Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طرابلس اللبنانية تعيش في كنف "جبل النفايات"

جريمة متواصلة بحق أهلها ويشكل خطراً دائماً على مياه الشرب ومصدر تلوث كبيراً للجو والبحر المتوسط

أنجز فريق بحثي دراسة حول تلوث مياه نهر أبو علي الذي ينبع من منطقة بشري ويصب في طرابلس (اندبندنت عربية)

ينطبق على "جبل النفايات" في طرابلس اللبنانية وصف "الجريمة المتواصلة" المرتكبة بحق عاصمة محافظة الشمال وأهلها، إذ لا يزال يرتفع منذ عقدين من الزمن بفعل المماطلة والتأجيل في ظل عدم تنفيذ أي من الحلول البيئية. ويستمر مطمَر النفايات، الذي لا يستوفي الشروط الصحية، في تلويث البيئة البحرية والبرية من خلال العصارة الصادرة منه، إلى جانب تشكيله خطراً على المرافق الاقتصادية الحيوية في المدينة، وعلى السلامة الصحية للمواطنين من خلال الانبعاثات الغازية التي يُصدرها.
كما يضاعف موقع "جبل النفايات" المخاطر الناجمة عنه، إذ يقع عند مدخل مدينة الميناء، ويتوسط "مرفأ طرابلس"، والمنطقة الاقتصادية الحرة الخاصة بالعاصمة، على مقربة من "اتحاد بلديات الفيحاء" (أحد الأسماء التي تتكنى بها طرابلس).  

الملجأ القضائي

وأمام الضرر المتصاعد، تقدمت مجموعة من الناشطين الطرابلسيين بادعاء أمام النيابة العامة التمييزية، مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي، واستندت الدعوى على "خطر داهم جراء أفعال جرمية من شأنها تعريض سلامة وأمن وصحة وحياة أبناء طرابلس".

وأوضح الناشط يحيى الحسن (أحد المدعين) أن الادعاء أمام النيابة العامة التمييزية من أجل ملاحقة كل من يظهره التحقيق، استمرارا لسلسلة الدعاوى التي تقدم بها الناشطون منذ سنوات، واندفع هؤلاء بسبب المخاطر المتزايدة بفعل عدم احترام المطمر الجديد "غير الصحي" لغياب "الحل البيئي المستدام"، وصولاً إلى عدم معالجة العصارة، والغازات، أو حتى فرز النفايات.

واستغرب الحسن إنشاء مكب النفايات إلى جانب الأماكن الاقتصادية الحيوية، وقال، "لا يمكن لأحد إنفاق 33 مليون دولار لإقامة مكب جديد مؤقت"، ملمحاً إلى استمرار العمل به بحجة عدم إمكانية تأمين البديل.

الواقع مريع

وخلال الأشهر القليلة الماضية، ازداد الخوف من انفجار المكب العشوائي أو "ما يعرف بجبل النفايات" ووقوع كارثة كبيرة، في أعقاب انفجار مرفأ بيروت، وأمام هذا الواقع، شكلت نقابة المهندسين في طرابلس فريقاً بيئياً قام بالكشف على المكب القديم، وأخذ عينات من العصارة والمواد المكدسة في داخله لسنوات خلت.

وتوصل التقرير إلى تراجع في ارتفاع الجبل القديم من 48 متراً عام 2019، إلى 42 متراً حالياً، ويعود ذلك إلى الهبوط داخل المكب بسبب عدم وضع نفايات إضافية، في وقت تستمر الروائح في الانتشار في الهواء، ويستمر تسرب العصارة إلى البحر.

وأكد جلال حلواني، من فريق نقابة المهندسين، أن "الزيارة للمكب جاءت بناء على كتاب خطي أرسله اتحاد بلديات الفيحاء إلى نقابة المهندسين بسبب مخاوف أبناء طرابلس من حدوث انفجارات"، وجزم أن الخلاصات التي جاء بها الفريق التطوعي "موقف علمي وحيادي"، وأن التقرير أرسل إلى الجهات المعنية، بدءاً بـ"رئاسة الحكومة، والمحافظ، ووزارة الداخلية، ووزارة البيئة، واتحاد بلديات الفيحاء".

