Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ترجمة عاشرة تعيد "كوخ العم توم" إلى القراء العرب

رواية الأميركية هارييت بيتشرستو ما زالت معاصرة بعد 170 سنة على صدورها

الكاتبة الأميركية هارييت بيتشر ستو صاحبة رواية "كوخ العم توم" (غيتي)

تعاود رواية "كوخ العم توم" للروائية الأميركية هارييت بيتشرستو، الظهور باللغة العربية مرة عاشرة بترجمة المصري عبد الفتاح عبد الله (مؤسسة هنداوي) الأمر الذي يطرح سؤالاً حول الأسباب التي تدفع لترجمة عمل أدبي أكثر من مرة، فهناك كثير من الأعمال الإبداعية العالمية التي حظيت بعدة ترجمات، فالإلياذة لهوميروس تُرجمت خمس مرات للعربية أقدمها لسليمان البستاني عن الفرنسية 1904، والقدر نفسه من الترجمات حظيت به "الكوميديا الإلهية" لدانتي.

ترجمات عشر

وهناك كثير من الأعمال الروائية المعاصرة التي حظيت بعدة ترجمات ربما أشهرها "مئة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز، بست ترجمات لكل من سليمان العطار، وصالح علماني، وسامي الجندي، ومحمود مسعود، ومحمد الحاج خليل، وكريم محمود.

لكن ما من عمل أدبي ربما يتخطى الترجمات التي حظيت بها رواية "كوخ العم توم" العشر، وذلك خلاف التلخيصات لها والنصوص المسرحية المتحولة عنها، وأقدم ترجمة لها تعود لمنير البعلبكي عام 1953، ثم توالت الترجمات: حلمي مراد، وفؤاد أندراوس، وسليم خليل قهوجي، وأكرم الرافعي، وحسين محمد القباني، وميخائيل حداد، وذكري حاج حسين ومحمد نديم خشقة، وهيلينا عبد النور، وصولاً إلى عبدالفتاح عبدالله.

ونشرت تلك الرواية للمرة الأولى قبل نحو 170 سنة، وتتناول مأساة الزنوج في الولايات الجنوبية الأميركية، وكان لها بالغ الأثر في اندلاع حرب تحرير العبيد 1861، ومن فرط تأثرهم بهذه الراوية أعتق بعض الروس عبيدهم وقت نشرها، ويشير منير البعلبكي في مقدمة ترجمته إلى أن "ستاو" حين التقت الرئيس أبراهام لنكولن عام 1862 في أوج الحرب الأهلية، هرع ليستقبلها قائلاً: "إني سعيد أن أرحب بك بوصفك مؤلفة تلك القصة التي أحدثت هذه الحرب العظيمة". إلا أن هناك من يشكك في أن يكون لنكولن قال ذلك. وتصنف هذه الرواية من الروايات الواقعية ويؤثر عن مؤلفتها قولها إنها لم تؤلف هذه القصة، إنما فقط دونت بعض ما شاهدته في الولايات الجنوبية. وتعد هذه الرواية أولى الروايات التي كانت بين الكتب الأكثر مبيعاً، حتى أنها فاقت الكتاب المقدس في هذا الصدد وقت صدورها.

تدور الرواية حول قسوة حياة الزنوج في ظل العبودية، إذ يقوم السيد شيبلي مالك المزرعة في كنتاكي ببيع عبده المخلص "توم" وكذلك ابن جاريته "إليزا" ذي الأربعة أعوام، وحين تعرف الأخيرة ببيع طفلها تقرر الهرب وتذهب إلى توم كي تخبره بأن سيده قد باعه إلا أنه يرفض الفكرة مفضلاً ألا يخون ثقة السيد الأبيض. وتنطلق إليزا في رحلة هرب مثيرة صحبة طفلها إلى كندا حيث ستجد من يساعدها على إلحاق زوجها بها، فيما يلتقي توم الطفلة الملائكية "إيفا" على السفينة وتنجذب إليه وتدفع والدها إلى شرائه، وقبل وفاتها بمرض عضال تحرض والدها على تحرير توم، إلا أن موته يمنع حدوث ذلك، ويباع "توم" إلى تاجر عبيد قاس يلقى حتفه على يديه من شدة التعذيب.

