Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وسائل الإعلام الأميركية أمام اختبار الموضوعية والحياد بعد ترمب

بعد معايشة مزايا وعيوب التحول من رئيس يشاكس الصحافيين إلى آخر يتجنب أسئلتهم ستواجه منصات المحتوى تحدياً حاسماً لدحض تهم الانحياز السياسي واستعادة ثقة الجماهير

انفرد الرئيس السابق دونالد ترمب بعلاقة جدلية مع وسائل الإعلام. (غيتي)

لنتفق أولاً على أن غرف الأخبار الأميركية والعالمية بمختلف توجهاتها، ستفتقد تصريحات دونالد ترمب المشاكسة لسببين: الأول، هو طبيعة شخصيته التي لا يمكن إلا أن تجذب الجدل أو تفتعله، والثاني أن خلافته جاءت من نصيب جو بايدن، السياسي التقليدي الذي نضجت لغته وأفكاره تحت قبة مجلس الشيوخ، وداخل أروقة لجنتي العلاقات الخارجية والقضاء، منذ سبعينيات القرن الماضي.

بين رئيسين

ما يميز الرئيس السابق دونالد ترمب، أنه كان خلال ولايته اليتيمة، "الصديق العدو" للصحافيين، نعم يبادلهم العداء، لكنه في الوقت نفسه يمنحهم العناوين اللافتة، وهو الذي استشهد يوماً بمزاعم تقول إن "انتخابات أفغانستان كانت أكثر أمناً من انتخابات بلاده التي خسرها"، وجعل اسم الولايات المتحدة، الذي لطالما ارتبط بمصطلحات الديمقراطية وانتقال السلطة السلمي، مقترناً بأحاديث عدم الشرعية والتزوير ومخاوف تدخل الجيش، ليثير بذلك حالة شغب رئاسية، دفعت أحد الصحافيين العرب إلى وصفه بـ"رئيس تحرير البيت الأبيض"، قبل أن تمنحه صناديق الاقتراع رسمياً مسمى الرئيس السابق، وتفرض عليه شبكته المفضلة "تويتر" لقب الطائر المكتوم.

في حين عرف عن بايدن، الذي أصبح الرئيس السادس والأربعين، نهج مغاير عن سلفه، تغلب عليه سمات التقليدية والدبلوماسية في تعاطيه مع الصحافة. ويمكن تبرير العلاقة المتوازنة بين ساكن البيت الأبيض الجديد والمؤسسات الإعلامية، بدخوله المبكر ميدان السياسة، وانتخابه في مجلس الشيوخ للمرة الأولى عام 1972، كسادس أصغر سيناتور في تاريخ الولايات المتحدة، قبل أن يختاره باراك أوباما عام 2009 لشغل منصب نائب الرئيس فترتين رئاسيتين.

أسئلة بلا جواب

فضلاً عن فقدان العناوين المثيرة، سيواجه صحافيو البيت الأبيض تحدياً صعباً للحصول على إجابة من بايدن، فإضافة إلى استخدامه لغة مألوفة داخل قلاع السياسة الأميركية، متمسّكاً بخطاب دبلوماسي لا يتعمد إثارة الجدل، فإن معاناته من التأتأة لم تعد خفية، وعلى الرغم من أن اضطراب الكلام لم يحد من صعوده السياسي، أو يضعف موقفه في أثناء مقارعة أعتى مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري في سلسلة المناظرات المحتدمة، التي ترقبها الأميركيون، فإن تجنب الرئيس أسئلة الصحافيين بات واضحاً منذ المؤتمرات الدورية التي واظب على عقدها في ويلمينغتون، وقيل حينها إن تصريحاته الخارجة من دون سابق تفكير، كانت تشغل فريق حملته الانتخابية الذي يحاول جاهداً ضبط ظهوره الإعلامي خشية الوقوع في زلّات لا يمكن تداركها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد انتقاله إلى البيت الأبيض محمّلاً بآمال الأميركيين في القضاء على جائحة كورونا، أصبح تحاشي بايدن الأسئلة الموجهة إليه أكثر إثارة للأقاويل، بينما تلاحقه العدسات، وينتظره جيش من القنوات والصحف التي ترابط في أروقة مسكنه الجديد، أملاً في انتزاع سبق يشفي غليل الانتظار، ويجيب عن تساؤلاتهم الكثيرة والمدفوعة بحزمة كبيرة من الأوامر التنفيذية التي أصدرها خلال الأسبوع الأول من ولايته، وفاقت بشكل لافت عدد الأوامر الموقعة في الأسابيع الأولى لأسلافه بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترمب.