ورجح حلواني أن يكون الواقع المالي هو الضاغط، لأن مجلس الإنماء والإعمار أطلق مناقصة لاستخراج الغاز وحرقه لعدم توافره بكميات اقتصادية، إلا أنه لم يتقدم أحد إليها لأن المجلس يعتمد الليرة اللبنانية كأساس للعروض، وحمّل حلواني "الوضع الإداري لاتحاد بلديات الفيحاء" جزءاً من المسؤولية بسبب غياب بلدية طرابلس عنه منذ نحو سنة ونصف السنة.

تاريخ المطمر غير الصحي

ويعود تاريخ هذا المطمر إلى فترة الحرب الأهلية. وشهد المكبّ العشوائي الذي اعتاد أهل المدينة على رمي النفايات فيه حريقاً كبيراً في عام 1998، أدى إلى كارثة بيئية وصحية. وهبّت حينها قوى المجتمع المدني، و"اتحاد بلديات الفيحاء" برئاسة العميد سمير شعراني لمطالبة الحكومة اللبنانية بالبحث عن حل يوقف خطر احتراق الغاز الحيوي (Biogas) ومعالجة العصارة، وصولاً إلى حل لمشكلة المكبّ العشوائي.

وكُلِّف مكتب "ليبان كونسالت" (Libanconsult) من مجلس الإنماء والإعمار التابع لرئاسة الحكومة، بإعداد مشروع تأهيل المكبّ. وتم تلزيم المشروع لشركة باتكو (BATCO) وفق دفتر شروط يفرض ثلاثة بنود أساسية: تحضير المكب ليصل إلى مستوى الـ20 متراً، حفر الآبار لسحب الغاز الحيوي، وأخرى لسحب العصارة ومعالجتها. وبدئ في تنفيذ خطة الطوارئ هذه عام 2000 على أن تنتهي خلال خمس سنوات، فيتم الانتقال إلى حل مستدام للنفايات الصلبة والانتهاء من المكب.

في عام 2005، أجرى مجلس الإنماء والإعمار، وشركة "دار الهندسة" الاستشارية، كشفاً، تقرّر على أثره أن المكب يمكن أن يستمر 5 سنوات إضافية أي حتى نهاية عام 2010.
وشكل عام 2012، محطة مفصلية بالنسبة للمكبّ ومدن "اتحاد الفيحاء" عندما بلغ ارتفاعه 35 متراً، علماً أن الحد الأقصى المسموح به هو 25. وتوالت في هذه المرحلة الأعطال على المرافق الحيوية الأساسية التي أُنشئت بموجب خطة الحل المؤقت، إذ توقفت محطتا معالجة الغاز الحيوي، والعصارة وتصريفها.
ومع بلوغ المكب طاقته الاستيعابية القصوى، أصبح غير صالح للعمل. وبات الجميع على معرفة بأن "الكارثة واقعة". وتمّ توجيه كتب من كل الأطراف في طرابلس إلى السلطات لمناشدتها معالجة الوضع، وتوجهّت الشركة المشغلّة "باتكو" بكتاب "رفع مسؤولية" في حال حصول حرائق أو إنهيارات أو تلوّث، وكذلك فعل "اتحاد بلديات الفيحاء".
بعد ذلك، اتخذ المسؤولون قراراً بالمخاطرة، وتم توجيه الأمر للشركة المشغّلة بالاستمرار في العمل ريثما يتم تأمين بديل، في حين شكّك ناشطون في تعطل الأجهزة فعلاً، متحدثين عن تهرب من معالجة العصارة المكلفة.
وشهد شتاء عام 2018، مجموعة حوادث وانهيارات بعدما بلغ المكب ارتفاع 45 متراً، ما شكّل إحراجاً لنواب المدينة وساستها، إذ حدث ذلك عشية الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مايو (أيار) من ذلك العام. واصطدم البحث عن مكب بديل برفض النافذين وأصحاب الأراضي لأنه يؤدي إلى خفض قيمة العقارات. وصدرت التوصية في تلك الفترة، بتأهيله ريثما يتم تحضير البديل الذي لم يجده المسؤولون حتى اليوم.

واقع مريع

ارتفعت أخيراً الصرخات من خطر داهم يتهدد طرابلس والمحيط، خشية انفجار المكب العشوائي ووقوع كارثة كبيرة. أمام هذا الواقع، شكلت نقابة المهندسين في طرابلس فريقاً بيئياً كشف عليه، وأخذ عينات من العصار والمواد المكدسة فيه منذ سنوات.
وتراجع ارتفاع المكب القديم من 48 متراً عام 2019، إلى42  حالياً. ويعود ذلك إلى عدم وضع نفايات إضافية، فيما تستمر روائح الغاز بالانتشار. ويستمر تسرب العصارة إلى البحر.

