذلك، تحافظ الموازنة على سياسة الحماية الاجتماعية للفئات الأشد تضرراً من الوباء.

لكن بعض المحللين يرى أن محاولة إرضاء كل الأطراف غالباً ما تنتهي إلى عدم ارضاء أي طرف وقد لا تأتي بالنتائج المرجوة بالنسبة للاقتصاد بشكل عام.

وتظل بريطانيا في وضع جيد، مقارنة مع بقية الاقتصادات المتقدمة الكبرى في العالم، إذ يبلغ إنفاق الحكومة على الاقتصاد بسبب وباء كورونا حتى الآن ما يصل إلى 17 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الرغم من أن العجز نتيجة الاقتراض والدين العام يصل إلى نسبة نحو 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن خدمة الدين العام تظل عند أدنى مستوى في ظل بقاء معدلات الفائدة عند نسبة قريبة من الصفر.