لكن، وعلى الرغم من حضوره الإعلامي المحسوب في أغلب الأوقات، فإن علاقة الرئيس الأميركي بالصحافة لا تخلو من شطحات في السابق والحاضر، كان آخرها الثلاثاء الماضي، حين سأله مراسل "فوكس نيوز"، بيتر دوسي عن فحوى المكالمة الهاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فأجاب بايدن وهو يهم بالمغادرة، عقب توقيع بعض الأوامر التنفيذية، قائلاً، إنهما "تحدثا عن دوسي"، وإن "بوتين يرسل تحياته". وفيما عدَّ مغردون تعليق الرئيس طريفاً، اعتبره آخرون مهيناً حد الإساءة إلى حرية الصحافة، وأشاروا إلى أن ترمب كان سيتلقى انتقاداً عنيفاً لو أطلق هذا التصريح، بخلاف بايدن الذي يهادنه الإعلام، على حد رأيهم.

أزمة الحياد

ولا يدل رد الفعل في مواقع التواصل الاجتماعي تجاه تصريح بايدن على الانقسام حول الواقعة فحسب، لكنها تعكس موقف ملايين الأميركيين الذين يناصرون الرئيس السابق دونالد ترمب، ويزعمون أن مؤسسات الإعلام وشركات التواصل الاجتماعي، واقعة تحت سيطرة الليبراليين، بالتالي فإن إجراءاتها لن تنفك عن محاصرة أصحاب التوجهات المحافظة، بحجب أطروحاتهم وتضخيم أخطائهم، وفي المقابل، دعم ما يدافع عنه الديمقراطيون ونشطاء اليسار، وإغماض أعين الرقابة عن تجاوزاتهم.

وتدخل في زوبعة الجدل التي أثارها ترمب في شأن حياد الإعلام الأميركي، إقالة الصحافية المخضرمة لورين وولف، بعدما اتهمها يمينيون بالتحيز الإعلامي، إثر تغريدة، قالت فيها إنها "أحست بقشعريرة" عند رؤية طائرة الرئيس الحالي جو بايدن تهبط في قاعدة أندروز الجوية.

وبعد يومين من التغريدة التي رصدها بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي اليمينيين ومواقع الأخبار، واستخدموها للإشارة إلى التحيز الإعلامي، أقيلت وولف التي عملت سابقاً في "الغارديان" البريطانية، من وظيفتها كمحررة في "نيويورك تايمز". وفي ظل الاتهامات المتبادلة بين اليمين واليسار، قد يرى البعض أن وولف ذهبت كبش فداء في سبيل محاولة الصحيفة إثبات موقفها المحايد، في وقت تواجه وسائل الإعلام اتهامات بالانحياز السياسي وإقصاء المحافظين.

وفي حين تعرضت "نيويورك تايمز" للانتقاد من بعض المدافعين عن وولف الذين أشاروا إلى أن الصحيفة لم تطرد الصحافي غلين ثراش بعدما اتهمته نساء بسلوك غير لائق جنسياً في عام 2017، واستعاضت عن الفصل بالإيقاف عن العمل مدة شهرين، لفتت دانييل رواديس ها، المتحدثة باسم الصحيفة، إلى "وجود الكثير من المعلومات غير الدقيقة المتداولة على تويتر". وأضافت في تصريحات إلى "واشنطن بوست"، "لأسباب تتعلق بالخصوصية، لا ندخل في تفاصيل الأمور المتعلقة بالموظفين، لكن يمكننا القول إننا لم ننهِ توظيف شخص ما بسبب تغريدة واحدة. واحتراماً للأفراد المعنيين، لا نريد إضافة المزيد من التعليقات".

اعتقاد متجذر

لا يعد سعي وسائل الإعلام الأميركية إلى النأي بنفسها عن شبهات التحيز وليد اللحظة، ولا انخفاض الثقة بصدقية الصحف والقنوات، نتيجة مباشرة لوصول الرئيس السابق إلى الحكم، بل كانا متجذرين مسبقاً، وما كان دور ترمب إلا أنه أيقظ المشاعر الكامنة بحملته ضد "الأخبار المزيفة". ووفقاً لإحصاءات مؤسسة "غالوب" المتخصّصة في استطلاعات الرأي، فإن 18 في المئة فقط من الأميركيين يثقون بالأخبار التلفزيونية، في حين يبدي 24 في المئة نوعاً من الثقة تجاه ما تنشره الصحف.

وبعد أربع سنوات أمضتها غرف الأخبار الأميركية في مواجهة تحد شاق تمثل في نقل أخبار الإدارة السابقة، وتفنيد تصريحات ترمب، والتمييز بين الحقائق والمبالغات، ستكون بعد انتهاء ولايته، على موعد مع اختبار لا يقل صعوبة، لإثبات حيادها أثناء تغطية أخبار الرئيس جو بايدن، الذي ترى صحيفة "ذا هيل"، أنه تلقى دعماً شبه موحد من الصحافيين في انتخابات 2020.