ميلودراما روائية

وتتمتع الرواية بأسلوب ميلودرامي ذي حبكة بوليسية، تعمل على تحريك المشاعر الإنسانية، فيها شخصيات واضحة المعالم والميول إما طيبة طوال الوقت أو أخرى على النقيض من ذلك. فـ"توم" في الرواية يتمتع بكل صفات النبالة وإيمان حقيقي بالمسيحية، يرفض أن يخون سيده، يعرض نفسه للعذاب من أجل إنقاذ الآخرين. وتعج الراوية بكثير من هذه المشاهد الميلودرامية من بينها الحوار الذي يودع فيه توم أسرته الصغيرة، قبل أن يأخذه سيده الجديد إلى الولايات الجنوبية المعروفة بقسوتها مع العبيد "أبلغي السيد أرثر أنني سأحبه ما حييت كما أفعل دوماً، أخبريه ألا يشعر بالسوء لأنه باعني، كنت على استعداد أن أضحى دوماً بحياتي من أجله". ولا تغيب الميلودرامية حتى عن حبكة الرواية ككل إذ تهيمن عليها المصادفة بشكل كبير.

فالكل يتوقع أن يلاقي توم حياة صعبة في الجنوب إلا أن القدر يسخر له في سفينة العبيد الطفلة "إيفا" البالغة من العمر خمسة أعوام التي تعجب به وبحكاياته، وحين تسقط من أعلى السفينة يقفز إلى الماء وينقذها فيشتريه والدها ليعيش حياة سعيدة معها. إيفا التي تحنو على الجميع وتتحدث بلسان أكبر من عمرها، تحب العصاة والمذنبين ذات طابع ملائكي، تلك الشخصية التي أحبها كل من قرأوا الرواية في عصرها وشهد اسمها رواجاً واسعاً بسببها، تموت بمرض مفاجئ بعد أن تجعل والدها يتعهد بتحرير توم، وفي اليوم الذي يهم فيه أن يحرره يقتل والد إيفا، ليباع توم لنخاس قاسي القلب، وفجأة يأتي ابن صاحب المزرعة القديمة التي يعيش فيها توم فينقذه من الجلد.

المصادفة الحاسمة

والمصادفة تعلب دوراً كبيراً في الرواية، ففي اللحظات الحاسمة التي يكون فيها مصير البطل على المحك يأتي الإنقاذ المفاجئ من السماء، ومن ذلك في رحلة هرب إليزا التي أنجبت ولدين ماتا، قبل طفلها هاري ذو الأربعة أعوام. يقرر سيدها أن يبيعها، وبالمصادفة تعرف أن ابنها قد بيع فتهرب ومعها ابنها وتنجح في ذلك عبر سلسلة من المصادفات وأناس كثر يساعدونها في الوصول إلى وجهتها.

وسعت "ستو" من خلال الميلودراما التي اتبعتها في نصها إلى تجسيد المشاعر الإنسانية حول قسوة العبودية من التفريق بين الرجل وزوجته وأبنائه ومنها المشهد الذي يعرف فيه أبناء توم الصغار بأمر بيع والدهم (همس موس "اصمت وأغلق فمك ألا تعرف أي شيء؟ لقد بيع والدنا". نظر الأطفال بعيون متسعة وقد تسببت تلك الكلمات المخيفة في أن يتوقفوا عن انخراطهم في اللعب... "إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شخص هو أن يُباع أو أن يسافر في النهر". وكذلك تفريق الأم عن أبنائها وبيعهم مثلما جرى مع إليزا ووالدتها. وهناك الفتاة توبسي التي أخذها النخاسون وهي صغيرة ولا تعرف مثل كثر من هما والداها، وجرى تعذيبها بقسوة عند سادتها البيض ما جعلها تستمرئ التعذيب وتسعى إلى أن يضربها سادتها الجدد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتضفي "ستو" على مشهد موت بطل روايتها "توم" صورة للمسيح الذي يتحمل المعاناة من أجل خلاص الآخرين. يضحي بنفسه من أجل سادته البيض ومن أجل رفقائه في الألم من الزنوج. يُعذب من أجل امرأة ضعيفة كان يعطيها ما يجمع من قطن حتى تتم نصابها فلا تُعذب. يُجلد لرفضه أن يقر بمكان السيدتين اللتين هربتا بعد أن كان سيدهما يعتدي عليهما جنسياً، ويرضى بأن يعرض نفسه للموت في سبيل إنقاذهما. إلا أن هذه الصورة لا تظهر بوضوح في ترجمة عبد الفتاح عبد الله الذي عمد إلى حذف كثير وتلخيص أحداث الرواية بشكل أخلَّ برسم أحداث العمل الأصلي.

ومن الجدير ذكره هنا، أنه في القرن التاسع عشر كانت تعد هذه الرواية دفاعاً عن الزنوج إلا أن هذه الصورة تغيرت في القرن العشرين وأصبحت شخصية توم سبة وتهمة تستخدم لوصف أسود البشرة الخاضع لذوي البشرة البيضاء متواطئاً مع اضطهادهم للزنوج، بل إنه بات ينظر إلى "كوخ العم توم" على أنها عنصرية.

المزيد من ثقافة