تؤدي النفايات المطمورة لوقت طويل إلى إنتاج حوالى 25 ألف متر مكعّب سنوياً من العصارة، نظراً إلى مساحة المكب وكمية الأمطار المتساقطة في المدينة سنوياً.
وتُعتبر العصارة سامة فهي نفايات صناعية سائلة (industrial liquid waste)، وتبلغ نسبة تلويثها 60 ضعفاً، مقارنة بمياه المجارير. ولفت المهندس جلال حلواني إلى أن "العيّنات التي أُرسلت إلى المختبر تثبت وجود معادن خطرة داخلها من زئبق ورصاص، ما يؤثر في الحياة البحرية في مدينة الميناء". ووصف أحد المشاركين في عملية مسح المطمر والكشف عليه بـ"غرفة مليئة بالغاز المنزلي"، قيد خطر الاشتعال في حال وجود أي صاعق. ويساعد اللجوء إلى برنامج منظمة "إي بي إيه" EPA–Environmental protection Agency- الذي يقيّم نسبة الغازات المنبعثة من المطامر، Land GEM، والذي يقدّر نسبتها الصادرة من النفايات المطمورة في طرابلس بلا معالجة. إذ صدر عن المطمر حوالى 70 مليون متر مكعب من غاز الميتان، منذ أوقفت شركة باتكو التخلّص من الغازات في عام 2012 ولغاية 2019. وتُثار تساؤلات حول مصير هذا الغاز، هل انبعث في الهواء؟ أم أنه محاصر داخل المطمر؟ ويلزم إجراء كشف على باطن المطمر لمعرفة كمياته، وأماكن جيوبها.
كما أظهرت عيّنة حديثة جمعها فريق نقابة المهندسين، في أغسطس (آب) الماضي، وجود مواد صلبة خطرة تصدر من جوف المطمر، حيث ارتفعت نسبة المكونات القابلة لتمرير الكهرباء في المياه، ما يعني كميات كبيرة من الملوثات الإيونية والمعادن الثقيلة.

العصارة وتلوث المياه

في يوليو (تموز) من عام 2018، أنجز فريق بحثي من جامعة البلمند (شمال) دراسة حول تلوث مياه نهر أبو علي الذي ينبع من منطقة بشري ويصب في طرابلس. وأخذ الفريق عينات ماء من 15 نقطة جغرافية من مجرى النهر، من ضمنها المنطقة المحاذية للمكان الذي تصب فيه عصارة النفايات. وتحدثت الأستاذة في جامعة البلمند، ياسمين جبلي عن "أثر عدم فرز النفايات في تكثيف المشاكل البيئية وصعوبة معالجة المكب العشوائي. كما تتضاعف نسبة تلوث المياه في ظل عملية إحراق إطارات السيارات في منطقة السقي القريبة من المكب ومجرى النهر". 
وجزمت جبلي أنها درست مجرى نهر أبو علي سنتين، وكانت النقطة الأكثر تلوثاً هي المحاذية للمكب. ووجدت ملوثات خطرة، أسمدة زراعية، وكمية كبيرة من البكتيريا.
وخلصت الدراسة إلى ارتفاع درجة تلوث المياه قرب المكب، واستنزاف الكيماويات للأوكسيجين في الماء عند مستوى 200 ميليغرام/لتر، الأمر الذي يعرّض الكائنات البحرية للخطر. أما مؤشر البكتيريا فبلغ مستوى 23 -29  ملغم/لتر، بينما المسموح يقف عند مستوى 3 ملغم/لتر. كما رُصدت مستويات مرتفعة من الكلور، الفلورايد، النيترات، الأمونيا المتصلة بالنفايات، ومادتَي السولفات والفوسفات.   