حلول عملية

وعلى الرغم من أن إثبات الموضوعية والحياد لم يعد أمراً سهل المنال، في ظل اتهام المحافظين وسائل الإعلام بالتحيز الذي أظهرته، على حد رأيهم، فرحة العاملين فيها بفوز الديمقراطي جو بايدن بالانتخابات الرئاسية، فإن توماس غيفت، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "يونيفرسيتي كوليدج لندن"، يضع أمام الصحافيين أربعة معايير أساسية، لتوخي المهنية واستعادة ثقة الجماهير.

فإذا ما أرادت وسائل الإعلام تجنب الانتقادات بشأن الافتقار إلى الموضوعية عند تناول أخبار الرئيس بايدن، يتوجب عليها عدم معاملة ترمب كـ "نقطة مرجعية" تجري الإشارة إليها دائماً، وعلى أساس هذا المعيار، ينبغي على الصحافيين، تغطية الأخطاء التي يرتكبها بايدن أو طاقمه أو حلفاؤه، مهما صغرت بتجرد، وعدم السعي إلى التقليل من حجمها، من خلال مقارنتها بأخطاء ترمب الجسيمة.

أما المعيار الثاني، فينصّ على أن لا تجعل وسائل الإعلام، الحيلولة دون إعادة انتخاب ترمب هدفاً لها، حتى لا تسعى إلى تلميع إدارة بايدن، خوفاً من أن تقود المعاملة العنيفة لها إلى تمهيد الطريق لولاية ثانية للملياردير الجمهوري، بخاصة أن إدانة الأخير بالتحريض على هجوم الكونغرس الذي خلّف خمسة قتلى في السادس من يناير (كانون الثاني)، تبدو مستبعدة، فعلى الرغم من مضي مجلس الشيوخ في إجراءات المحاكمة، فإن الموقف الرافض لها من غالبية الجمهوريين يبعث برسالة مطمئنة إلى ترمب ومؤيديه.

كما أنه من الضروري أن يُقيّم بايدن باستخدام معاييره الخاصة، وبناء على الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية، التي يأتي في مقدمتها توحيد الأميركيين، والقتال من أجلهم بصرف النظر عن الانتماء الحزبي، إضافة إلى اتخاذ إجراءات جادة لمواجهة التغير المناخي، واعتماد خطة الهجرة الجديدة التي من شأنها أن توفر طريقاً للحصول على الجنسية في غضون ثماني سنوات، لنحو 11 مليون شخص، على أن يبرز الصحافيون إذا فشل الرئيس في الوفاء بوعوده، على أساس سياسته، وليس بالخطاب فحسب.

وأخيراً، يشدد غيفت، الذي يدير مركزاً متخصصاً في السياسات الأميركية في لندن، على التذكير بأنه لا يوجد ما يمكن وصفه بـ "الطبيعي"، ويقصد على الأرجح حقبة ترمب والفترة الانتقالية بعدها، مستشهداً بالجملة التي قالها المحرر في صحيفة "نيويورك تايمز"، بيتر بيكر، عام 2017، بعد دخول الرئيس الجمهوري البيت الأبيض: "لا يجب أن ننظر إليه على أنه بيت أبيض عادي".

وهو ما تحقق فعلاً بعد أربع سنوات، إذ يرى مراقبون أن ترمب لم يلتزم قواعد واشنطن، ولم يتصرف وفق أعرافها في كثير من الأحيان، وكان مصراً على استعداء وسائل الإعلام وشركات التقنية الكبرى حتى انتقلت من مركز الحياد إلى وضع دفاعي يتيح لها صد الهجمات، ومن حالة هدوء اتسمت بالتدخل الضئيل في المحتوى، إلى حالة تأهب قصوى، بلغت ذروتها مع الحظر الذي فرضه موقع "تويتر" على الرئيس الجمهوري، متخلياً عن عصفوره الأكثر نفوذاً آنذاك بدم بارد.

وعلى الرغم من أن شبكات التواصل الاجتماعي التي ألغت حضور ترمب افتراضياً، وأوقفت آلاف الحسابات التابعة لأنصاره، تكبّدت خسائر مالية كبيرة بُعيد الخطوة المثيرة للجدل، فإن الضربة التي تلقاها الرئيس السابق كانت مدوّية للغاية. وسواء مبررة أم لا؟، فإن منصات المحتوى بمختلف أشكالها في الولايات المتحدة، أمام تحد حاسم لاستعادة ثقة الجماهير، التي لن تعود إلا بالتزام الحياد والموضوعية.

المزيد من تقارير