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الغاز الحيوي

"خطر الانفجار لن يكون إلا بفعل فاعل"، هذا ما كرّره مشغلو المكب القديم في طرابلس، إلا أنه لم يرضِ بلدية طرابلس ورئيس لجنتها البيئية، نور الأيوبي الذي حذر من خطر داهم ناتج من عدم معالجة الغازات المنبعثة، والاكتفاء بإطلاقها في الهواء. وخرج الأيوبي من زيارته إلى المكب القديم بمخاوف كبيرة، إذ شاهد حفر 3 آبار لتنفيس الغاز الحيوي (بيوغاز) وعلى مقربة منها أعشاب يابسة، وأسفل المكب كمية هائلة من الإطارات مجتمعة في الجهة التي تنشط فيها الرياح، ما يعني اجتماع كل عناصر حدوث حريق هائل، يزيد من حرارة جسم المكب ويساهم بانفجاره. وأضاف الأيوبي أنه قدم الخطوات الواجب اتباعها إلى رئيس البلدية.
مكب مؤقت
مع إغلاق المكب القديم، استحدثت الحكومة اللبنانية مكباً مؤقتاً في موقع جغرافي محاذ. ويمتد المكب الجديد على مساحة 60 ألف متر مربع، وتعاقد "مجلس الإنماء والإعمار" (مؤسسة رسمية) في فبراير (شباط) 2019، مع شركة "باتكو" لإدارته. وبلغت قيمة العقد الجديد 33 مليون دولار أميركي، ومدته ثلاث سنوات، أي ببدل 11 مليون دولار عن كل عام. وانتقد ناشطو المجتمع المدني في طرابلس ذلك العقد، قائلين إن المدينة دفعت "أعلى كلفة، لأسوأ خدمة"، إذ قُدّرت كلفة طمر طن النفايات بـ 80 دولاراً، وهو مبلغ مرتفع جداً بالنسبة إلى دولة فقيرة ومفلسة، بينما كانت هناك إمكانية لإقامة مركز معالجة متكامل للنفايات والتخلص من العوادم وإيجاد حل بيئي مستدام بواشطة هذه المبالغ التي تُدفع حالياً للطمر غير الصحي.  

يتضمن العقد الجديد مجموعة التزامات منها، ردم البحر، وإنشاء طبقة عازلة على الأرضية، بالإضافة إلى بناء كاسر للأمواج لناحية البحر، إلى جانب معالجة العصارة وإحراق الغاز الحيوي ومنع تسربه في الهواء، والالتزام بالشروط البيئية. ويشكك مراقبون في إمكانية استمرار المطمر الجديد فترة طويلة والتزامه بالشروط البيئية والصحية، مرجحين أن يصل إلى مرحلة الإشباع قبل عام 2022، إذ تبلغ سعته 410 آلاف طن.
في المقابل، وضع "اتحاد بلديات الفيحاء" لائحة شروط ومؤشر أداء مؤلَّفة من 152 نقطة يجب أن يلتزم بها المشغّل انطلاقاً منها، لناحية الوفاء بالمعايير الدولية لإدارة النفايات، تقوم فرق الكشف الميداني بالتحقّق منها لاحقاً. ويجزم الناشطون أن الشركة المنفّذة لا تلتزم بأكثر من 30 في المئة من مضمون العقد، كما لم يتم حفر أي بئر لإستخراج الغاز، والتي يُفترض أن يبلغ عددها 30.
حالياً، وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف مدة العقد، إلا أنه لم تتم إقامة شبكة ومعامل لمعالجة عصارة النفايات. وقال المهندس قمر الدين (الرئيس السابق لاتحاد بلديات الفيحاء) إن "العصارة تُجمَع في برك عوضاً عن معالجتها، ومن ثم يُعاد ضخها على النفايات". ورجّح أن يكون "عدم توفر المال هو السبب وراء عدم الاستمرار في تطبيق موجبات العقد"، مشيراً إلى أن "الكشوف التي تقدّمها الشركة يتم خصم جزء منها لقاء عدم القيام بمعالجة العصارة التي يتضمنها العقد". ويرفض متابعو الشأن الطرابلسي هذه الطريقة بالتعاطي لأن مجرد خصم ثمانية دولارات لقاء عدم معالجة العصارة، ليس عقوبة، لأن الشركة تستمر في تحقيق أرباح طائلة، إذ إن طمر الطن لا يكلّفها أكثر من 25 دولاراً، والهامش الكبير المتبقي من الربحية يشجعها على عدم المعالجة.
من جهة أخرى، اتضح أن النفايات التي يكره رائحتها الجميع، يتسابق أرباب المال عليها لتحصيل المكاسب والأرباح. ويسخر الناشطون من واقع  المطمر، لأن "هذا الطفل غير الشرعي" الذي يتهرب الجميع من تحمّل مسؤوليته، ينتظر أرباب المال هؤلاء طرح مشروع إزالته، للتسابق عليه، كما حصل مع مكب النورماندي في بيروت ومكب صيدا (جنوب) الذي تحوّل إلى حديقة.